يعمل جوديث ميلر مراسلا لصحيفة نيويورك تايمز منذ عام 1977 وقد عمل في انحاء عديدة من العالم وركز تحقيقاته حول منطقتين رئيسيتين هما الشرق الاوسط والاتحاد السوفييتي السابق، له عدة كتب من بينها «صدام حسين وازمة الخليج» بالاشتراك مع لوري ميلروا، واحدا وراء الاخر، طلاء الهولوكست. وجوديث ميلر هو صحفي امريكي كتب الكثير من الدراسات حول الامن القومي ولمدة تزيد على عشر سنوات، وهو يعمل الان صحفي تحقيقات وكاتب افتتاحيات في مجلة «التايمز». اما وليام برود المؤلف الثالث لهذا الكتاب، فهو صحفي وكاتب يعمل في «التايمز» منذ عام 1983 له العديد من المؤلفات منها «حرب المخبرين: الاسرار الخطيرة جدا وراء الخيبة من حرب النجوم» و «محاربو النجوم» نظرة ثاقبة في حياة علماء شباب خلف عصر اسلحة الفضاء.. الخ. تتوزع مواد هذا الكتاب بين اثني عشر فصلا بالاضافة الى مقدمة وخاتمة وقائمة مراجع. بدأت فكرة كتابة هذا العمل عام 1997، عندما اعلنت وزارة الدفاع الامريكية في شهر ديسمبر من تلك السنة قرارا يقضي بتعبئة 2.4 مليون من الجنود الامريكيين العاملين والاحتياطيين ضد مرض الانثراكس والمعروف في القاموس الطبي العربي بمرض «الجمرة الخبيثة» بدا هذا القرار غريبا في السياق الذي اتى فيه اذ كان قد تم قبل عامين فقط من ذلك التاريخ الكشف عن برنامج للاسلحة البيولوجية كان العراق قد مشى خطوات متقدمة فيه، وتمت المطالبة بوضع حد نهائي له. فما الذي غير الموقف؟ وهل كان قد تم الكشف عن مكمن للخطر اكثر خطورة؟ هل هناك سلاح جرثومي جديد؟ هل كانت ادارة الرئيس الامريكي انذاك بيل كلينتون بحاجة الى قضية ذات بعد دولي تسمح لها بان تبدي موقفا متشددا حيالها لاغراض تتعلق بالسياسة الداخلية؟ لقد قام الصحفيون الثلاثة في البحث عن دوافع قرار البنتاجون؟ وذلك لحساب صحيفة «التايمز» كان القاسم المشترك بينهم هوخبرتهم بمكافحة الارهاب وحرب الجراثيم والشئون الدفاعية الامريكية في مفاهيم «البنتاجون» كانوا على دراية تامة منذ بداية استقصاءاتهم بأن مهمتهم شديدة الصعوبة اذ كانوا يعرفون سلفا، بحكم خبرتهم، بأن الكثير من الاجهزة المسئولة على المستوى الفيدرالي الامريكي تسعى التى تضخيم الامور كي تجد مبررا لوجودها واستمراريتها والحصول في الوقت نفسه على الاموال الضخمة التي تطالب بها، لكنهم علموا في خضم تحقيقاتهم بان قرار وزارة الدفاع الامريكية كان جزءا من جهود حكومية ترمي الى محاربة ما كان المسئولون يعتقدون انه خطر متزايد من اسلحة جرثومية وكانت تحرياتهم قد تطلبت منهم التنقل طيلة ثلاث سنوات بين واشنطن وكازاخستان واليابان وروسيا جمعوا خلالها معلومات على قدر من الاهمية قرروا جمعها في هذا الكتاب الذي نحن بصدد تقديمه. يتعرض المؤلف في بداية تحليلاتهم لدراسة دور العلم ومكانته في حياة الانسانية اليوم فإذا كانت العلوم بكل مشاربها، وفي مقدمتها علوم الاحياء قد حققت في نهاية القرن العشرين تقدما كبيرا في مكافحة الامراض على صعيد زيادة متوسط العمر الافتراضي للانسان، ولكن كان لهذا التقدم «وجهه الاخر» اذ ان العلم اعطى ايضا قوة كبيرة لاولئك الذين يعملون على