لقد انهارت الشيوعية في مطلع عقد التسعينيات الماضي بعد ان كان العالم قد عاش على مدى حوالي سبعة عقود ثنائية دولية بين معسكرين غربي رأسمالي وشرقي اشتراكي. لقد انهارت المنظومة السياسية الشيوعية ولكن يبدو ان الماركسية كمنظومة فكرية وكفلسفة لرؤية العالم لاتزال تثير الاهتمام في الغرب، كما تدل عشرات الندوات والكتب التي جعلت من خلال السنوات الأخيرة موضوعا لها. وهذا الكتاب ـ القاموس هو أحد آخر الشواهد على ذلك. المشرفان على انجاز هذا العمل هما جاك بيديه استاذ الفلسفة في جامعة باريس العاشرة ومدير مجلة «اكتويل ماركس» الصادرة عن المركز القومي الفرنسي للبحث العلمي، وقد حمل آخر كتاب له صدر عام 2000 عنوان «ما العمل برأس المال؟» والمشرف الآخر هو اوستاش كوفيلاكيس الاستاذ في جامعة «ولفرهابتون» الانجليزية والذي كان قد انجز أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه حول «الفلسفة والثورة من كانط حتى ماركس» وستصدر هذه الاطروحة قريبا في كتاب بالانجليزية والفرنسية. ما يؤكده المساهمون في هذا الكتاب هو ان الماركسية ورغم التأكيدات الكثيرة بأنها قد أصبحت في «عداد الاموات» لاتزال تشكل أحد المعطيات الهامة في المشهد الثقافي والفكري المعاصر. واليوم وبعد امتلاك بعض المسافة عن الاحداث التي أطاحت بالانظمة التي كانت تعتبرها «رسمياً» بمثابة مرجعيتها الاساسية، فإن المساهمين في هذا الكتاب ـ القاموس يحاولون تقديم البراهين كل منهم من زواية اختصاصه بأنها لاتزال موجودة في ساحات النقاشات الفكرية والفلسفية. ولهذا تتركز محتويات هذا الكتاب حول مجموعة من المواضيع والاطروحات التي سادت على ساحة النقاش الفكري العالمي منذ سنوات السبعينيات ولاتزال مستمرة حتى الوقت الراهن. وهذا يعني عدم تبني الصيغة القاموسية التقليدية المتمثلة في تقديم تعريفات مبوّبة حسب الابجديات أو حسب المؤلفين. ومن أهم المواضيع التي يتم التطرق لها «أزمات الماركسية وتحولات الرأسمالية» و«صيرورة الماركسية: من نهاية الماركسية اللينينية وحتى ألف صيغة من الماركسية: فرنسا ـ ايطاليا 1975 ـ 1995» و«أين تذهب الماركسية الانجلوسكسونية؟» و«نظريات قديمة ورأسمالية جديدة» و«نظريات المنظومة الرأسمالية العالمية» و«الراديكاليون الامريكيون: تيار تخريبي في قلب أوروبا»... الخ. باختصار ان الهدف الذي حدده واضعو هذا العمل هو الكشف عن التيارات الرئيسية للماركسية اليوم بعد اندحار تعبيراتها السياسية وسقوطها، باستثناء حالات مبسطة منها الحالة الكوبية التي يحظى باحدى دراسات هذا العمل، كما يهدف هذا العمل الى فهم الآثار التي تمارسها الماركسية اليوم على الصعيد الفكري المعاصر. الفكرة الأساسية الأولى التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب ـ القاموس تتمثل في القول بأن العالم «الانجلوسكسوني» قد أصبح اليوم هو مركز الاهتمام الرئيسي بالمرجعيات ذات التوجه الماركسي، الأمر الذي يدل على «اندماجها» في سياقات سياسية واجتماعية جديدة. وفي اطار «المواجهة مع مستلزمات العولمة» وانتظار اقتصاد السوق، أي انتظار ما يبدو بمثابة النقيض تماما للاقتصاد الاشتراكي المخطط، والذي تلعب فيه الدولة دورا مركزيا.. وفي سياق انتصار التكنولوجيات الحديثة التي انتجتها ثورة المعلوماتية. وبكل الحالات يتم التأكيد في هذا الكتاب على عدة معطيات جديدة وغير معروفة من قبل، انتجها ما يسمى بالنظام العالمي الجديد الذي غير من طبيعة العمل والانتاج وشجع انتاج اشكال جديدة من «العنف القائم على أساس عنصري» وتأكيد هيمنة المركز الامريكي والذي يتم التعبير عنه بـ «الامبريالية الثقافية والعسكرية» وحيث يتم التأكيد في هذا السياق على أهمية الرهانات المتعلقة بالبيئة. ان المساهمين في هذا الكتاب يتفقون على القول بأن الماركسية تعاني من أزمة فكرية عميقة بسبب اسقاطات الاوضاع السياسية عليها. كما يؤكدون على ضرورة التخلص من الرؤى الاحادية التي سادت لفترة طويلة خلف تصنيفات تقوم على أساس «الموالاة» أو «المعاداة». ومن هنا يتم التأكيد على ضرورة العودة الى التراث الماركسي بكل مدارسه وتياراته بعيدا عن التحديد «الارثوذكسي التقليدي». وذلك من اجل الاستفادة من هذا التراث الماضي وجعله تحديدا في خدمة حرية الفرد وازدهار المجموعة، ولكن مع التأكيد على ضرورة عدم الوقوف في «فخ» الليبرالية المتطرفة وإنما بعيدا عن رفضها جملة و«ككتلة» كل ما فيها «أسود». هكذا تحمل احدى مساهمات هذا الكتاب عنوان «اشتراكية السوق» أي باختصار تتم المطالبة في هذا الكتاب بضرورة الخروج من الاطر التقليدية الجامدة والتعامل مع قوانين الحياة ومتطلباتها وليس «أدلجتها» فقط. ويحاول جاك بيديه المشرف الرئيسي على هذا العمل ان يقوّم رؤية «بديلة» لما كان قائما، ولذلك يقوم بعملية «توليف» لما شهده نصف القرن الماضي من تيارات. هكذا يتطرق لفكر ميشيل نوكو وبيير يوردو وجورجن هابرماس وغيرهم... وهو يطالب بالانفتاح على التيارات الفكرية الاخرى السائدة.. هذا مع التركيز على مبدأ «العدالة».