لم تخط الملكة اليزابيث الثانية خطوة خارج المملكة المتحدة حتى بلغت العشرين من العمر. غير انها خلال نصف القرن الذي تربعت فيه على العرش بعد ان بلغت الخامسة والعشرين، اصبحت اكثر الملوك في العالم سفرا وتنقلا بصفتها رئيسة الكومنولث الذي تنامى ليشمل 54 دولة. وقد حملتها صروف الدهر الى العرش اثر حادثين غير متوقعين هما تنازل عمها ادوارد الثامن عن العرش في العام 1936، ووفاة والدها الملك جورج السادس المبكرة غير المنتظرة في سن 56. فاعتلت العرش في العمر نفسه الذي اعتلته فيه سلفها الملكة اليزابيث الاولى في القرن السادس عشر. ولم تتسن لها الفرص خلال الحرب العالمية الثانية، حينما بقيت الاسرة المالكة في المملكة المتحدة بغية رفع معنويات الامة، للسفر الى الخارج كما سنحت لابنائها الثلاثة شارلز، واندرو، وادوارد الذين انفقوا بعض الايام الدراسية في استراليا، وكندا، ونيوزيلندا. وقد جالت الملكة على كل البلدان المنتسبة الى الكومنولث مرات عدة، باستثناء موزمبيق والكاميرون اللتين التحقتا به في العام 1995، ومن الزيارات الرسمية الـ 60 التي اجرتها، كانت اول زيارة يقوم بها ملك بريطاني الى الصين والى روسيا مابعد الثورة خلال حكمه. ولا يمكن وصف زيارات الملكة الى تلك البلدان التي آثرت المحافظة على النظام الملكي بـ «زيارات الدولة» (او الزيارات الرسمية)، حيث انها تكون حينها في زيارة الى نفسها، بوصفها مليكة تلك البلدان التي تتصرف فيها، بوصفها ملكة دستورية، وفقا لمشورة وزراء حكومتها. وتبقى الملكة رئيسة الدولة في استراليا (حيث سقط الاقتراح القاضي بتحويل البلد الى جمهورية خلال استفتاء جرى منذ عامين)، وفي كل من كندا ونيوزيلندا، وفي 12 بلدا من بلدان الكاريبي والمحيط الهاديء.وقد ادرجت في جدول اعمالها المزدحم لعام 2002 زيارتان الى اثنين من تلك الاقاليم المتبقية من مملكتها، لمناسبة الذكرى الخمسين لتوليها الحكم، وهي ستقوم خلال تلك السنة بجولة في المملكة المتحدة. ففي مارس ستزور جامايكا برفقة دوق ادنبره لمدة ثلاثة ايام، وتقوم في اكتوبر بجولة تستمر 10 ايام في كولومبيا البريطانية، ومانيتوبا، واونتاريو، ومنطقة العاصمة الجديدة في كندا.وكان يفترض في اكتوبر الماضي ان تسافر الى بريسباين للمشاركة في لقاء رؤساء حكومات الكومنولث الذي ارجيء الى العام 2002 نظرا الى الاوضاع الدولية. اما اول نظرة القتها الملكة على اراضي الكومنولث الشاسعة المشمسة بعيدا عن الشواطيء الرطبة في بريطانيا المتقشفة بعد الحرب، فكانت في العام 1947 حينما رافقت شقيقتها الأميرة مارجرت، والملك الحاكم جورج السادس، والملكة اليزابيث التي اصبحت اليوم الملكة الام البالغة من العمر 101 سنة، في جولة جابت فيها جنوب افريقيا ووسطها. وتم التقاط صور للاميرتين وهما تركبان الخيل على شواطيء جنوب افريقيا، خلال استراحة خارج القطار الملكي. وقد انفقتا في هذا القطار 35 ليلة خلال جولة دامت اربعة اشهر، ولدى العودة الى الوطن، شاهدت جماهير دور السينما الملكة العتيدة تصرح بصدق جلي، في عيد مولدها الـ 21، انها ستكرس حياتها لشعوب بريطانيا والكومنولث، ثم طلبت اليهم الدعم والمساندة. وسجلت وسائل الاعلام المتلهفة ابدا لاقتناص حدث يحيي رتابة المناسبات الرسمية، ان الملكة العتيدة تبدي اهتماما بدقة المواعيد منذ حداثتها ـ وما زال التأخير في المواعيد كما يقال مدعاة للاستياء الملكي ـ فكانت تحث والدتها على الاستعجال فتزج مظلة شمسية بلطف في مؤخرة كاحلها في حال تأخرهما عن احدى المناسبات الرسمية.