استخدام الجراثيم لغرض التدمير وبعد نحو ربع قرن من الزمان شهد العالم سباقا بيولوجيا حثيثا بين الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي «السابق» ظهر عقب انهاء هذا السباق اثر التوقيع على معاهدة عام 1972 الخاصة بتحريم هذا النوع من السلاح، لكن ما ان دخلت المعاهدة حيز التطبيق حتى شرع الاتحاد السوفييتي السابق في تطوير هذا السلاح سرا وعلى نطاق واسع، وهكذا اتسعت دائرة الباحثين عن الحصول عليه سواء كان ذلك على مستوى الدول او على مستوى المجموعات الارهابية. ولكن هل يمثل السلاح الجرثومي خطرا كبيرا على العالم ام ان الامر «مضخما» ومبالغا به؟ الاجابة التي يقدمها المؤلفون على هذا السؤال تقول بأن خطورة السلاح الجرثومي مبالغ بها وحقيقية في الوقت نفسه اذ وخلال السنوات الاخيرة المنصرمة بالغ المسئولون كثيرا في تصريحات حول الخطر الداهم المرتبط بامكانية حدوث انفجارات بيولوجية ذلك ان حقيبة تحتوي على مايقارب 2 كيلو جرام من جراثيم الانثراكس «الجمرة الخبيثة» يمكن ان تسبب مقتل العديد من الافراد، ولكن ليس مصرع نصف سكان العاصمة الامريكية ويضاف الى خطأ التقدير «العلمي» لخطر السلاح الجرثومي خطأ اخر اقترفه الزعماء السياسيون الامريكيون هذه المرة مما اساء كثيرا الى مصداقيتهم عندما اكدوا على «حتمية» حدوث هجمات بيولوجية تستهدف الولايات المتحدة الامريكية خلال السنوات المقبلة، بحيث ان المسألة لم تعد ما اذا كانت ستقع وانما متى ستقع. هذا التأكيد المطلق لا يقوم على اي اساس ثابت هذا ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب فمع ان الاسلحة الجرثومية قد لعبت دورا «متواضعا» جدا في الحروب التي نشبت خلال القرن العشرين واثناء العديد من العمليات ذات الطبيعة الارهابية مثل المشروع الذي خططت له ونفذته مجموعة «أوم» اليابانية في مترو طوكيو فأنه لابد من الملاحظة بأن اغلبية البلدان التي شاركت في حروب متباينة الحدة والاتساع فضلت عدم اللجوء الى استخدام الاسلحة الجرثومية، واذا كان القرن الماضي قد شهد قيام الارهابيين بتفجير العديد من المباني والمؤسسات واختطاف العشرات من الطائرات ومارسوا عمليات القتل دون اي تمييز، فإن مجموعات ارهابية قليلة تعد على اصابع اليد الواحدة حاولت استخدام السلاح البيولوجي، وبدرجة محدودة جدا من النجاح. وعلى الرغم من ندرة استخدام الاسلحة البيولوجية ومحدودية فاعليتها بيد المجموعات الارهابية الا انها تشكل مع ذلك خطرا كبيرا اذا لجأت الدول نفسها لاستخدامها حيث يدرس المؤلفون مثال قرية «حلبجة» الكردية في شمال العراق ضمن اطار فصل كامل عن صناعة الاسلحة البيولوجية في العراق! ويحمل هذا الفصل عنوان «صدام» ولكن آفاق اتساع نطاق مالكي الاسلحة الجرثومية ازدادت كثيرا مع انهيار الاتحاد السوفييتي السابق خلال مطلع عقد التسعينيات الماضي، اذ وجد الالاف من العلماء المتخصصين في الاسلحة البيولوجية انفسهم بلا عمل، هكذا تواكب التقدم الذي شهدته التكنولوجيا والاكتشافات البيولوجية مع الازمات السياسية لخلق مناخ اكثر ملاءمة لتطور انتشار الاسلحة البيولوجية على نطاق واسع وزاد في