عثر على هذا الكتاب بين مسودات العلامة العراقي محمود شكري الالوسي وأوراقه، وكان يظن بأنه ضاع مع الكثير من آثار المؤلف يوم نفي عن بغداد جزاء دعوته الى الاصلاح والتحرر من اغلال التقليد الاعمى، كما يقول المحقق، وقد عثر على هذه المسودة ناقصة غير تامة، وفيما هو جاد في الاستنساخ خطر له ان يعيد البحث والتنقيب في اوراق المؤلف فوجد في اواخر مسودة الجزء الاول من كتابه «تاريخ بغداد» فصولا من القبائل الساكنة اليوم في نجد، وامراء نجد وذكر انسابهم وسائر احوالهم ومكاتبات امراء نجد من آل سعود وبعض من اشتهر من علماء نجد الاعلام وما حدث معهم، فالحقها بالكتاب تلافيا للنقص الحاصل فيه، وليكون من اول المؤلفات التي كتبت عن ديار نجد. ولفظ نجد في اللغة العربية: ما ارتفع من الارض وما خلف الغور، اي تهامة: فأعلى نجد تهامة واليمن واسفله العراق والشام، وأوله من جهة الحجاز ذات عرق، فهو بين تهامة واليمن والعراق والشام والحجاز وهي من احسن اقطار الارض العربية واعدلها مزاجا وارقها هواء واعذبها ماء واخصبها ارضا وانبتها ازهاراً ونباتاً، اوديته كالرياض واغواره كالحياض، ولم يزل الشعراء قديما وحديثا يترنمون بذكره ويلهجون بوصف بلاده واقطاره ويعطرون الاندية بنشر خزاماه وعطره. ويورد الالوسي ما قاله فيها الاموي في نجدياته ثم ينتقل الى القرى والبلاد التي اشتملت عليها وما فيها من قفار شاسعة وصحاري ويفصل في الاماكن المحيطة بجبلي اجا وسلمى الى القصيم وبريدة وقرى الوادي وناحية السدير والوشم والمحمل والعارض الى الرياض والخرج والافلاج ووادي الدواسر وقراه، الى العقبات فالجهة الجنوبية من نجد ويفصل القول في الاحساء، وفي اخلاق اهل نجد وشمائلهم يقول الالوسي، انها اخلاق العرب المحمودة وهي: الوفاء والغيرة وصيانة العرض ومحاماة الدخيل وصدق اللهجة والشجاعة والفروسية ومراعاة الحقوق والعهود والذكاء المفرد والحلم وسرعة الانتقال وحسن الخلق والخلق. وهكذا سكنة الخطة الاحسائية وجميع من جاور الارض النجدية وصورهم احسن الصور وتغلب عليهم السمرة ولغتهم افصح لغات العرب ولهجتهم احسن كل لهجة وفيهم الشعراء والادباء والظرفاء والحكماء. ثم ينتقل الى معاش اهل نجد واقواتهم، فالحضر منهم يعيشون من التجارة والحرب والنخيل والبقر والغنم والزراعة والصنائع واقواتهم السمن والبان البقر والغنم والحنطة والشعير والارز والذرة والسمسم ونحو ذلك، وغالب قوتهم التمر الذي يعز مثله في البلاد. اما اهل البوادي فمعاشهم من الغنم والبقر والابل واكل لحومها وشرب البانها وغالب معاشهم على اليرابيع والارانب ونحو ذلك، ولهم رغبة في شراب البن وهم يحسنون عمله ويجيدونه كل الاجادة. وأهل نجد الحضريون لباسهم الثياب والاقبية والعباءة، واهل العلم منهم يلبسون في رؤوسهم العمائم المحنكة، وسائر الناس يلبسون «العقل» فوق شملة، وفي ارجلهم النعال ويحملون العصي بأيديهم ويتطيبون بأحسن الطيب كالمسك والعنبر، والزي المذكور ليس من خصائص اهل نجد بل مثلهم في ذلك سكنة الاحساء وعمان بل وسائر العرب. ثم ينتقل المؤلف الى دين اهل نجد ومعتقداتهم واعمالهم، فهم مسلمون موحدون، هم وجميع سكنة جزيرة العرب، قد دخلوا الاسلام في العصر الاول عند ظهور انوار الشريعة الغراء، ثم يسرد تاريخ المنطقة بدءا من هذا التاريخ الى ساعة تحرير هذا الكتاب، زمن الدولة العلية ـ العثمانية، ويعرج على القبائل الساكنة في نجد وبطونها، فكانت منها «مطير والعجمان وآل مرة وآل عتيبة وقحطان والسهول والدواسر وبنو خالد وحرب»، وعن عرب عمان يقول: «هم قبائل كثيرة منهم المناصير، وتميم، واسعد، وشهران، وزبيد وبعض من يام وكلهم من قحطان ويتفرع من كل هؤلاء بطون كثيرة، وعرب جزيرة البحرين والقطيف وهجر من ربيعة وغيرهم. بعد ذلك يذكر امراء نجد ونسبهم وسائر احوالهم في الحرب والسلم الى ان ينتهي بأمراء آل سعود وحكمهم لمنطقة نجد وسائر المملكة السعودية، ويمكن ان نوجز ما جاء في الكتاب بتعريف المحقق له: «كتاب تكفل بشرح اطوار هذا الشعب العربي الصميم وادارته واخلاقه وعاداته وبيان خطط بلاده القديمة والحديثة وما حدث فيها من الحروب والانقلابات.. كل ذلك بعبارة وجيزة واسلوب سلس سائغ المشرب، تفهمه العامة ولا تنكره الخاصة، هذا عدا ما جاء فيه استطرادا من الاشعار الرائقة وبعض الفصول التاريخية والمناظرات العلمية، وكشف حقيقة بعض البلاد المجاورة تصريحا او تلويحا. فيصل خرتش