في كل ربيع ترتفع مياه بحيرة تونل ساب وتغرق قرية تشنوك ترو الكمبودية فتغمر الطرقات والحقول وكل شيء آخر ماعدا قمم الاشجار، والقرويون لا يجدون بأسا في ذلك. فهم يبنون بيوتهم على ركائز مرتفعة وفضلا عن ذلك فان فيضان المياه يجلب معه الخير. فعندما يتراجع موسم الامطار وتنكمش البحيرة الى حجمها الاصلي فان الاسماك سريعة النمو والانتشار تصبح فريسة سهلة للصيادين الذين يستخدمون شباكا يدوية الصنع. امضى القروي هوي هو جل حياته وهو يجوب مياه تشنوك ترو جيئه وذهابا بقاربه المتواضع العتيق. ومشكلته الاكبر كانت دائما متمثلة في السلطات فرجال الشرطة المحليون يطلبون رشوات تصل الى عشرة اضعاف ربحه اليومي الذي لايتجاوز بضعة دولارات، ومفتشو مزارع الاسماك يلزمونه بدفع «غرامات» لانه لم يسجل قاربه حسب الاصول وهو لايستطيع تحمل نفقاته. لكن هذه الايام اصبح الصيد بحد ذاته ايضا صعبا واشكاليا فغلال الاسماك التي يجنيها هوي وزملاؤه تتناقص سنة بعد سنة، وهم يخشون الان من انهم في حال استمرار هذه الظاهرة لن يكونوا قادرين على اطعام عوائلهم ويقول هوي: اعداد السمك هذه السنة اقل مما كانت عليه السنة الماضية والسنة التي قبلها وانا لا افهم السبب وراء ذلك». وهوي ليس وحده في هذا التساؤل، فالحيرة تسيطر على الكثيرين من الاربعة ملايين شخص الذين يعتمدون على بحيرة تونل ساب في كسب رزقهم وفي كل عام يجني الصيادون حوالي 230 الف طن من السمك في مياهها اي ما يعادل نصف انتاج كمبوديا السنوي من الاسماك. ويقول علماء البيئة ان الوفرة السمكية في البحيرة تظهر علامات التناقص فالعديد من الاصناف السمكية لم تعد تبلغ حجمها الكامل وهي علامة على الضغط الذي تتعرض له نتيجة الصيد المفرط. وتبلغ المشكلة ذروة خطورتها بالنسبة لانواع الاسماك المهاجرة الاكبر حجما مثل اسماك السلور والتي كانت من اكثر الاسماك وفرة في البحيرة في السابق. ان نضوب مخزون الاسماك في البحيرة اصبح الآن احتمالا قائما يحمل نذير ايقاع الدمار والخراب في البلد اذ ان 60 بالمئة من السكان هنا يحصلون على حاجتهم اليومية من البروتين من بحيرة تونل ساب ولهذا يقول ماي سام اويون، وهو مسئول في وزارة الزراعة: «اذا ماتت البحيرة، ستموت كمبوديا معها». البحيرة الكبيرة تونل ساب او «البحيرة الكبيرة» هي اكبر بحيرة ماء عذب في كمبوديا وتعد من العجائب الطبيعية في الربيع عندما يذوب الثلج في جبال الهيمالايا وتهطل الامطار في الاراضي المنخفضة ويرتفع منسوب مياه نهر ميكونج احد اكبر انهار اسيا ويستجمع النهر قوته وهو يتابع طريقة عبر الصين وبورما ولاوس وتايلاند قبل ان يعود الى لاوس متجها بعد ذلك نحو الحدود الكمبودية. وعلى مقربة من العاصمة بنوم بنه يراكم التيار ما يكفي من القوة ليغير اتجاه نهر تونل ساب، دافعا الماء في البحيرة الكبيرة وموسعا حدودها الى اكثر من 16 ألف كيلومتر مربع اي ما يعادل خمسة اضعاف مساحتها الاصلية وبتخزين المياه تنقذ البحيرة دلتا تونل ساب من الفيضان ثم تمرر الماء مع التيار في الخريف. كما ان الاسهام الفريد الذي تقدمه بحيرة تونل ساب لمنظومة نهر ميكونج يجعلها عرضة للتأثر بمشاكل البلدان الاخرى فبناء السدود