جان جاك ماري، هو احد افضل الاخصائيين الفرنسيين ـ الى جانب هيلين كارير دانكوس، صاحبة كتاب «السلطة المصادرة» الذي توقعت فيه منذ أكثر من عقدين انهيار الاتحاد السوفييتي ـ بالشئون الروسية، وكان قد نشر اول كتبه «الكلمات التي هزّت العالم» عام 1972 ثم قدم اكثر من عشرين كتاباً كرّس معظمها لتاريخ البلاشفة ومن بينها «البلاشفة بقلمهم». وكتاب اول عن «ستالين» وكتاب ثان عن «شباب ستالين». وله كتاب عن سيرة حياة «ليون تروتسكي»... هذا هو الكتاب الثالث الذي يخص به جان جاك ماري جوزيف ستالين. وتأتي أهمية هذا الكتاب من انه يأتي بعد «فتح» الاراشيف السرية لاجهزة الاستخبارات السوفييتية السابقة بعد انهيار النظام الشيوعي. ولاشك ان هذا يوفر مصادر معلومات مهمة تلقي اضواء جديدة على احدى الشخصيات السياسية التي كان لها حضورها وأثرها الكبير خلال القرن العشرين.. وقد كان ستالين احد الذين صاغوا خارطة القارة الاوروبية بعد الحرب العالمية الثانية في الاجتماع الشهير الذي جمعه بمدينة «يالطا» على ضفاف البحر الأسود مع الرئيس الامريكي روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا آنذاك ونستون تشرشل. لقد كان ستالين رجل كل انواع التجاوزات والاستبداد التي شهدتها فترة حكمه من تصفيات سياسية وجسدية ومحاكمات مزوّرة وملايين الموتى خلال المجاعة الكبرى التي عرفها الاتحاد السوفييتي، خاصة في اوكرانيا، خلال سنوات 1930 ـ 1933.. كما شهدت فترة ستالين تهجير 15 شعباً من اراضيهم ومواطنهم الاصلية الى مناطق اخرى... وهذه الفظاعات كلها ليست سوى عينات من بعض ما عرفته الحقبة الستالينية من مظالم. ان اسئلة كثيرة تحيط بمسيرة حياة ستالين، ولعلّ مؤلف هذا الكتاب يحاول تقديم اجابة كافية وافية عن أكثرها غموضاً، وربما اثارة، اذ كيف استطاع هذا الرجل الذي يعود منبته العائلي الى اصول شديدة التواضع والى منطقة نائية في جورجيا التي كانت احدى «مقاطعات» امبراطورية شاسعة ـ المؤلف يستخدم باستمرار تسمية امبراطورية للدلالة على الاتحاد السوفييتي السابق ـ والذي لم يكن يمتلك، كما هو شائع عنه على الأقل، اية مواهب استثنائية خارقة، ان يصبح احد أكبر الشخصيات العالمية التي شهدها القرن العشرون؟. وفي معرض الاجابة يؤكد «جان جاك ماري» على تضافر عدة عوامل لعبت دوراً في الصعود القوي والثابت لستالين حتى قمم السلطة العليا. لكنه يرجح بالاحرى اسباباً اخرى أكثر عمقاً وفاعلية ساعدت على وصوله الى ما وصل اليه وفي مقدمتها مواهبه الكبيرة في القدرة على التستر وتحضير خططه في السر وبكل هدوء وصمت وايضاً قدرته على استغلال الاخرين دون اية مبالاة بما يمكن ان يؤول اليه مصيرهم.. لقد كانت «الوسائل مبررة، ومهما كانت، من اجل تحقيق الغايات التي يصبو اليها».. هذا الى جانب كم هائل من «انعدام الحساسية» اذ لم يكن يبدو عليه اي انفعال وهو «يسحق» خصومه، ولو كانوا رفاق دربه الذين كان بعضهم من «ابطال» الثورة البلشفية عام 1917. هذه الصفات كلها هي التي اوصلت ستالين الى قمة الحزب الشيوعي السوفييتي وقمة السلطة والدولة. لقد عاش ستالين طفولة بائسة وكان والده مدمناً على تعاطي الكحول مما كان وراء وضعه طفلاً لدى آباء الكنيسة حيث أمضى جل طفولته ثم انتقل بعدها للدراسة في مدينة قريبة وهنا «اكتشف» انه يمكن ان يكون هناك «فارق كبير بين القول والفعل»، كان احد الدروس الاولى التي تعلّمها في احضان «الشبيبة الشيوعية». وهذه الصفة شكّلت فيما بعد احد سمات النظام الذي اقامه ابتداء من وصوله الى الامانة العامة للحزب الشيوعي السوفييتي عام 1922. وكان قد حافظ باستمرار اثناء الاجتماعات الحزبية على تحفظه وتكتمه وأراد ان يبدو رجلاً متواضعاً وبعيداً عن النزاعات التي كانت تمزق المجموعات الحزبية المتصارعة من اجل السلطة. لكن بالوقت نفسه كان ستالين يصفّي جسدياً اقرب المتعاونين معه، واحداً بعد الآخر واساء معاملة اهل اسرته انفسهم وكبح اي فكر خلاّق داخل اجهزة الحزب وتسريح اعداد كبيرة من ضباط الجيش الاحمر مما جعله عاجزاً عن مواجهة الزحف الالماني الهتلري عام 1941.. لكن هذا كله كان يجري تحت غطاء آلة دعائية كبيرة كان عملها الاول والاخير هو تمجيد «اب الشعب» جوزيف ستالين. ويرى مؤلف هذا الكتاب انه لا يمكن ابداً الفصل بين النظام الستاليني وبين مؤسسه. وهذا ما يشرحه على مدى الفصول الستة عشرة التي تتكون منها هذه السيرة الموثقة لـ «الجيورجي الرائع» الذي اصبح «مرشداً أعمى» في ظل ثورة اوصلته الى السلطة. وقد تمثل اول الذين تخلص منهم ستالين من معارضيه اليساريين الذين كان على رأسهم «ليون تروتسكي» الذي أرسل احد عملاء مخابراته الى كوبا، حيث كان يقيم، من اجل التخلص منه بـ «ضربة فأس» على رأسه. لكنه كان يصر في جميع المناسبات على تقديم صورة رجل لا يحب التطرف حيث جاء في احد أقواله: «كنا نريد عدم اللجوء الى العقوبة القصوى ضد المجرمين. لكن الأمر وللأسف لا يتعلق بنا. ففي الوقت الذي يطالب فيه اصدقاؤنا الغربيون بأكبر قدر من الرحمة يلح علينا اصدقاؤنا في الاتحاد السوفييتي بضرورة تطبيق اكبر درجة من الحزم واعدام زينوفييف وكامونيف الذين كانوا وراء قتل كيروف». هذا ما يشرحه المؤلف في فصل يحمل عنوان «من قتل كيروف»، وقد كان هذا الأخير سكرتير الحزب الشيوعي في مدينة لينينجراد وعضواً في اللجنة المركزية لهذا الحزب. اغتيل عام 1934 في ظروف غامضة، وكان حادث اغتياله حجة استخدمها ستالين للتخلص في اول موجة كبرى للتصفيات من معارضيه السياسيين اثناء المنعطف الكبير». وبفترة التصفيات هذه نفسها عبأ ستالين جميع وسائل الاعلام من اجل الدعاية لنظامه وتلميع صورته.. وهكذا تحدث «اب الشعب» عن عالم المناجم ستاخونوف الذي قال عنه انه «استخرج 102 طن من الفحم بمدة تقل عن ست ساعات بينما المعدل الوسطي للانتاج هو 7 اطنان فقط». وضمن السياق نفسه كتب الاقتصادي «سيليوتين» عن