على أطراف «بحر سلومون»، وعلى بعد ألف ميل عن الساحل الشمالي الشرقي لاستراليا، تقع قلادة من الجزر الاستوائية. ويعتبر العديد من هذه الجزر الجبلية عادة والمطرزة بأدغال مشبعة بالرطوبة جنانا محفوفة بالمخاطر. وقبل أكثر من 50 عاما، تحطمت الطموحات الامبريالية اليابانية على هذه اللآلئ. وقد تم تخليد معركة جواد الكنال، والتي هي مشهد للمعركة المطولة وجها لوجه مع الجيش الأمريكي، من قبل هوليوود. لكن معركة دموية أخرى جرت على جزيرة بوجفنيلي، التي تبعد 200 ميل الى الشمال، لم تحظ بشهرة كبيرة. لقد أصبحت تلك الجزيرة مقبرة لألوف الجنود اليابانيين والمرقد الأخير للأميرال ايسوروكو ياما موتو، مهندس الهجوم سيئ الذكر على بيرل هاربر. فقد تحطمت طائرته في الغابة المطرية الكثيفة في بوجنفيلي، والتي ترتفع 200 قدم عن أرض الغابة، بعد اسقاطها على يد مقاتلين أمريكيين. لقد قتل عشرون ألف جندي ياباني في العمليات العسكرية على أرض بوجنفيلي ـ التي يبلغ عرضها 40 ميلا وطولها 60 ميلا ـ ومات 37 ألف جندي آخرون من الأمراض والمجاعة. الجزيرة لم تكن ودودة منذ زمن طويل مع الغزاة وسكانها الأصليين. فقبل قرن واحد، كانت مفصولة عمليا عن العالم الخارجي، وكان سكانها يعيشون حياة بدائية، يصطادون السمك ويجنون جوز الهند ويصطادون الطرائد بالقوس والسهام. وكانت الجزيرة التي تعيش في العصر الحجري، ولا تزيد في حجمها عن مقاطعة انجليزية، مجزأة بفعل 19 لغة. وبصفتها زاوية منسية من الامبراطورية الألمانية، فقد تم تسليمها الى استراليا، التي كانت لا تزال مستعمرة انجليزية، لادارتها بعد الحرب العالمية الأولى. ولم يتغير الشيء الكثير بعد وصول السلطات العسكرية المتنافسة. ولكن حيث فشل الاستعمار، نجحت التجارة في تدمير توازنها الدقيق. ففي أواسط الستينيات من القرن الماضي، وصل الجيولوجيون الى الجزيرة، حيث اكتشف العالم المتعطش للنحاس ان بوجنفيلي تحتوي على مخزون هائل. منجم بانجونا وعندما انتقلت شركات التنقيب الى الجزيرة، قامت بحفر حفرة كبيرة في الارض. وفي غضون 20 عاما، أصبح منجم بانجونا من أكبر الندب على وجه الارض، فهو مرئي من الفضاء وأحد أكبر مناجم النحاس في العالم. وقد كان يتم سنويا استخراج أكثر من سبعين مليون طن من المعدن الخام من الارض لانتاج 600 ألف طن من النحاس النقي. وكان يتم ايضا استخراج الذهب بمعدل يقل عن جرام واحد في الطن، اضافة الى جرامين من الفضة في الطن. وقد صبت شركة بوجنفيلي كوبر ليمتد ـ جزء من شركة ريو تنتو زنك ـ أموالا لتطوير منجم بانجونا ببناء الطرق ومنشآت الموانئ وتوليد الكهرباء وبلدة جديدة تتسع لـ 15 ألف شخص. تدفق الآلاف من عمال البناء على الجزيرة، ولكن كانت هناك وظائف قليلة لسكانها. وبذلت شركة التعدين جهدا لتوفير التعليم والمرافق الصحية للسكان المحليين، وكان يتم دفع تعويضات، ولكنها كانت توزع بطريقة غير عادلة، مما أوجد شروخا عميقة في مجتمع كانت مثل هذه الانقسامات قليلة فيه. وأصبح المئات منهم بلا أرض، وفقدت اعداد أكبر حقوقها في الصيد. والاسوأ من كل ذلك هو ان مخلفات المنجم كانت تنجرف في النظام البيئي بفعل الأمطار الموسمية مسببة التلوث للأنهار ومسممة المياه. طفح الكيل وبحلول عام 1989، كان قد طفح الكيل بسكان جزيرة بوجنفيلي، الذين يعتبرون الآن مواطنين رغما عنهم في دولة بابوا نيوغينيا المستقلة. البعض بدأ بحملة مضايقة جسدية للعاملين في المنجم. وتصاعد العنف وتم اغلاق منجم بانجونا، مما اضطر الحكومة، الواقعة على بعد 500 ميل في بورت موريسبي، الى ارسال الجيش لاستئناف الانتاج في المنجم الحيوي، الذي كانت ضرائبه وعوائد حصصه توفر خمس الدخل العام للدولة. وتبع ذلك انتهاكات لحقوق الإنسان وتصاعد في حدة التمرد. وفي عام 1990، أعلن قادة التمرد الاستقلال عن بابوا نيوغينيا. وأرادوا الارتباط بسكان جزيرة سلومون التي تبعد عنهم خمسة أميال فقط. ويعتقد ان اثني عشر ألفا لقوا مصرعهم في الحرب الأهلية في بوجنفيلي. وكان نصف السكان يعيشون في مراكز للرعاية الصحية، فالملاريا انتشرت في أوساط سكان الجزيرة المحرومين الآن من برامج التطعيم الأساسية. وشأن اليابانيين قبلها، فشلت القوات الحكومية في اخضاع الجزيرة، وتثلمت سيوفهم على صخرة المتمردين مرارا وتكرارا. وفي النهاية، أقنع الجيش نفسه بحزام من دوريات الزوارق المسلحة لمنع شحنات السلاح من الدخول الى الجزيرة، وأصبحت بوجنفيلي منطقة محظورة. الخبراء في استراليا وبريطانيا رأوا تسوية تتم بالتفاوض كحل وحيد. وكان آخر شيء تحتاجه بوجنفيلي في عام 1997 هو بطل بصحبة مروحيات عسكرية وقاذفات للصواريخ وعصبة من المرتزقة من جنوب افريقيا. ولكن هذا هو ما حصل بالفعل، فقد وصل الى الجزيرة قبل ثلاثة أعوام ونصف العام الضابط المتقاعد في الحرس البريطاني وأحد قدامى محاربي حرب الفوكلاند، ليفتنانت كولونيل تيم سبايسر الذي وصل في مهمة سرية لاستطلاع الوضع في بوجنفيلي. ولم يبق هناك سوى يومين ونصف اليوم فقط. وكان الهدف من تلك الزيارة هو التحضير لحل عسكري يمكن ترويجه لدى حكومة بابوا نيوغينيا اليائسة. وقد وعد في خطته باعادة الاستيلاء على المنجم وبقمع التمرد خلال أربعة أسابيع مقابل 36 مليون دولار تدفعها هذه الدولة الفقيرة. ولكن اتضح من مجريات الاحداث بعد ذلك ان هذه الخطة كانت نتاج عبثية تغذيها العنجهية والجشع.