وكانت لتذهل لو عرفت حينها انها ستعود بعد 48 عاما ملكة في زيارة دولة، فيستقبلها الرئيس نيلسون منديلا ومعه الحشود الشعبية حاملة الرايات شاكرة عودتها بصفة رئيسة للكومنولث الذي اضيف الى أعضائه المنتسبين اسماء دول كثيرة. وبعد زواجها في نوفمبر 1947 بابن عمها الثالث الامير فيليب، امير الدانمارك واليونان، في حفل ادخل طابعا احتفاليا على لندن الكئيبة والمهشمة بنيران القذائف، شاركت زوجات ضباط البحرية الملكية في مالطا حياتهن، بعدما ارسل زوجها الضابط الى هناك. ورأت والدها للمرة الاخيرة في العام 1952 وكان يودعها وزوجها في مطار لندن قبل انطلاقهما في جولة على دول الكومنولث منعه مرضه من مرافقتهما فيها، فتم العدول عن الزيارة عندما وصلتها اخبار وفاته في فبراير اثناء وجودها في مركز لمراقبة الالعاب في شجرة تين داخل فندق «تريتوبس» الواقع في الهايلاندز الكينية. وفي نوفمبر من العام التالي، وبعد مرور 5 اشهر على مشاهدة الملايين من الناس في العالم الفيلم والنشرات المتلفزة لحفل التتويج في كنيسة وستمينستر، انطلق الزوجان الملكيان في الجولة التي اعيد اقرارها والتي دامت ستة اشهر على دول الكومنولث فعبرا خلالها 43000 ميل، وشملت الجولة ثلاثة اشهر انفقت في استراليا ونيوزيلندا افتتح فيهما الملكة مجلسي النواب في فستان زفافها. ولم يكن التلفزيون قد بلغ الطرف الآخر من العالم بعد، فتوافدت حشود هائلة لمشاهدة وصول الموكب السيار والقطار. وادت الملكة 6 خطابات على الاقل يوميا، ومع انها لم تبد اي تذمر او ارهاق، فقد افيد انها استاءت اذ تناهى الى مسامعها وصف تعابير وجهها بـ «الجافة».وكانت المشكلة تكمن في المحافظة على الابتسامة من دون منح عضلات الوجه لحظة من الراحة، ولفترات طويلة من الوقت، بغية تحية الناس الذين قد يرونها برهة قصيرة فقط خلال عبور السيارة البطيء.فخلافا للسياسيين والفنانين الذين لا يتألقون الا في المناسبة العامة وعند التقاط الصور، يتوجب على الملوك الحفاظ على تعبير سعيد طوال جولاتهم المديدة في المواكب السيارة. تغيرت صيغة الجولات في اواخر العقد فشملت «رواد الادغال» وهو شرح يعطى للسكان المحليين المسافرين في الادغال الاسترالية ـ واتخذت خلال زيارة الى الولايات المتحدة في العام 1957، شكل محادثة مع الناس جرت في مواقع غير رسمية مثل المتاجر الكبرى وحتى في احداث رياضية، فلمحت تعليقات الصحافة الى ان هذه الزيارة هدفت الى مد جسور المصالحة بين بريطانيا والولايات المتحدة بعد القطيعة الناشئة في العام السابق عن ازمة السويس.وقد عزا المعلقون ولا ريب ـ نظرا الى تلهفهم لاقتناص اشكالية تبعث الحياة في تقاريرهم عن الاحداث البارزة ـ عددا من الزيارات الى اهداف سياسية، غير انه في عالم يسوده التوتر وعدم الاستقرار، يبقى الجدول السري مطروحا في اية لحظة لزيارة اي بلد تقريبا، مهما كان توقيت الجولة المعلنة. فزيارة العام 1947 الى جنوب افريقيا، على سبيل المثال، فسرتها الصحافة القومية الافريقانية بانها وسيلة لتعزيز فرص اعادة انتخاب رئيس الوزراء جان سموتس من الحزب الموحد الذي كان حينها يحظى بدعم السكان البيض الناطقين بالانجليزية. وقياسا على ذلك، اعتبر البعض زيارة غانا في العام 1961، وسيلة لاقصاء البلد عن دائرة النفوذ السوفييتي، نظرا الى الاهتمام الهائل الذي احاط الرئيس كوامي نكروما الملكة به. اول جولة في غانا التي تكررت بنجاح منذ عامين، كانت من اكثرها اثارة للجدل حيث اعتبرت الملكة في خطر نظرا الى عدم الاستقرار السائد في أكرا، في غانا، والتهديدات الموجهة الى الرئيس نكروما بواسطة المواد المتفجرة. وبالرغم من توجس البرلمان ورئيس الوزراء هارولد ماكميلان، اصرت على الذهاب وجالت في عربة مفتوحة مع الرئيس ورقصت معه في الحفل الختامي في مبنى المجلس التشريعي. ان عمرا انفقته في حفلات ومناسبات رسمية يجعل الزيارات الى الخارج مثيرة بالنسبة الى الملوك. ويحكي كتاب سيرتها الذاتية كيف عمدت الاميرة اليزابيث والاميرة مارجريت الى الاختلاط سرا، متخفيتين في وشاحيهما، وبالحشود المتزاحمة في الشوارع مساء يوم عيد النصر في اوروبا في مايو 1945. وقد شاعت اخيرا تقارير لم تؤكد رسميا عن قيام الملكة بزيارات مسائية من قصر باكنجهام الى دار سينما مجاورة في شيلسي، حيث يقال ان جلالتها تصل ما ان تنطفيء الانوار مع مرافقيها متخفية في وشاح، لتختبر الحياة شأنها شأن كل رواد السينما العاديين.