الطين بلة القضاء على نظام التمييز العنصري ـ الابارتهايد» في جنوب افريقيا وهزيمة العراق في حرب الخليج وسع من دائرة العلماء المتخصصين في صناعة تلك الاسلحة المحرمة دوليا، حسب مباديء العرض والطلب في السوق. وفي معرض البحث عن دراسة «تاريخية» الاسلحة البيولوجية يتفق المؤلفون مع الرأي السائد بأن فرص تصنيع الاسلحة الجرثومية قد تواكبت في جميع انحاء العالم مع صناعة العقاقير واللقاحات وقد كانت الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد السوفييتي «السابق» امضيا اكثر من عقد من الزمن للتوصل الى التحكم في صناعة ذلك النوع من الاسلحة وذلك بعد العديد من الاخفاقات والفشل، وبعد عقود من الزمن استطاع العلماء العراقيون انتاج الاف من اطنان جراثيم الجمرة الخبيثة «الانثراكس» وغيرها وخلال سنوات قليلة فقط، ويناقش المؤلفون على مدى صفحات عديدة وزن السلاح الجرثومي اثناء المواجهة في حرب الخليج الاخيرة بين التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبين العراق، وحيث كان قد جرى عن «وعي» تضخيم الامكانيات العراقية في هذا المجال. وتتم المقارنة في سياق اخر بين الاسلحة البيولوجية والاسلحة النووية، وحيث ادى «التناقض» بينهما الى تسمية الجرثومية منها بـ «قنبلة الفقراء النووية» وذلك بسبب الكلفة المتواضعة لانتاجها بالقياس الى ثمن اليورانيوم المشع، بالاضافة الى صعوبة الحصول عليه، ثم ان حصول اية دولة من الدول على خطط انتاج القنبلة النووية انما يعني وضعها في نقطة الانطلاق في طريق طويل وشديد التعقيد من الناحية الفنية والتقنية، بل والسياسية ايضا، هذا فضلا عن الاستثمارات المالية الهائلة لبناء المفاعلات المطلوبة وتشغيلها، اما السلاح البيولوجي فإن صناعته ميسورة، ويمكن لأية مجموعة ارهابية الوصول اليه، هذا ما يؤكده العديد من الخبراء في هذا الميدان. ويحمل المؤلفون في احد فصول هذا الكتاب الولايات المتحدة مسئولية كبيرة في انتشار الاسلحة البيولوجية ولو كان ذلك بطريقة غير مباشرة، فبزوغها كأكبر قوة كونية جعلها هدفا ممكنا لهجمات بيولوجية من قبل اولئك الذين يرفضون هيمنتها على العالم، لاسيما وان هؤلاء يخشون قوتها العسكرية الهائلة والتي لايمكن الرد عليها الا باستخدام اسلحة «غير تقليدية» ويضرب المؤلفون على مثل هذه الهجومات ذلك العمل المسلح الذي استهدف بارجة حربية امريكية كانت ترسو في ميناء عدن اليمني خلال شهر اكتوبر من عام 2000 وادى الى مقتل عدد من جنود المارينز الامريكيين وكاد ان يسبب غرق البارجة، ان مثل هذه العمليات الانتحارية يمكن ان تتكرر من قبل اولئك الذين يؤمنون بقضايا سياسية معينة الى درجة انهم يحولون اجسادهم الى قنابل موقوتة، ويمكن لمثل هؤلاء ان يحملوا كميات من الاسلحة الجرثومية في ظل التقدم العلمي السريع الذي زاد من خطورة مثل هذا التهديد لاسيما وان علوم الوراثة والجينات، التي ساهمت الى حد كبير بتحسين الانتاج الزراعي ومكافحة الكثير من الآفات التي تصيبه، يمكن اذا اسيء استخدامها ان تكون عاملا مساعدا في قتل البشر وهلاكهم، ان المؤلفين يركزون كثيرا في تحليلاتهم، وبطرق