في كتاب شامل عن الشعب الكردي يتصل بالجوانب المهمة في تاريخه السياسي والفكري والاجتماعي والادبي والفني ويشير الى القومية الكردية وتصادمها مع القوميات الاخرى كما يبحث في الاصول التي نمت الاكراد.. يقدم البروفيسور توماس بوا كتابه «تاريخ الاكراد» ليفصل في كل جانب من هذه الجوانب بما يعطي صورة متكاملة عن شعب عاش مؤلف الكتاب بينهم في مختلف مناطق سكناه وتعلم لغته ودرس ادبه واختلط به وكرس لدراسته معظم حياته. فعبر احد عشر فصلا يحاول توماس بوا تقديم صورة شاملة عن الاكراد وبدءا من الفصل الاول الذي يتناول جغرافية كردستان تشكل العمود الفقري للشرق الاوسط حيث انها تقوم في قلب آسيا الصغرى وتحتل القسم الجبلي الاكبر الذي يمتد بين البحر الاسود وجبال ميزوبوتاميا من طرف واحد وتقابل سلسلة جبال طوروس وهضاب ايران من الطرف الآخر حيث يبدو شكل ارضها كالمنجل أو الهلال وفقا لاحد الاختبارات الوهمية وهي تعادل مساحة فرنسا وتشكل اجزاء كبرى من تركيا وايران والعراق. اما الموارد الاقتصادية في كردستان فما تزال بعض القبائل تعيش تحت الخيام ففي فصل الصيف يغادر الاكراد السهول حيث يبدأ الجفاف ويسوقون قطعانهم الى المراعي الجبلية حيث تتوفر الاعشاب والكلأ للحيوانات. وعن البحث عن الشعب الكردي يقدم الباحث الفرنسي توماس بوا الفصل الثاني من كتابه «تاريخ الاكراد» مشيراً الى ان البحث عن اصل الشعب الكردي هو واحد من الامور التي كادت تنهك افكار المؤرخين لمدة نصف قرن من الزمن حيث قدمت نظريات كثيرة بهذا الصدد ومع ذلك مازال الموضوع معقدا حيث قدم بعض الكتاب الروس ومن بينهم منيورسكي ونيكيتين الذين حاولوا القاء ضوء على الموضوع تبعا لدراسات واستنادا لبعض البحوث العلمية الاخرى كالحجج التاريخية والآثار القديمة واللغة وعلم اصل الانسان. وفي الوقت الذي يرى فيه الكثيرون ان الاكراد يتمتعون بميزات عامة كشعب جبلي إلا ان هذه الميزات تختلف باختلاف الموارد الاقتصادية المرتبطة بالتنوع من حيث امتلاك الارض والمسكن، حيث لابد من التمييز بين حياة الرحل وحياة الاقامة الثابتة لدى الشعب الكردي فالاكراد الذين يحترفون تربية الماشية ورعيها في المراعي الجبلية الفلاحون القائمون على اعمالهم بكل جد ونشاط ورجال الاعمال المهرة في المدن اي ان الراعي والفلاح والتاجر لديهم جميعا نظرة الارتباط بعضهم ببعض من خلال المصاهرة والقربى التي تبدو بوضوح اذا ان معظمهم يرجع لاصل قبلي مشترك. فهذا الشكل القديم من التنظيم الاجتماعي للرحل ونصف الرحل يسير اليوم نحو العدم والاضمحلال وذلك اما بسبب الضغط الذي تمارسه الحكومات عليهم كما هي الحال في تركيا والاتحاد السوفييتي سابقا او بسبب التطورات الحاصلة من تأثير ظروف الحياة المدنية الحديثة التي لا يمكن تجنبها فكثير من التطورات يمكن فهمها اليوم من خلال البيئة وعصيان الاكراد المسلح حديثا هو خير دليل على ذلك. ويتناول الفصل الخامس من كتاب تاريخ الاكراد لمؤلفه توماس بوا مفهوم العائلة فسواء كان الفرد يعيش مع قبيلته ام منبوذا منها تماما وسواء كان من الرعاة الرحل ويعيش في خيمة في الجبال ام مقيما في مكان معين فإنه لا يعيش مطلقا بمفرده بل دائما لديه زوجة وأولاد. وفي الوقت الذي منح مناخ كردستان سكانه الصحة والقوة لدرجة انها اكسبتهم مظهر الخشونة والقسوة ومع ان الكردي مرح في مزاجه