يساهم مؤلف هذا الكتاب «ديفيد برودر» بافتتاحيتين اسبوعيا في صحيفة «الواشنطن بوست» بالاضافة الى كتابته بعدد كبير آخر من الصحف، ويشارك بصورة منتظمة في برامج بث تلفزيونية على قنوات «ان. بي. سي» و «سي. ان. ان» وغيرهما، له عدة كتب من اشهرها: تغيير الدفاع: السلطة والزعامة في امريكا» حائز على جائزة «بوليتزر» الشهيرة في مجال صحافة التحقيقات. تحاول امريكا ـ الولايات المتحدة ـ منذ بداياتها ان تقدم نفسها على انها «رائدة العالم الحر» و «بلد الديمقراطية الاولى» وأول ما يقوم به مؤلف هذا الكتاب «الديقمراطية الجانحة» هو «التأريخ» لمفهوم الديمقراطية لدى الشعب الامريكي منذ بداية تاريخه ويرى أن مؤسسي الدولة كانوا يفرقون بشكل واضح بين الديمقراطية والجمهورية لكن مثل هذا التفريق لم يكن يلغي التعايش بين المبدأ الديمقراطي والمبدأ الجمهوري مع ما رافق هذا من التوتر بشكل ما، كان له اثره على المسائل السياسية لاكثر من قرنين وخلال العشرين عاما الاولى من انشاء مستوطنة «بلايموث ماساشوست» كان الرجال يجتمعون مرة كل ثلاثة اشهر لبحث التشريعات والقوانين وكان هذا يعد بمثابة ديمقراطية مباشرة، اذ كان يكفي ان يطالب عشرة افراد بمناقشة مسألة حتى يتم وضعها على جدول الاعمال وكانت هذه الولاية قد اجرت عام 1788 استفتاء على دستورها الجديد ولحقتها نيويورك عام 1821 هذا وابتداء من عام 1850 اصبح الاستفتاء على دستور الولايات شرطا من اجل انضمامها الى«الدولة الاتحادية» وفي ختام القرن التاسع عشر لم يكن هناك سوى حفنة ضئيلة من الولايات التي لم تكن قد اجرت استفتاء على دستورها .. وساد مبدأ الاستفتاء الى درجة ان ولاية تكساس قد اجرت عام 1850 استفتاء لاختيار عاصمتها. وكان الربع الاخير من القرن التاسع عشر قد شهد تحولين اقتصاديين كان لهما اثار سياسية لها اهميتها التاريخية، ففي اعقاب الحرب الاهلية اتسع نطاق الثورة الصناعية في امريكا، وكانت نخبة من الرجال النابهين قد سيطرت على نشاطات التصنيع وشكلت ثروات طائلة، وفي هذا السياق ظهر رجال من امثال روكفلر ومورثمان وستانفور وغيرهم من رجال اعمال ومصرفيين اخذوا يجمعون بين ايديهم الشركات البترولية ومصانع الصلب والبنوك بشكل لا سابق له. وفي مواجهة هؤلاء العمالقة وجد العاملون في النقابات الوسيلة الوحيدة للضغط من اجل تحسين احوالهم الوظيفية واجورهم المتواضعة وهكذا وبعد اربع سنوات فقط من نهاية الحرب الاهلية انشئت نقابة «فرسان العمل» ثم انشيء بعد ذلك باثنتي عشرة سنة الاتحاد الامريكي للعمل، الذي واجهه ارباب العمل برد فعل عنيف كما تبين عمليات الميليشيات والقوات الخاصة التي كانت تتصدى للمضربين. وجاء الرد السياسي عبر بروز حركات احتجاج عمالية ضد سيطرة ارباب العمل وكبار رجال الاعمال في قطاع الزراعة ثم شكلت الحركة التقدمية من قبل افراد ينتمون الى الطبقة الوسطى والى النخبة الثقافية بهدف تطهير المجال الحكومي من الفساد وقد استوحوا توجههم من النموذج السويسري وبالتوازي تأسست الحركة الشعبية لتعقد اول اجتماع لها عام 1892 حيث نددت بالديمقراطيين والجمهوريين معا واتهمتهم بالتواطؤ مع بارونات السكك الحديدية الذين كانوا يفرضون رسوما باهظة على شحن البضائع والمنتجات وثم الى جانب المطالب الاقتصادية طلب اجراء اصلاحات سياسية وانتخاب الممثلين عنهم بصورة مباشرة الى مجلس الشيوخ. وفي خضم هذه التحركات كلها، والصراعات احيانا، نمت الديمقراطية وترعرعت حيث ادرك رجال السياسة بعد الحرب العالمية الاولى ان «السيادة الشعبية قد أصبحت راسخة تماما» غير ان الحاذقين منهم ادركوا أن الوصول الى السلطة يتطلب امتلاك الرأي العام وشن الحملات الدعائية ضد خصومهم ومن هنا نشأت صناعة جديدة هي العلاقات العامة التي غيرت كثيرا من مسار الحياة السياسية في الولايات المتحدة الامريكية. ويرى مؤلف هذا الكتاب أن ارث «التقدميين» الاوائل لايزال له موقعه في النظام السياسي الامريكي، لكن أصبح للاموال تأثيرها الكبير على اللعبة الديمقراطية وكما هو الحال في مختلف اوجه النشاط السياسي الامريكي، فان المعارك السياسية الانتخابية قد ارتفعت تكاليفها بصورة كبيرة خلال العقد الماضي، واصبح امتلاك الكثير من الاموال بمثابة جواز سفر نحو خوض المعارك الانتخابية