منذ حوالي ربع قرن زرت لندن في بداية رحلة أوروبية استغرقت شهرا، كان ذلك عام تسعة وسبعين، وكان دافعي الرغبة في رؤية المتاحف الشهيرة، والوقوف أمام الأصول في الفن العالي، تلك الأصول التي لم أرها إلا مطبوعة في الكتب أو المجلات، ولم تكن تلك الطباعة متقدمة في ديارنا وقتئذ لذلك شتان ما بين الفرع والأصل، أو الصورة والظل. خلال زيارتي تلك صاحبت صديقا مصريا هاجر إلى لندن مبكرا، وعمل في المسرح مخرجا وممثلا وتقلب في مهن شتى، ثم إنتقل إلى الصحافة، وتطور عبر سنوات عدة حتى أصبح الآن من المعلقين البارزين المتخصصين في الشرق الأوسط والعالم العربي، وكثيرا ما أراه في الفضائيات العربية يفسر ويحلل. مواقف عديدة أتذكر من خلالها صاحبي هذا، لكنني إذ أستعيده أو يرد اسمه على يقفز إلى مقدمة الذاكرة حديثه في الهاتف إلى مخرج إنجليزي أخبرني أنه مشهور ومهم كان يدعوه إلى الغداء ويبدو أن المخرج رحب بالدعوة لأنني سمعت صاحبي يستفسر منه عن الأشخاص الذين يفضل وجودهم، هل يقترح أسماء معينة؟ وعندما أمسك بالقلم أدركت أن الرجل اقترح اسما أو اسمين التفت صاحبي إلى، قال إنه سعيد جدا بقبول الرجل لدعوة الغداء إنه مخرج مهم ويأمل خيرا من التعرف إليه، ثم عاد ليتصل بصديقته ليخبرها أن المخرج قبل الدعوة وأنه سيتناول معه الغداء إذن في المطعم ـ ذكر اسما نسيته الآن ـ وبعد أن إنتهي عاود الإتصال بصاحب عربي له ، في البداية كان حديثه عاديا ثم قال فجأة إنه سيتناول الغداء إذن مع المخرج الإنجليزي ، وخلال ساعة كان عدد المكالمات التي أجراها حوالي سبع مكالمات هاتفية يشرح في كل منها أمرا ، لكنه يذكر دعوته الرجل إلى الغداء غدا قلت له مداعبا. يا أخي فضحت الرجل على وجبة .. قال لي إن مجرد تناول الغداء مع هذا الفنان مهم فما الحال إذا كان يلبي دعوته وعندئذ فهمت أن هذه المكالمات جزء من الاعلان أو الإشهار أو الدعاية عن نفسه ، قبل هذه اللحظات لم أكن أهتم بموضوع الأكل والدور الذي يلعبه في العلاقات ، إجتماعية أو اقتصادية أو سياسية بالنسبة لي كان الأكل جزءا من حياتي اليومية كأي إنسان طبعا أحببت أصنافا معينة ،ينتمي اعدادها كلها إلى ما كانت تعده لنا الوالدة ـ رحمها الله ـ ولكنني لم أحرص على الإرتباط بنوع معين ، شعاري دائما أنني أتذوق وأستمتع بالأكل الجيد إذا وجد أما إذا لم يتح لي فأبسط ما تيسر يرضيني، كثير من الأصناف التي عرفتها طفلا من مثيرات ذاكرتي ، مثل الخبز الشمسي الذي نعده في صعيد مصر ، والملوخية الخضراء ذات العبق المصري الأصيل ، سواء كانت خضراء في موسمها أو جافة أي محفوظة ، وتلك تعد بإتقان في صعيد مصر ، وأوقن أن طريقة حفظها منحدرة إلينا من العصر الفرعوني ، ونسميها في الصعيد (الملوخية الناشفة)، كذلك الأسماك بأنواعها ، والفول المدمس المتقن ، والباذنجان المقلي في الزيت ، المغمس بالخل والثوم ،والمخلل منه بأنواعه المختلفة ، الأكل ركن أساسي في الذاكرة ، وإذا