منذ اربعين سنة ويوم 17 اكتوبر 1961 بالتحديد خرج عدة آلاف من الجزائريين الذين كانوا يقيمون في العاصمة الفرنسية باريس وضواحيها بمظاهرة كبيرة ضد اجراءات حظرالتجول التي كان محافظ شرطة باريس موريس بابون قد فرضها عليهم، وكانت تلك المظاهرة مناسبة لبداية حملة شرسة من القمع استهدفت الفرنسيين المسلمين، كما كان يقال آنذاك للدلالة على الجزائريين خاصة وبقية ابناء الجالية الاسلامية عامة، واستمرت عمليات القمع والتعذيب والتهجير القسري والاغتيال حتى يوم 20 اكتوبر كانت حرب التحرير الجزائرية قد قاربت تحقيق اهدافها، بعد وقوع حوالي مليون شهيد من ابناء الجزائر. ومنذ ذلك التاريخ 17 اكتوبر 1961 وحتى اليوم لا تزال احداث ذلك اليوم الدامي تثير الجدل والنقاش. اذ ومنذ يوم 18 اكتوبر 1961 دعت بعض حركات مناهضة العنصرية في فرنسا الى لقاء جماهيري للاحتجاج على القمع الذي مارسه رجال الشرطة، ولكن مع ذلك لايزال ايضا الحقد قائما في اعماق نفوس الكثيرين بعد مرور اربعة عقود من الزمن، ولا يزال التشوش مخيما على اذهان اولئك الذين يصرون على تسمية المتظاهرين آنذاك بارهابيين ولا يريدون ان يفهموا الواقع بأن الحقد العنصري هو الذي ادى الى ابشع الفظاعات وبأوامر سلطات عليا. وهذه السنة 2001 كانت الاحتفالات بذكرى احداث 17 اكتوبر 1961 مناسبة لبروز التناقض الكبير في الآراء على الساحة السياسية الفرنسية حيال حرب الجزائر والتي لم يتم الاعتراف رسميا بانها كانت موجودة الا قبل حوالي ثلاث سنوات تقريبا من قبل ممثلي الشعب الفرنسي في الجمعية الوطنية، اذ كان الحديث قبل ذلك يتم عن احداث الجزائر وليست حرب الجزائر. ان مؤشرات كثيرة دلت خلال شهر اكتوبر الماضي على التباين في الرؤى بين السياسيين الفرنسيين والقوى السياسية الفرنسية اليوم فعندما اراد رئيس بلدية باريس «برتراند دولا نوي» ان يدشن الاحتفال بوضع لوحة تذكارية تخص مذابح اكتوبر 1961 في مدينة باريس قاطع ممثلو المعارضة البلدية الاحتفال وعندما ارادت الجمعية الوطنية الفرنسية ان تحيي ذكرى 17 اكتوبر 1961 عبر كلمة القاها جاك فلوش وزير قدماء المحاربين خرج نواب اليمين من الجلسة احتجاجا. هكذا اذن وبعد اربعين عاما تختلف الاراء وتتناقض على الساحة السياسية الفرنسية حيال اعتراف الدولة باحداث القتل التي تعرض لها جزائريون شاركوا في مظاهرة آنذاك تلبية لدعوة للتظاهر كانت جبهة التحرير الجزائرية قد وجهتها لمواطنيها المقيمين في فرنسا، هذا وكان رئيس بلدية باريس قد اكد في نهاية كلمته الاحتفالية يوم 17 اكتوبر 1961 بان واجب الذاكرة في باريس لايستثني ابدا أي باريسي واكد بنفس الوقت بانه لاينسى الجنود والفرنسيين الذين كانوا يقيمون في الجزائر اصحاب الاقدام السوداء كما شاعت تسميتهم وكذلك لا ينسى بالتأكيد رجال الشرطة، لكنه مع ذلك اهدى الاحتفال بالمناسبة لـ «الضحايا ولابنائهم من بعدهم». كان قد تم اختيار موقع في باريس له دلالة رمزية كبيرة كي يحمل اللوحة التذكارية المعنية، وهو جسر «سان ميشيل» حيث كان قد القي عدة متظاهرين جزائريين في مياه نهر السين، ولم تنس يومها بعض النساء الجزائريات اللواتي كن يحضرن الاحتفال من اطلاق الزغاريد لترتفع ايقاعات الـ «يويو» في فضاء باريس ولكن كان على الطرف الآخر من الجسر مجموعة قليلة العدد بالفعل وتحمل لافتة كبيرة كتب عليها العار لعملاء جبهة التحرير الجزائرية. وبعد ظهر ذلك اليوم 17 اكتوبر 2001، سار حوالي خمسة آلاف شخص في مظاهرة اتبعت في خطر سيرها المسار نفسه الذي كان متظاهرو عام 1961 17 اكتوبر قد سلكوه اي بين محطتي مترو هما بون نوفيل و سان ميشيل هذه التظاهرة التي عبر عنها مهدي لعلاوي الجزائري رئيس جمعية من اجل الذاكرة ومؤلف كتاب «ليلة اكتوبر» عن احداث ليوم 17 اكتوبر التي كان والده احد المشاركين بالتظاهر حينها، بالقول: هذه هي مظاهرة الكرامة التي استعيدت وهي مظاهرة ستنتهي بالكرامة ايضا، تجدر الاشارة هنا الى ان مثل هذه المظاهرة لم تضم قبل عشر سنوات سوى عشرة اشخاص فقط، لكن الاحرار تغلب على النسيان، و هذه هي بداية الاعتراف كما قال مولود اونيت، الامين العام لاحدى حركات مناهضة العنصرية في فرنسا. وقد طالبت القوى والجمعيات والشخصيات التي دعت لتلك المظاهرة بضرورة الاعتراف الرسمي بهذه الجريمة كجريمة ضد الانسانية. ثم انها بالفعل جريمة ضد الانسانية . اذ تم تطبيق المادة 21 من القانون الجنائي الجديد في فرنسا، والذي جاء في نصها في تعريف الجرائم ضد الانسانية بانها الخطف الذي تعقبه اعمال تعذيب او اعمال لا انسانية على قاعدة دوافع سياسية الا ينطبق مضمون هذا التعريف على الجرائم التي كان عدة مئات من المتظاهرين الجزائريين قد تعرضوا اليها يوم 17 اكتوبر 1961. بكل الاحوال يبدو ان الحرب الجزائرية لم تنته بعد اذ ان هذه الحرب لا تزال تحرك او تؤرق وبالتأكيد لا تترك على الحياد، والمؤرخين والروائيين والسياسيين والمواطنين العاديين في فرنسا .. انها آثار الجروح الغائرة التي يبدو انها لم تندمل بعد تماما ولكنها هي بالتأكيد ايضا في طريقها الى الاندمال . اذ اعطت اكثر من صحيفة ومجلة في عناوينها المكرسة لـ «ملف الحرب الجزائرية» ما يوحي بـ «قبول الاخطاء والحديث عن «التعذيب». وباختصار يبدو انه قد بدأت عملية النظر للتاريخ مجابهة وليس مواربة .. ولكن لا تزال الطريق طويلة.