اوضاع الاتحاد السوفييتي في نهاية عقد العشرينيات اقتصادياً حيث قال: «بعد اربع او خمس سنوات ـ على استلام ستالين للسلطة ـ كان قد تمّ الوصول من جديد الى مستوى فترة ما قبل الحرب على صعيدي الصناعة والزراعة، وفي عام 1928 تم تجاوز هذا المستوى بنسبة 32% في الصناعة و24% من الارياف «...» وكان العامل في الارياف يستهلك معدل 72 كيلوجراماً من اللحم سنوياً». كان مثل هذا الرأي جزءاً من حملة دعائية مزيفة، اذ ان عام 1929 قد شهد اندلاع احد اكبر الازمات الاقتصادية التي عرفها الاتحاد السوفييتي في تاريخه. وبكل الحالات كان ستالين يولي اهمية كبيرة للدعاية والاعلام.. وخاصة لصحيفة «البرافدا» التي شكّلت «لسان حاله» قبل ان تكون «لسان حال» الحزب. وكان ستالين يحرص ايضاً على صناعة «اسطورته» لذلك طلب من «بيريا»، رئيس اجهزة استخباراته لسنوات طويلة، ان يكتب تاريخ البلشفية في منطقة القوقاز على ان يضعه في الصف الاول «منذ ولادته». وقد حاول ضمن هذا السياق توظيف الشاعر الروسي الكبير «ماياكوفسكي» لصالح نظامه، لاسيما وانه لم يكن يشكل اي خطر من جرّاء تعظيمه اذ كان قد مات منذ سنوات طويلة. وفي فصل يحمل عنوان «المؤامرة المستمرة» يتعرض المؤلف لشرح مفاهيم ستالين على صعيد السياسة الخارجية حيث كان يعيش حالة «رعب» حقيقي من الولايات المتحدة الامريكية، رغم انه لم يصرّح ابداً بذلك في المقابلات الصحفية النادرة، بل انه كان يؤكد العكس. ولذلك كان يسعى باستمرار من اجل تحييد اوروبا، وكان يستخدم من اجل تحقيق مثل هذا الهدف جميع الوسائل الممكنة بما فيها الاحزاب الشيوعية في بلدان اوروبا الرأسمالية.. وكان من جهة اخرى معجباً بالتجربة «الفنلندية» التي قرر نظامها الاحتفاظ بـ «الملكية الفردية» لكنه كان بالوقت نفسه يدعم «موسكو» وهذا هو المهم. ويؤكد المؤلف في الفصل الاخير من هذا الكتاب على حالة الترهل والجمود التي عرفها الاتحاد السوفييتي في مطلع عقد الخمسينيات الماضي حيث لم ينتج مثلاً خلال عام 1952 كله سوى ستة افلام سينمائية كان ستالين نفسه قد «أشرف» عليها شخصياً كما كان هو الذي وقع عام 1948 المرسوم الذي اعدّه مجلس الوزراء حول «خطة الانتاج الفني والوثائقي» والتي كانت تنص على تقليص عدد الأفلام السينمائية المنتجة من اجل تحسين نوعيتها. لكن النتيجة في الواقع كانت «انخفاض عدد الافلام وانخفاض قيمتها الفنية ايضاً». وعندما مات ستالين بتاريخ 5 مارس 1953 وضعوه في نعش كتبوا عليه اسمه وتاريخ ولادته ووفاته. ويروي المؤلف انه عندما اريد اغلاق النعش لوحظ عدم وجود المسامير المطلوبة. فهل كان الامر مجرد اهمال؟ ام عدم توفر؟ يتساءل المؤلف. وعندما تمّ دفن «أب الشعب» لم يكن اي من ولديّ ستالين حاضراً. لقد كان ستالين «ضحية نظام القياصرة» فانقلب الى «جلاد شعبه» عندما حكم.. كتاب اخر عن ستالين يحتوي على كم كبير من الوثائق الارشيفية.. ومئات الحكايا غير المنشورة سابقاً.