حينما كان رايدلي سكوت لايزال فتى يافعاً بعد، كان يعمل في احدى أسوأ المهن وأصعبها، لكنها في المقابل ربما كانت أفضل المهن المتاحة لمراهق ليس لديه الخبرة ولا المؤهل العلمي. كان يعمل في وردية الليل في أحد مصانع النشادر، وصناعة النشادر هي الجزء الأسوأ، كما هو معروف، من عمليات كيماوية تنطلق خلالها بعض من أبشع الروائح المعروفة للبشر. وكل ليلة ثم كل صباح ينطلق سكوت بدراجته العادية بين بيته وعمله ليملأ رئتيه بهذه الأبخرة الصناعية السامة الأكثر ضرراً على الإنسان من سيجاره الذي لا يكاد يفارق فمه هذه الأيام بعد ان دارت تلك الأيام دورتها. وبالطبع، لايستغرب احد أن ابناء المنطقة التي يوجد فيها المصنع يعتبرونه بلاء عليهم. لكن رايدلي الشاب لم يكن يراه كذلك. فبالنسبة له كانت الأميال تتلوها الأميال من الأنابيب والابراج المضيئة ليلاً بين غيوم الابخرة والغازات التي يتخللها بصيص اشعة الاف من المصابيح الصغيرة، كانت تبدو له مشهداً مستقبلياً، بل جمالياً ايضاً. منظرا شبيهاً بذلك الذي تخيله في أحد الأفلام لمدينة لوس انجلوس عام 2019. بعد تلك الأيام بعقود، تمكن سكوت من أن يعيد رسم مصنعه الكيماوي القديم، ليقدم بعضاً من أجمل المشاهد غرائبية وثورية عن المستقبل عرفتها شاشات السينما، وأول هذه الرسومات كانت لمصنع ذهب يسبح في الفضاء الخارجي في فيلم «نوسترومو في الفضاء». ثم في فيلم «بليد رانر» كان الرسم هو صورة مخرج طواريء لمدينة مستقبلية. وهذا التغيير الذي أدخله سكوت الى السينما لم يؤثر عليها فحسب بل وعلى العمارة المعاصرة وأدب الخيال العلمي أيضاً. تلك الأيام «الكئيبة» حسب وصفه، لاتزال ذات أثر على عمله حتى اليوم. وآخر أفلامه وهو «فجر الصقر الأسود» المستمد من كتاب يصف 22 ساعة ـ دموية في العاصمة الصومالية مقديشو يتضمن تناقضاً صارخاً بين مشاهد من المروحيات لشواطيء طبيعية بكر من جانب وصوراً من العاصمة التي ضربتها الفوضى والأعمال القتالية القبيحة من جانب آخر، وهو التناقض الصارخ نفسه بين المصنع الكيماوي والشاطيء الجميل الذي يتوسطه. يتذكر سكوت تلك المشاهد القديمة قائلاً: «كانت أرصفة الشحن وأكوام الخردة ومصاهر الفولاذ تتوسط سواحل دورهام الجميلة. انه لمشهد غريب ذلك التجاور بين مصاهر الفولاذ والشواطيء الطبيعية». ويبدو ان بالمستطاع اخراج هذا المخرج من الشمال الشرقي الانجليزي لكن من المستحيل اخراج هذا الشمال الشرقي الانجليزي من ذلك المخرج. لقد كانت السنوات الأربع الماضية اكثر السنوات خصوبة في حياة سكوت السينمائية، على الرغم من أفلام الاثارة الكثيرة التي اخرجها. فرغم ان فيلمه «غزو الفردوس» قد حصل على الكثير من المديح النقدي، الا انه لم يحقق القدر نفسه من النجاح بين جماهير السينما، كما غاب فيلمه «الشعراء الميتون يذهبون للبحر» عن الساحة دون ان يترك اي أثر. ثم صنف فيلمه «جي آي جين» من قبل الكثيرين على أنه اول فيلم سيء حقيقي يخرجه سكوت. وبعد ان أخذت الامور تسير سيراً سيئاً بالنسبة لسكوت عاد ونهض من جديد ليحصد الأوسكار والتذاكر معاً بفيلمه «المصارع» الذي ظهرت رغبته بإخراج فيلم من هذا النوع بعد أن شاهد لوحة لقتال دموي بين مصارعين رومان. وفيما تمكن سكوت بهذا الفيلم من اكتشاف الغرائز التجارية في نفسه بعد ان رسختها فيها 15 عاما من العمل في مجال الاعلانات التجارية، عرف أخيراً ان لا شيء ينجح مثل العلامة التجارية الناجحة، وبالتالي اختار فيلم «هانيبال» ليكون اطلالته التالية على الشاشة الكبيرة. وفيلم «فجر الصقر الأسود» هو الفيلم الثاني لسكوت مع الدراما الحربية وصورها. لكن بخلاف «جي آي جين» حل الفتيان الاشرار محل الفتيات الحسناوات والقصة الواقعية محل الخيال والقتال الدامي وأرض المعركة الحمراء بدلاً من ساحة التدريب القاسي. وفيما كان من المقرر ان يعرض فيلم «فجر الصقر الأسود» في وقت لاحق من هذا العام قرر منتج الفيلم جيري بروكهايمر طرحه قبل 3 أشهر من الموعد المحدد للاستفادة من الأجواء التي أثارها هجوم 11 سبتمبر. وهذا ما جعل سكوت يقع في رحى الوقت القاسية، لكنه استطاع ان يتجاوب مع هذا الطلب اخر الأمر ليبدأ العرض في شهر يناير الحالي. يقول سكوت: «ان هوليوود هي أشبه باتحاد قوي يدافع عن أعضائه ضد المنافسة الخارجية. ولهذا كنت مضطراً لاستخدام كل وسيلة حتى اخترق هذا العالم. وعن بداياته الفاشلة تجارياً مع السينما، لكن الناجحة فنياً، يقول: «لا تنسوا أني دخلت السينما الهوليوودية بعد 15 عاما قضيتها في الانتاج الاعلاني. ولهذا كنت أتوقع ان تقنياتي ورؤاي التي مارستها في هذه السنوات الطويلة ستنجح في هوليوود. لكنها لم تكن كذلك. لهذا كنت بحاجة لان أتمكن من تغيير نفسي اولاً، قبل ان يسمحوا لي بإدارة الكاميرا كما اريد.