أستعيد الأيام التالية لإجرائي جراحة القلب في الولايات المتحدة أتوقف عن الأكل بالتحديد بعد مغادرتي الرعاية المركزة ، ومستشفى العناية إلى الفندق الملحق قال لي الدكتور مهدي زراقي الطبيب المعالج والذي يتابع حالتي ـ إيراني الاصل من أصفهان ـ انني لمدة أربعين يوما يمكنني أن أكل ما أريد وما أشتهي ، لكن بعد تمام الأربعين يوما يجب أن التزم بنظام خاص وأي خروج عنه مكروه ولن يتحمل مسئوليته كانت ترافقني زوجتي . ولها نفس في أعداد الطعام ينتمي إلى المدرسة القديمة ورثته عن والدتها ـ رحمها الله هكذا وضعت برنامجا سخيا فيه كل ما هو ثمين ، نزلت إلى الأسواق وعادت بأحجام مختلفة من الجمبري ، وأجزاء الديوك الرومي ، وقطع الضأن والبتلو الممتازة. وسرعان ما لعلعت في فضاءات الفندق روائح التقلية الشهية التي تنتج عن الفلفل والكمون والبهارات المختلفة ، بحيث يمكن الاستدلال على مكان الغرفة من تتبع الرائحة ، غير أنها فوجئت بي أطلب الفول المدمس والباذنجان المقلي، بدت حائرة ، من أين لها يمكن أن تجد الفول المدمس هنا؟ لم ينقض وقت إلا وعادت متهللة لتخبرني أنها عثرت على الفول المدمس يقدم على الطريقة المصرية ، في الفندق الآخر التابع للمستشفى أيضا ، كان الطبق سعره سبعة دولارات ، أعلى من السمك والدجاج ، وأدركت أن إدارة المستشفى التي لا يغيب عنها أي صغيرة أو كبيرة لاحظت حنين المرضى إلى الأطعمة التي عرفوها في سنواتهم الأولى ، لذلك وفرت للمصريين الفول والطعمية وحتى المخلل ، ولا أذكر أنني استمتعت بمذاق أشهى من ذلك الذي عرفته لحظة التهامي أول طبق فول بعد العملية ، كنت أعيد اكتشاف العمر الأول، إذن الأكل ذاكرة. غير أن الأكل ليس ذاكره فقط ، إنما هو وسيلة للتواصل الاجتماعي أيضا ، يكون للأكل متعة إضافية إذا ما كان يتناول في جمع ، ولعل من اللحظات السعيدة التي نحتفظ بها في أفئدتنا ، تلك الوجبات التي تناولناها عند اكتمال العائلة حول المائدة ، ولعل هذا أحد مصادر بهجة شهر رمضان الذي يكتمل فيه الجمع عند ساعة معينة وبعد صيام عن الأكل والشرب ، أول مبادئ الأداب المتعلقة بالأكل تلقيتها في الطفولة من الوالدين أن أبدأ بلفظ اسم الله الرحمن الرحيم ، وأن أنهي الأكل بقول (الحمد لله)، ألا أمضغ بصوت مسموع ، لا أشفط ولا أقرقش وأتجنب التجشؤ ، وإذا أكلت مع أكثر من شخص من طبق واحد فألزم الجانب المواجه لي ، إذا كان الأكل عند جيران أو أقارب فيجب ألا ألحس الطبق لحسا، إنما أترك شيئا ولو مقدار لقمة ، فهذا يعني أنني مكتف وأنني لست مفجوعا ، وأنني شبعان من بيتنا . ثم اكتشفت في السنوات التالية عدة كتب في التراث العربي تختص بآداب المؤاكلة. كنا نأكل عند الأقارب ، وكان الأقارب يأكلون عندنا .