ربما كانت صناعة السيوف الصينية على وشك الاختفاء من عالمنا لولا الاهتمام الشديد لأحد الرجال بتعلم كل ما يستطيع من استاذ قلّ أمثاله في هذه الصنعة، فعلى امتداد عقود من الزمن أظهر تشين تيانيانج مهارة في ابداع سيوف يمكنها ان تشق الحديد وكأنه طين، والآن يعمل هذا الرجل على منح الآخرين خبرته. وتتمتع السيوف الصينية الصنع بتاريخ طويل، فالسيوف البرونزية ابتكرت لأول مرة قبل حوالي 3000 عام في عهد سلالة تشو الغربية (1122 ـ 770 قبل الميلاد)، والسيوف الحديدية ذات المقابض البرونزية ظهرت في فترة الدويلات المتحاربة تقريبا (أي ما بين عامي 475 ـ 221 قبل الميلاد) والسيوف الحديدية والفولاذية حلت تدريجيا محل السيوف البرونزية في عهد سلالة هان (206 قبل الميلاد ـ 220 للميلاد). وبعد ان بدأ عهد سلالة تشين في عام 265 للميلاد، تم استبدال السيوف التي كانت تستخدم كأسلحة عسكرية لتحل محلها السيوف الضالعة، وهي أسلحة ذات حد واحد أسهل للاستخدام من الأنواع ذات الحدين. وانتقلت السيوف لتتولى وظائف متعددة، مثل التزيين ورموز الشرف والقوة والمكانة الاجتماعية، وكأشياء تستخدم في الطقوس الاحتفالية أو الدينية. وحتى اليوم، فإن السيوف لاتزال تحتل مكانة فريدة في الثقافة الصينية. فهي مذكورة في القصائد والروايات وتظهر في المسلسلات التلفزيونية الدرامية والمسرحيات الاوبرالية التقليدية وتوجد في المعابد أو المتنزهات حيث يمارس الناس الفنون القتالية. ولكن على الرغم من انتشارها الا ان عددا قليلا جدا من السيوف القديمة تم حفظه في الصين. ويمكن ارجاع السبب في ذلك الى المراسيم التي كان يصدرها العديد من أباطرة الصين القديمة، الذين لم يسمحوا للمدنيين بتملك الاسلحة أو صنعها، وذلك لتقليل خطر حدوث عصيان مسلح. كما ان الكثير من السيوف أخذت كتحف تذكارية من قبل الجنود الامريكيين والاوروبيين واليابانيين لدى مغادرتهم الصين في القرن التاسع عشر. وفيما يتعلق بتلك السيوف التي نجت من هذه السرقات، فإن معظمها تم صهره في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي خلال «القفزة العظيمة للأمام» عندما شجع الناس على انتاج الفولاذ في مصاهر خاصة بالمعادن موجودة في أفنية منازلهم. وفي هذه الأيام، فإن معظم السيوف المملوكة من قبل هواة تايوانيين إما انها تم شراؤها في مزادات أجنبية أو جرى استخراجها من قبور قديمة في البر الصيني الرئيسي. ولدى تحليل هذه اللقى بمعدات حديثة، لاحظ المراقبون ان شفرات بعض هذه السيوف تعتبر ذات جودة أعلى من تلك المصنعة من الفولاذ المعاصر. ولكن للأسف، فإن المهارات المتعلقة بصناعة السيوف التقليدية قد ضاعت منذ زمن طويل. ومع الأخذ بعين الاعتبار حقيقة ان التعليم (القراءة والكتابة) لم يكن منتشرا على نطاق واسع في الصين القديمة، فإنه ليس من قبيل المفاجأة معرفة ان صنّاع السيوف لم يسجلوا أسرار معرفتهم والطريقة الوحيدة التي كان يتم من خلالها تناقل أسرار هذه الحرفة كانت من خلال التمهن (التدرب عند الصانع المحترف على مهنة معينة) وربما عانت معظم المهارات والتفاصيل المتعلقة بالصنعة من انقضاض التاريخ عليها، ولكنها لم