في السبعينيات واوائل الثمانينيات برزت على الساحة ظاهرة المسرح السياسي، وذلك في اطار الاحتفاء الصاخب والدعاية لافكار وشخصيات وسياسات واحزاب معينة بدعاوى ايديولوجية صارمة. المؤلف الذي استغرقته في السنوات الاخيرة الزوايا السياسية التي دأب على نشرها اسبوعيا وباستمرار في جريدة الاسبوع الادبي يشجب ظاهرة المسرح السياسي! مفرقا بين الالتزام كاختيار تقرره الارادة الانسانية الواعية وبين الالزام الذي هو اكراه يفرضه الآخر، او تفرضه الظروف المحيطة. الالتزام يعني ان يوضع الابداع في خدمة الانسان والمجتمع، اذ لا يمكن ان نفصل المعرفة عن غاياتها واهدافها الانسانية المتصلة بالحياة. وتعود اليوم اهمية هذه الافكار وهذا الكتاب الى الساحة من جديد في عصر تشهد فيه البشرية والعالمين العربي والاسلامي تحولات جذرية وصراعات دامية لا يمكن للمبدع ان يقف امامها متفرجا بارد الاعصاب مناديا بمقولة الفن للفن. ويستشهد المؤلف بقول ابن خلدون في مقدمته: «من آثر العرفان للعرفان فقد قال بالثاني» اي اشرك بالله. ومن هذه النقطة لا من مقولة الفن للفن او المعرفة للمعرفة ينطلق الباحث في كتابه «سياسة في المسرح» ومنها ايضا ينطلق الى ظاهرة المسرح السياسي، وهو في رأيه يعني شيئا آخر غير المسرح، انه مجرد عمل اعلامي، والمسرح لا يمكن ان يكون اعلاميا، هذا شيء وارتباط السياسة بالمسرح والتاريخ شيء آخر فهو مستمر وقديم قدم المسرح نفسه ويستشهد علي ذلك بنصوص المسرح الفرعوني ايزيس واوزوريس، وحورس، وعند اسخيليوس في مسرحية سبعة ضد طيبة، وعند سوفو كل في اوديب وانتيجون، وفي نتاج يوربيدوس وارسطوفان، ولدى كتاب آخرين. وهكذا فالفن والادب يرسخان عملا ثقافيا جوهريا يبني الانسان والحياة. يقع الكتاب في 420 صفحة وقد تحدث في الفصل الاول عن مسرح ما قبل الميلاد. البدايات. المسرح اليوناني. المسرح الروماني، وفي الباب الثاني القى الاضواء على مسرح العصور الوسطى وعصر النهضة. ثم توسع في الباب الثالث فتحدث عن المسرح الحديث والمعاصر، ورأى ان المسرح في هذه الفترة ابتعد عن ان يكون سجلا للانفعال السياسي المباشر. كما قدم في هذا الكتاب دراسات عن بعض مشاهير الكتاب وعن عصرهم ونتاجهم ومنهجه في ذلك يقوم على ما يلي: 1 ـ مقدمة عن حياة الكاتب وعصره وموقعه في الوسط الفني والادبي المحيط. هذه المقدمة مشاكلة للشخصية التي يترجمها، ففي حديثه عن سوفو كل يعتمد السرد التقليدي لحياته والاحداث التي مر بها. وفي حديثه عن لوركا يتحدث عن اللغة الشاعرية المرهفة. 2 ـ ابراز السمات العامة لمسرح الكاتب الذي يترجم له، من ذلك قوله: ان سوفو كل لا يعتمد الافتعال في الحبكة المسرحية، فكل حوادث مسرحياته نابعة من شخصياته، فهو يعنى اولا برسم الشخصية رسما جيدا ولا يزيد على ذلك شيئا سوى ان يجعل الشخصية تتحرك بدافع من تكوينها. ويقول في مسرح لوركا: في عالم لوركا تعبق الغريزة برائحة الدن ويمتزج الدم برائحة الليمون. لقد استقى لوركا صوره وموضوعات مسرحياته من واقع الريف الاسباني ومن جماعة الغجر الذين يرتبطون بالبدائية وبالغريزة المتفجرة. 3 ـ عرض النتاجات المسرحية لهؤلاء الكتاب وتلخيص احداثها، ودراسة وتحليل بنية النص المسرحي بعين مخرج وناقد خبير، ومن المعروف ان عرسان بدأ مخرجا ثم مؤلفا وباحثا، ومن اهم المسرحيات التي اخرجها للمسرح القومي بدمشق مسرحية الاشجار تموت واقفة للكاتب الاسباني اليخاندرو كاسونا. 4 ـ التماس نقاط ظهور السياسة في هذه النتاجات من خلال عرض القيم والمضامين والمدلولات، تاركا للقاريء اكتشافها، وكلمة سياسة لا تعني لديه ذلك المدلول الضيق «الحاكمية والمواقف منها» وانما تعني مدلولا اوسع يتداخل فيه الاجتماعي بالسياسي بالفكري. يقول في اوديب: رأيت في أوديب حاكما مستقلا في حكمه عن سيطرة معبد دلف، وحاول ان يستخدم نور عقله فشكل ذلك خطرا على الكهانة التي تعيش في ظلام الخرافة والنبوءة والغيب وتسيطر باسم ذلك كله. ويقول عن دور كهان معبد دلف: كانوا محرك السيطرة الاستعمارية اليونانية في العالم القديم، وكانوا سدنة الذهب وخزنته بالنسبة لحلف ديلوس الذي تزعمته اثينا ضد حلف البيلبونيز. يكون التحليل اعمق لو ان المؤلف مادامت السياسة في المسرح موضوعه مقاربة بين الكهانة الدينية في العهد اليوناني وبين الكهانة المصرفية العالمية في العصر الحاضر والتي تتحكم اليوم بالحروب وجوع الشعوب. ويقول في حديثه عن يوجين اونيل المسرحي: تنهض فلسفة اونيل على ايمانه بان الانسان حر في الاختيار، وانه يستطيع ان يتحكم في مصيره، وان شر البلاء الذي يصيب النفس واساس مصائبها لا يأتي من الخارج. وفي تناوله لمسرحية اعمدة المجتمع لإبسن يقول: في اعمدة المجتمع هاجم اونيل المصلحية والانانية وكشف القناع عن وجوه السادة الذين يدعون انهم يبنون ويعملون لصالحه وما هم في الواقع الا نفعيون لاتهمهم الا ذواتهم. وهكذا يريد المؤلف ان يقول ان السياسة تدخل في صلب الموضوعات وسلوك الشخصيات التي تناولها الكتاب المسرحيون على امتداد تاريخ المسرح انها سياسة وليست اعلاما كالذي تقوم عليه بدعة المسرح السياسي. عبد الفتاح رواس قلعة جي