وكانت المناسبات تتلخص في قدوم أحدهم من البلدة، أو الشفاء من مرض، أو عرس، أو مأتم. في الفرح لابد من إطعام المدعوين ، وفي المأتم أيضا ، الفارق أن أهل العريس هم الذين يتكلفون بإعداد الطعام وينفقون على تكلفته ، لكن في المأتم يجيئ الطعام من الأقارب والجيران. أولا من الأسرة الفقيرة فالحزن الهاهم عن إعداد الطعام ، ليس لأنفسهم فقط إنما للقادمين لتقديم واجب العزاء بعضهم من أماكن قريبة ، والآخرون من مناطق بعيدة ، وفي الريف المصري يرتبط هذا التقليد بالصينية ، فكل عائلة لابد أن تخرج منها صينية فوقها أطباق الطعام من خضار ولحوم وخبز ونشويات وأحيانا تجري المقارنات سرا أو بدون نطق بين صينية عائلة فلان أو صينية عائلة علان ، كل هذا ومظاهر الحزن بادية على الجميع ،وأحيانا تشارك قرية بأكملها في أعداد الأكل إذا نزل بها مسئولون كبار قدموا من البندر ، ومنذ شهور كنت في مسقط رأسي بجهينة ورأيت أكثر من الفي شخص يتناولون الطعام الذي خرج من كل بيت إلى السرادق الكبير الذي أقيم بمناسبة زيارة بعض المسئولين من العاصمة. الأكل في الريف دليل على الثراء ، والكفاية والسلطة . منذ طفولتي أسمع عبارات مثل زيتهم في دقيقهم في بيتهم أي أنهم مكتفين لا يحتاجون إلى آخرين. الأكل من دلائل القدرة والنفوذ ، والقدرة على إطعام الآخرين تدعيم للمكانة ، ومن العناصر الأساسية في الحياة العربية ، الكرم وإطعام الضيف وفي صعيد مصر استقرت قبائل عربية كثيرة منها جهينة التي أنتمي إليها وكثير من التقاليد التي عرفتها تنتمي إلى الحياة العربية كما تصفها كتب الأدب القديم وقد عرفت بيوت أثرياء كبار لا تنطفئ أفرانهم على مدار الساعة ولأن مدن الصعيد لم يكن يوجد فيها فنادق كذلك القرى لذلك أعدت الأسرة الكبيرة مضيفة أي مكان مخصص للضيوف والغرباء ومن التقاليد القديمة استقبال الغريب وإطعامه لمدة ثلاثة أيام وفي آخر اليوم الثالث يسأله القوم عن اسمه وهويته وقصده ، لكن مع ظهور الجماعات المتطرفة ، واشتداد مطاردتهم أصبح هذا التقليد في خبر كان في الصعيد أيضا شيوخ صوفية لهم نفوذ ومكانة أحد مصادر قوتهم غير الجانب الروحي تقديم بعض الطعام للمصلين عقب صلاة الجمعة أو عقب إقامة الحضرة والذكر. في عالم رجال الأعمال يحتل الطعام مرتبة هامة ، فالصفقات الثقيلة يتم التفاهم عليها في العشاء أما التفاهم السريع فمجاله الغداء ، لذلك نسمع عبارة (غداء عمل) أي العمل مع الأمل ، وعبارة مآدبة على شرف ، أي أن الدعوة مقامة من أجل شخص معين ، وسائر المدعوين من أجل هذا الشخص ، وللمآدب الرسمية تقاليد وأصول تختلف من بلد إلى آخر . في الأمور العاطفية ، يعتبر قبول المرأة لدعوة غداء بداية تفاهم أما العشاء فيعني القبول التام وفي الغرب تحديدا يكون قبول المرأة للأكل عند العشاء علامة الرضى . وخلال ترحالي في التاريخ المصري القديم والحديث وقفت على وظائف هامة للأكل سواء في سبل الصعود السياسي والاجتماعي أو تقريب العشاق من بعضهم البعض ، وتلك أهداف جليلة كبرى تفوق بكثير الهدف الذي جعل صاحبي يدعو المخرج الإنجليزي للأكل ، ويخبر كل من يعرفه بالدعوة ، وهذا مما اعتبرته تصرفا لا يليق بالأكل.