مختلفة، على القول بأنه قد يكون بامكان الارهابيين ان يقوموا هم انفسهم بعد عقد من الزمن او ربما اقل بانتاج ما يحتاجون من وسائل التخريب والقتل عن طريق الاسلحة البيولوجية، وذلك دون اية حاجة لـ «خبراء في الحرب الجرثومية». ومن الاسباب التي تزيد من خطر الحرب الجرثومية هناك عامل فريد من نوعه ويتمثل في «عدم اليقين من نتائجها» مما يترك الباب مفتوحا امام مختلف الاحتمالات والتوقعات اما الانفجارات فهي ذات نتائج معروفة وذلك على عكس الضربات البيولوجية التي لا تظهر عواقبها في الحال وبالتالي لا يمكن تحديد حجم خسائرها وعدد ضحاياها. ويتم التأكيد في المحصلة على ضرورة العمل من اجل الحد من انتشار الاسلحة البيولوجية والجرثومية بكل انواعها، ويرى المؤلفون بأن افضل طريقة لاحياء الآمال بالوصول الى ذلك تكمن في العودة الى معاهدة عام 1972 بهذا الخصوص وتعزيزها وايجاد التوازن «المفقود» بين «ضرورة استمرار الابحاث ذات الفائدة ومراقبة كل اشكال سوء الاستخدام» كما تتم في هذا السياق ايضا المطالبة بالتزام علماء الوراثة بالمباديء الاخلاقية التي تفرضها طبيعة عملهم والتي تجد جذورها ـ اي المباديء لدى الحكيم اليوناني القديم «ابوقراط» ان مثل هذه الدعوة ومهما كانت درجة رمزيتها قد تدفع الباحثين والعلماء للتمتع بقدر اكبر من الحساسية تجاه العواقب الاخلاقية لنشاطهم المهني. ويتم في هذا السياق ايضا بحث دور محكمة الجنايات الدولية المكلفة بمحاكمة مجرمي الحروب وبحيث تتم المطالبة بتطبيق المبدأ نفسه على اولئك الذين يشاركون في تصنيع الاسلحة الجرثومية ثم لابد ايضا من تعاون دولي وثيق وفعال للحد من عمليات «بيع» الجراثيم والميكروبات التي تلجأ لها بعض البنوك وكانت الولايات المتحدة الامريكية قد فرضت منذ عام 1996 قيودا شديدة على تلك العمليات بعد محاولة احد افراد اليمين المتطرف شراء عدد من الميكروبات «المعبأة» من احدى الشركات الامريكية، وتتم الاشادة بهذا الاطار، وفي فصل يحمل عنوان «الرئيس» بما بذلته ادارة الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون من جهود ناجحة في هذا الميدان. ويجدد مؤلفو هذا الكتاب حذرهم حيال نية الروس رغم وجود تعاون بين الولايات المتحدة وروسيا في هذا الميدان، ويعربون عن اعتقادهم بأن العسكريين الروس لايزالون يطورون اسلحة بيولوجية جديدة، وذلك رغم تكذيب موسكو ورغم زيارة علماء امريكيين لمختبرات روسية كانت تنتج «سابقا» اسلحة بيولوجية. وفي ختام عملهم يعود المؤلفون الى ذكر فقرة كانت قد وردت في تقرير تم اعداده عام 1949 وتنص على «ضرورة اعداد خطط لانشاء مصانع تنتج اللقاحات واللوازم الطبية المطلوبة للتصدي الى اية هجمات محتملة، وبحيث تتزود الولايات المتحدة ببرنامج للدفاع المدني في هذا المجال» ان مثل هذا القول يبدو بنظر المؤلفين وبأنه مكتوب بالامس، فهل ينبغي الانتظار نصف قرن اخر؟ واذا كان البعض يعتقدون بأن خطر الحرب الجرثومية هو مجرد اكذوبة فإن ذلك يعني بأن الولايات المتحدة تضيع اموالا في الهباء اما اذا كان هناك خطر حقيقي ـ كما يعتقد المؤلفون ـ فإن الاستخبارات غير موجهة بشكل سليم.