لا يعنينا في هذه الخاطرة أن نعرّف الشعر لنحتكم الى التعريف في الحكم على ما انطوى عليه ديوان «أغلى الرسائل»، فما إلى التقويم قصدنا، ولا الى مناقشة موهبة الشاعر سالم الزمر وجّهنا ما كتبنا. فإن شاعرية الديوان وموهبة الشاعر أمران جليّان لا يختلف في جودتهما اثنان. وإنما الذي اتجهنا الى تعرّفه، والى وضعه على محك النقد أمر آخر، أو أمور أخرى، يمكن استنباطها من الإجابة عن بضعة الأسئلة التالية: ما الأفكار التي طمح الديوان الى تناولها، وماذا تناول منها بالفعل لا بالتصوّر؟ وما مقياس الرفعة في مضمون الشعر عند الشاعر، وما مدى التزامه هذا المقياس؟ وما وظيفة الشعر عنده، أهي التعبير عن ذات الشاعر أم التعبير عن حياة الأمة؟ ومتى يكون الشعر حاراً صادقاً، ومتى يكون بارداً منافقاً؟ وأي التيارين أحبّ الى الشاعر ان يتجنب الموضوعات اليومية المبتذلة، فيحيا في محرابه الفني وكوخه الريفي، ويصف الجمال، ويهوّم في آفاق الخيال، فيغدو شاعراً رومانسياً ام أن يخالط الناس، ويترجم أفكارهم وهمومهم، فيغدو شاعراً واقعياً؟ وأخيراً، ما الشكل الفني الذي يؤثره الشاعر اهو شكل الشعر الأصيل الملتزم اوزان الخليل، ام شكل الشعر الحديث المتطور المتأثر بمذاهب الغرب؟ وفي الاجابة عن الأسئلة السابقة لن نلجأ الى المداورة والختل، ولا الى التأويل والتعليل، لأن الشاعر كفانا مؤونة التكلف، ووضع بين أيدينا الاجوبة قبل أن نسأل، والحقائق من غير أن نتمحّل. طمح الشاعر الى ان يكون الشعر موجة زخارة هدارة تطغى على شطآن الحياة الراكدة، فتثير شعوبها الراقدة، وتغسل ما ران على جوانبها من طين التخلف، وتبثّ في روحها عوامل التغير والتطور، وترعب الطغاة المستبدين الذين يعدون هذا النمط من الشعر شغباً يهدد الاستقرار والاستمرار: الشعر ما الشعر ان لم يغْدُ قافية لها كما الموج في الشطآن تذكار الشعر ما الشعر ما نفع الغناء إذا لم يضطرب من رجيع اللحن جبار وهذا المفهوم النظري دفع الزمر الى الاعجاب بالشاعر الراحل محمد مهدي الجواهري، فرثاه، وأبرز في رثائه ما عرف به الجواهري من تمرد على حكام العراق قبل الثورة وبعدها، وما أدمنه من نقد وتنديد، وما ألفه من عنف وعنفوان، وتدفق وغضب، حتى غدا رائد الشعراء المعارضين، الذين يبكون على العراق وعلى الأمة العربية، ويصورون ما أصابها من نكبات ساحقات: يارائد الشعراء القابضين على جمر من الطرب الموزون ملتهبا تركت فينا جوى لا ينتهي أبداً يبكي العراق ويشكو للمدى العربا وهذا الإبراز للجانب الكفاحي في شعر الجواهري لا يعني ان الزمر يفضل الموضوعات السياسية على الموضوعات الذاتية، وإنما يعدل بين الجانبين، ويعطي كلاً حقه، ثم يقدم الذاتي على السياسي من الشعر، ويراه أبقى وأنقى، ويبارك للجواهري بقصائده الوجدانية العذبة التي خلّدته، لا بقصائده السياسية المرة التي ذهب بريقها، وخمد لهبها بانطواء الأحداث والمناسبات التي صنعتها: مزجت في كأسك الهمّين تشربها مرّ السياسة والشعر الذي عذبا وما تبقى بكأس انت مازجها الا العذوبة، أما المرّ فانسكبا ولما كان الشعر السياسي مرتبطاً بالأحداث والمناسبات فان الزمر يؤثر عليه الوجداني المرتبط بحياة الشاعر وتجاربه، واللصيق بقلبه وبغضه وحبه، والمعبر عن معاناته، والمنفس عن آلامه المكبوتة: يامنية النفس ليس الشعر قافية جوفاء عندي، وبيتاً فيه موزونا الشعر عندي حديث النفس أسكبه من وهج قلبي ومن عمري تلاحينا الشعر إحساسي الطاغي على عمر قد مرّ ماذقت في أيامه لينا ولسنا في حاجة الى استعراض الموضوعات، او تلخيص الافكار التي تناولتها القصائد الثماني والثلاثون في ديوان «أغلى الرسائل» لنثبت ما ادعيناه من غلبة الذات على السياسة، وبروز القصائد الوجدانية وضمور القصائد القومية، فان عنوانات القصائد وحدها كافية للدلالة القاطعة على دعوانا. ومن هذه العنوانات الوجدانية الذاتية: أمي، حديث الشجو، نفسي، احلام ضائعة، مضنى، دموع، الاماني، شوق... الخ. ان كل قصيدة من هذه القصائد تمثل حالة من حالات نفس مرهفة الحس، او صورة من صورها المتعددة الجوانب، الكثيرة الهواجس، او هي تحليل لعاطفة من عواطفها المتأججة في هدوء، يشبه هدوء الجمر. والسمة الغالبة على الديوان كله هي الألم الدفين العميق، والإحساس الممض بالاغتراب، والإغراق