تضع كلها. فمن خلال سلسلة من الظروف الخاصة، استطاع تشين تيانيانج ان يتعلم اسرار انتاج السيوف الصينية. لقد دخل تشين المولود لأسرة مزارعة في شالو بمقاطعة تايتشونج في عام 1940 دخل مهنة تصنيع السيوف بمحض الصدفة بشكل أساسي. ففي سن الخامسة عشرة وعندما كان طالبا في احدى المدارس الثانوية في تايبية، التقى بلياو ايوان، وهو راهب يبلغ من العمر خمسة وسبعين عاما كان يعمل في تصليح الاواني المعدنية والجرار في الحديقة النباتية. لم يكن الصبي الصغير مهتما بالمدرسة وكان غالبا ما يتغيب عن الدروس ليبقى بصحبة لياو ايوان. وفي الاوقات التي يكون فيها ركود مؤقت في العمل، كان تشين يحث لياو على تعليمه بعض حركات الكونج فو وهكذا ربطت الاثنين صداقة قوية. وفي أحد الأيام اصطحب لياو تشين معه الى منزله القريب، وهناك وجد تشين عددا من السيوف والاسلحة الاخرى التي تنتظر التصليح. ثم علم بعد ذلك ان الراهب العجوز لا تنحصر معرفته في اصلاح الاواني المعدنية فحسب، وإنما هو يقدر ايضا على تصنيع السيوف والسكاكين واصلاحها. وبعد مرور ثلاثة أشهر على لقائهما الأول، أقنع تشين لياو ايوان بقبوله كمتدرب على المهنة. يعود تشين بذاكرته الى تلك الأيام قائلا: «كانت الحياة صعبة في تلك الأيام، وتعلم مهارة يمكن للمرء ان يكسب منها عيشه كان يعتبر أثمن من أي شيء آخر. منحني والدي إذنا بالتغيب عن المدرسة وتعلّم المهنة على يد لياو ايوان. ومنذ ذلك الحين بدأت مهنة حياتي المتعلقة بصناعة السيوف الصينية». انتقل تشين بعد ذلك للعيش مع لياو في بيت يقع في جبل كوانيين. وقبل ان يتعلم أي شيء عن صناعة السيوف، تم تعليم تشين في البداية الأساليب المختلفة للمبارزة بالسيف. وبين الحين والآخر، كان يتوجه المعلم والتلميذ الى المدن من أجل كسب بعض النقود عن طريق اصلاح السيوف وأسلحة أخرى. وفي عام 1957 حظي الاثنان بفرصة تصليح سيف يعود للرئيس شيانج كاي تشيك، وذاع صيتهما بعد ذلك باعتبارهما مبدعين في تصنيع السيوف واصلاحها في أوساط ضباط الجيش ذوي الرتب الرفيقعة. وفي العامين التاليين قضى تشين وقتا كبيرا في شحذ مهاراته على اسلحة العديد من الجنرالات وفي خضم هذه العملية اكتسب خبرة قيّمة. وفي عام 1962 وبعد مرور وقت قصير على وفاة لياو ايوان أكمل تشين صناعة أول سيف له. ثم بدأ يكسب عيشه من اصلاح السيوف والسكاكين وشحذ الشفرات الجراحية لمستشفى جامعة تايوان الوطني، ولكنه لم يطق قضاء حياته كلها في المستشفيات يشحذ السكاكين ويتحمل روائح المستشفى، ولهذا قرر ان يكرس وقته لصقل مهارته في صنع السيوف. وفي عام 1970 افتتح ورشة في بولي بمقاطعة نانتو. وبعد سنوات من تصنيع السيوف أقام تشين معرضا خاصا أسماه المعرض الثقافي الفلكلوري لسيوف تشين يون في بلدته شالو لعرض أعماله ومجموعاته. ويقول تشين «ان صناعة سيف صيني تحتاج الى كثير من التركيز والوقت وهي ليست مجرد حرفة من الحرف، فالحرفة تشير الى الاسلوب، لكن السيف هو عمل فني يتمتع بجودة داخلية كامنة، وهو وسيلة للتعبير المباشر عما يختلج في داخل المرء ومصدره كامن في قوة الأمة الروحية المتربعة بين السماء والأرض». ضرار عمير