الكهرومائية في لاوس والصين يعترض طريق الهجرة الطبيعية للاسماك ويوقع الفوضى في الجزر والمد الموسمي الذي يتسم بأهمية حيوية لدورات التزاوج والتكاثر. لكن التنمية في منطقة تونل ساب نفسها تلعب دورا كبيرا في ويلات البحيرة فنشاطات قطع الغابات المحظورة عرى العديد من الهضاب متسببة في انجراف الطمي الى البحيرة والمبيدات الحشرية القادمة من المزارع المجاورة تتسرب الى البحيرة متسببة في تسمم الاسماك واشكال الحياة الاخرى فيها. وبسبب نشاطات قطع الاشجار والزراعة بدأت الاراضي الرطبة المحيطة تجف حارمة بذلك حوالي 1300 نوع من اسماك البحيرة من الاساس المناسب لوضع البيوض ومهددة حقول الارز المجاورة. باختصار ان البحيرة تتعرض للاستنزاف بسبب تزايد الافواه المفتوحة المحيطة بها من كل مكان الى فوق حدود طاقتها فقد ازداد عدد سكان كمبوديا الى الضعف في العقدين الماضيين، ويتوقع ان يتضاعف ثانية بحلول عام 2020. يقول علماء البيئة ان انقاذ البحيرة يحتاج الى اتخاذ اجراءات صارمة قاسية ومع ان الحكومة الكمبودية عملت بالتعاون مع مديرية نهر ميكونج لمعالجة بعض المشاكل الناشئة في اعلى النهر فان منظمات الاغاثة تقول بان الحكومة فشلت في ايقاف نهب البحيرة على النحو الراهن. ويقول جويرن كرستنس: الرئيس التنفيذي لمديرية نهر ميكونج: يتطلب الامر اقرار جملة قوانين جديدة مختلفة تماما عن القوانين الحالية يتطلب من الحكومة ان تتحلى بقدر كبير من بعد النظر. ان سجل الحكومة في ادارة بحيرة تونل ساب سجل اسود لا يشرف احدا، فالانظمة والقوانين موجودة على الورق فقط في حين ان الامور على البحيرة تسير على الفساد والمخالفات القانونية وقانون القوة فقوارب الصيد غير القانونية تمارس نشاطها بدفع الرشاوى والمنافسة بين المشغلين القانونيين والصيادين المحليين الذين يحاولون البقاء تقود في كثير من الاحيان الى مواجهات عنيفة بين الجانبين. وحتى الشرطة المحلية ومفتشي المسامك والشرطة العسكرية وعناصر البحرية يتنافسون على مناطق السيطرة وكما يقول عالم البيئة ساو فانسريوث، فان «الجميع يتنافسون على النفوذ، وفي نهاية المطاف ربما ندمر البحيرة بانفسنا». خطوات ايجابية وتقوم الحكومة الآن ببعض الخطوات بالاتجاه الصحيح ففي شهر اغسطس اصدر الحاكم هون سين قرارا يقضي باعادة 65 بالمئة من حصص مناطق الصيد التي تسيطر عليها الحكومة بهدف جمع الضرائب الى المجتمعات المحلية للاستخدام المفتوح ورحب علماء البيئة بفكرة اعطاء الجماعات المحلية قدرا اكبر من السيطرة على طول البحيرة الامر الذي قد يضمن توزيع مناطق الصيد بقدر اكبر من الانصاف. لكن بنوم بنه لاتبدو جادة في تطبيق الخطة فهي لم تمرر القوانين للحصول على موافقة المجلس التشريعي ولم تعط تعليمات لزعماء جماعات الصيادين المحليين ورجال الشرطة والقادة العسكريين. ومؤخرا انشأت الحكومة لجنة من عشرة وزراء لمعالجة المشاكل البيئية التي تعاني منها البحيرة وربما تبذل الحكومة الان قصارى جهدها ضمن الظروف المتاحة لها، لكن مالم تتمكن من انتاج خطة طويلة الامد لتطوير وادارة بحيرة تونل ساب فان كل جهودها لا تزن شيئا عندما يتعلق الامر بمصير بلد بأكمله. علي محمد