الحزين في الاكتئاب، وتغليب الترح على الفرح، واليأس على الأمل، والتعاسة على الشقاء، على نحو رومانسي شديد التأثر والتأثير، مما يندر الظفر بمثله في هذا العصر المادي النفعي المسرف في الواقعية. والحق ان رومانسية الزمر ظاهرة مستغربة ومحببة: هي مستغربة لان صاحبها يعيش في بيئة ازدهرت حضارتها، واتسعت تجارتها، وشمخ بنيانها، وبذخ انسانها، وحسنت احوالها، وكثرت اموالها، وأقبل البشر فيها على الدنيا من كل اطراف الدنيا، فكيف استطاع الشاعر ـ وههنا سر الاستغراب ـ ان ينسج حوله هذه الشرنقة من حرير الشعر العاطفي الرقيق ليقبع فيها بعيداً عن التنافس والتكاثر، والأسواق والأسعار، والعرض والطلب، والربح والخسارة، والأرقام والأطماع. أهذه القصائد فعل ام رد فعل، وموقف ام استنكار موقف؟ وتيار يشق طريقه، ام سد امام تيار؟ وهي محببة لأنها تنقل الشاعر والقاريء الى منتجع روحي، تطيب فيه النجعة، وتحسن النزهة، لولا الآلام الموجعة التي تتصاعد زفراتها من تضاعيف الابيات. فإن كنت ممن يقرّ بعينك ما يقرّ بعين الشاعر من اللجوء الى الطبيعة والهرب من الصخب والشغب فعليك ان تأنس بما يرسم لك من صور الجمال بريشة الخيال، وان تبحث لنفسك بين هذه الصور عن أشدها اشراقاً فتنظر فيه، وبين هذه العواطف عن أقربها الى السعادة فتسكنه قلبك. ان رومانسية الشاعر المتطرفة كادت تبعده عن الحياة، وتزهّده في الأغراض التي يتناولها الواقعيون، وكادت تفصله عن الارض، وتحمله الى السماء على جناحي الشعر والفكر: أحلى وأجمل ما في الرحلة الشعر هو السماء التي أسرى بها الفكر يا شعر يا سفر الأسفار كم رحلت على جناحيك منا خفقة بكر وربما كان هذا الاتجاه الممعن في عزل الشعر عن المناسبات ردا على الاتجاه الممعن في تسخير الشعر للمناسبات. وزراية بما ينجم عن هذا التسخير من نظم متكلف مكرور المعاني، فاتر المشاعر، متصنع الصياغة، لا تجد فيه فكرة تومض، ولا حساً يتوقد، ولا لوحاً متقن الرسم. يقول الشاعر: لست أدمي محابر الشعر شعراً زائف الحرف للدواوين يتلى لست أرضى معانياً من سراب نتراءى، به الأكاذيب تملى لست أرضى معانيا من ضباب تفضح الشمس ريبها حين تجلى انه يرفض ان يكون ذيلاً لسواه، وطوعاً لمناسبات تفرض عليه أحداثها وأفكارها، ويشحن قلبه وأعصابه بمشاعرها لينقلها الى الجماهير بعد ان يصوغها صياغة غير متقنة، فتأتي مغلفة بالسراب، ملتفة بالضباب. فهذا الضرب من القريض قد يملأ آذان الناس حماسة، لكنها حماسة لا تدوم، وقد يفجر الصدور غضباً، لكنه غضب سطحي كغضب الألعاب النارية، تنفجر ثم تندثر، وتتشظّى ثم تتلاشى، وتضيء لحظات ثم يعود الظلام. أما الشعر الذي يؤمن بقيمته ومكانته الزمر فهو النابع من الحرية الفردية. يقول في كلمة يمهد بها لإحدى قصائده: «لكم تعشق النفوس الشاعرة الحرية التي تشبه حرية راع يجوب الصحارى غناء، ويتخذ من حضنها وطناً له عطر الخزامى، وغناء يملأ المدى شجناً» ويترجم هذه الفكرة شعراً في قصيدة اخرى فيقول: انما الشعر طائر لا يغني وهو في قبضة الحياة سجين قد توافق الشاعر وتعد من عشاق الحرية، وقد تخالفه وتعد من عشاق الحرية ايضا. اما الحرية الاولى التي توافقه عليها فهي حرية بلا تبعة، واما الحرية التي تخالفه في اختيارها فهي التي تحملك تبعات الكلمات، فان تخيرت الاولى كنت رومانسياً، وان تخيرت الثانية كنت واقعياً، فأنت وما تختار. هذا هو المضمون الذي تخيره سالم الزمر لشعره، والتزمه فيما نظم، ودعا من يوافقه الى التزامه. اما الشكل فهو النمط الاصيل العمودي الخليلي، الموحد القوافي، المتين السبك، البعيد عن التأثر بالحداثة، المعصوم من التمذهب بمذاهب الغرب. ان الشاعر يرى الحداثة حدثاً، والتغريب غربة وغرابة، والتجديد تبديداً، وتقطيع البيت الى تفعيلات متفرقات تحويلاً لبردة الشعر الضافية السابغة الى خرق ومزق. يقول: شُوّهت ياشعر ما عدت الذي عرفت قلوبنا قد طواك اليوم إعصار قد شوهتك دعاوى العصر، واخترمت وجوه فنك آراء وأفكار أصبحت تلبس ثوباً، ليس نعرفه عليك من رثّ سخف الغرب اطمار نخلص مما عرضنا الى ان ديوان «أغلى الرسائل» حرص غاية الحرص على ان يجلو مفهوم الشعر بالتنظير والتطبيق، فكانت محصلة ما نظر وطبّق ان ارفع الشعر وأمتعه هو الشعر الذاتي الوجداني، الصادق المشاعر، الأصيل الأسلوب.