وسلوكه وذكي في سرعة اجوبته، ومرهف الحس لدرجة فائقة حيث تظهر هذه المظاهر المتباينة في شخصيته اثناء مناسبات الافراح المتكررة على الرغم من قساوة حياته اليومية التي لا تشتمل إلا على فرص قليلة للراحة. فجميع الاحتفالات العائلية من الولادة والختان وبصورة خاصة الزواج يرافقها الغناء والرقص اذ انه من المتعذر ان يتصور ان يتم زواج بين الاكراد ويسعدون بها في جميع المناسبات والافراح. ومع ذلك يرى توماس بوا في كتابه هذا ان كردستان كغيرها من المناطق النامية تنقصها الوسائل الصحية فالمنازل وبصورة خاصة في القرى لا تفتقر لتمديد المياه والكهرباء فحسب بل يعوزها الاستعداد الصحي وغالبا ما تنتشر مختلف انواع الامراض والاوبئة بصورة دائمة، فالحياة التي يحياها الرحل في العراء والصيد واخطاره والشجار بين الرعاة وغرس الكروم كذلك قسوة المناخ وظروف الحياة البدائية تجعل الاكراد عرضة لانواع العلل حيث تنتشر هذه الامراض بسبب الفقر وفقدان الوسائل الصحية.. فسوء التغذية مثلا يسبب موت 50 بالمئة من الاطفال والذي يصل نسبته الى 20 ـ 40 بالمئة من مجموع الوفيات بشكل عام وهي درجة مخيفة جدا كما ان معدل الحياة بين الكبار لا يتجاوز سن الثلاثين ويمكن ان يكون 28 سنة حسب رأي بعض الخبراء. ويتناول الفصل الثامن من الكتاب الجديد «الاكراد في ظل الهلال» حيث يشير البروفيسور توماس بوا الى ان الاكراد يبلغ تعدادهم عشرة ملايين نسمة ولا يمكن معرفة او تحديد مدى تدين القسم الموجود والموزع بين الايرانيين من الاسلام الشيعة وربما اكثر او اقل تحررا في تركيا وهم في العراق وسوريا من الاسلام السنة. فالدين لدي الاكراد لابد ان يتخذ صفات مميزة خاصة اذ ليس من المؤكد انها تكون قد اكتسبت من الشعوب المجاورة كما انه تجدر الاشارة الى انه توجد بين الاكراد والعراقيين والايرانيين بضع مئات من القرى المسيحية القسم الاكبر فيها من الاشوريين الذين لا يختلفون عن الاكراد مطلقا من الناحية العملية في لباسهم وعاداتهم، فالاشوريون بصرف النظر عن لغتهم الخاصة جميعهم يتكلم اللغة الكردية وقد انضمت قبائلهم قبل الحرب العالمية الاولى الى الكردية واتحدت معها في نزاعها وقتالها. ومع ذلك فالكردي ليس متدينا بصورة مطلقة فقد اتفق الرحالة بآرائهم على كونه يؤمن بالخرافات ويبدو ذلك جليا من خلال المعتقدات الخرافية المنتشرة باستعمال التعاويذ والطلاسم والحجب بشكل عام وبالاعمال السحرية والطقوس والعادات الغريبة التي تشير اليها المراجع بأنها حية وسائدة في الاديان الوثنية. وعن الادب يشير الباحث الفرنسي في الفصل العاشر الى الادب بأن اصل الادب الكردي لا يزال يبدو غامضا وغير واضح حيث لم يكن بامكان المؤرخين دائما تحديد عصور بعض الشعراء بشكل عام حيث يعمد المؤرخون الاكراد الى الماضي البعيد في تاريخ الانتاج الفكري والتي لا يمكن لعلم التاريخ ان يثبتها دائما. وينهي البورفيسور الفرنسي «توماس بوا» كتابه «تاريخ الاكراد» مشيرا الى القومية الكردية معتبرا ان الاكراد شغوفون جدا بقوميتهم كغيرهم من الشعوب واقعا في خطأ مقارنة مشاعر الاكراد بالقومية العربية ذات الاصالة والعمق التاريخي مؤكدا في الوقت نفسه ان الاحساس بالترابط الوثيق الذي يضمن حقيقة الانتماء والمواطنة الكردية يجب ان يؤدي الى حل منصف وعادل لمشكلة الاكراد في تركيا وايران والعراق. غزوان عمر