وكما هو الحال في الحملات الانتخابية الرئاسية فان اول اختبار لاي مرشح يكون في قدرته على جمع الاموال اللازمة لحملته وعلى سبيل المثال كان هناك في خريف عام 1997 مئتي التماس ومبادرة كان المسئولون عن الحملات يأملون وضعها على قائمة الاقتراع في العام التالي لكن اغلبية مساندي هذه الحملات لم ينفذوها بسبب نقص الاموال. وتشير الاحصائيات الخاصة بفترة 1997 ـ 1998 الى ان اجمالي المصاريف الخاصة بتأييد مبادرات سن قوانين او معارضتها قد بلغت ما يزيد على 257 مليون دولار. ولعل اكثر مبادرات سن القوانين كلفة في عام 1998 كانت لدى القبائل الهندية في كاليفورنيا وكازينوهات لاس فيجاس وقد بلغت كلفة حملة الهنود ما يزيد على 66 مليون دولار في حين كلفت منافسيهم الذين خسروا قيمة 25 مليون دولار وكما هو الحال دائما لا تنتهي المعركة الانتخابية مع انتهاء عملية فرز الاصوات اذ كثيرا ما يلجأ الخاسرون الى القضاء على امل امكانية تغيير النتائج لصالحهم. ويتعرض العديد ممن يقفون وراء بعض مبادرات سن القوانين الى مضايقات من خصومهم وبالذات من المؤسسات السياسية التي تتعارض مصالحها مع المبادرات المقدمة، لكن هذا لا يمنع واقع مبادرة قانونية ادت الى اغلاق محطة توليد كهرباء تعمل بالطاقة النووية واستطاعت اخرى ان تؤدي الى منع الاجهاض واحباط مشروع قانون يعطي ضمانات للشاذين جنسيا، مع ذلك كثيرا ما تتدخل المحاكم العليا لالغاء مبادرات قوانين كان قد تم الاقتراع عليها. لذلك كثيرا ما تتحول المعارك في هذا الشأن الى مواجهات بين المشرعين والمواطنين ولذلك ليس من قبيل الصدفة ان اكثر المبادرات شيوعا هي تلك التي تحد من فترة تمثيل النواب في المجالس الامر الذي يثير غضبهم لانهم يعتبرون فترة عضويتهم النيابية تتقلص، وتشير تقارير عديدة الى ان النواب يعرقلون حق الناس في ممارسة حقهم بطرح مبادرات لسن القوانين وبالاستفتاء بدلا من تسهيل ذلك، هكذا يبدو ان النواب والمسئولين يفضلون الابقاء على مصالحهم والدفاع عنها اكثر من حرصهم على تنفيذ مطالب الناخبين باجراء الاصلاحات الضرورية. وتشير الاحصائيات الى ان فترة 1990 ـ 1998 قد شهدت اقامة 37 دعوى امام المحاكم في 20 ولاية بقصد وقف سريان اجراءات ومبادرات تحديد فترة عضوية بعض النواب ومع ذلك هناك اليوم 39 حاكم ولاية ونحو ثلاثمئة الف موظف محلي يعملون حاليا في ظل فرض ضوابط وقيود على فترة التمثيل. غير ان العديد من الناس ينتقدون مثل هذا الوضع لانه يحد في نظرهم من قدرة ممثلي الشعب على القيام بمهامهم على الوجه الاكمل ويجعل العمل الموكول لهم مقصورا على مسائل تهم قوى الضغط (اللوبي) اكثر مما تهم المواطنين، لا سيما وان هذه القوى لها كلمة نافذة ومؤثرة على نتائج اية انتخابات بالمقابل يرى آخرون ان استمرار فرض الضوابط والقيود على فئة التمثيل ضرورة حيوية لان ذلك يصب في صالح خدمة الجماهير ويبدو ان التوفيق بين الرأيين المتناقضين المعترض والمؤيد امر عسير ولا يمكن بالتالي ايجاد حلول ترضي الجميع. بكل الاحوال يؤكد المؤلف على الدور المركزي الذي تلعبه مجموعات الضغط التي تبحث باستمرار عن سبل للاتصال المباشر بالناخبين كما ان مجموعات اخرى مثل مجموعات المحافظة على البيئة وحقوق الحيوان والمنظمات المعادية للشواذ جنسيا ومجموعات معارضي التعليم ثنائي اللغة وحركات المطالبة بخفض الضرائب تحاول كلها تعزيز مواقعها داخل المجتمع الامريكي عن طريق وزنها الانتخابي. ويخلص المؤلف في توصيفه لآليات عمل الديمقراطية الامريكية الى القول بأنه في حين كانت معظم القوانين في الولايات المتحدة الامريكية يتم وضعها من قبل المشرعين فان الناخبين في نصف الولايات المتحدة يقررون مباشرة ماهية هذه القوانين بشكل مباشر اليوم وهي قوانين يتعلق البعض منها بمسائل حساسة جدا وذلك عن طريق اطلاق مبادرات لسن تشريعات يقودها الرأي العام وانما يحركها غالبا الاثرياء واصحاب المليارات في افق خدمة مصالحهم الخاصة. وهكذا فان تلك الحركة «مبادرات سن القوانين» التي بدأت طلائعها في كاليفورنيا اصبحت الآن مجالا لـ «البزنس» بملايين الدولارات وعلى اتساع الولايات المتحدة بأسرها لكن هذه المبادرات لاتبدو بانها قادرة على ان تأتي بالحل الناجع لمشاكل الديمقراطية الامريكية «الجانحة».