عرفنا عبدالرحن منيف بالدرجة الاولى كاتبا روائيا ولعل معظم القراء قرأوا له ارض السواد، والاشجار واغتيال مرزوق، ومدن الملح، وشرق المتوسط، وقصة حب مجوسية. وغيرها من الروايات، لكن القليل من القراء اطلعوا على نتاجه البحثي والدراسات التي انجزها، وهو احد اهم مفكري امتنا العربية في النصف الثاني من القرن المنصرم وكتاب اليوم «رحلة ضوء» في مجمله يثير اسئلة لم يحاول منيف ان يسجل اجاباته بقدر ما يحث القاريء على التفكير والوصول الى حال ما، او الى اجوبة ما قد تقود هي الاخرى الى اسئلة جديدة، ان امام الانسان العربي اليوم من التحولات الحرجة ما تعرضه الى منزلقات خطيرة دون الحصول على وعي يؤهله لمجابهة هذه التحولات او المنزلقات. ورحلة ضوء بحث في الرواية العربية، وهو لا ينفصل عن التوجه الفكري العام في اطار المخصوص ذلك لان الرواية هي انعكاس زمنها ومجتمعها وتنبع من هموم المجتمع وصراعاته واماله، وازاء كل ذلك فكيف يمكن ان تكون هذه الرواية في لغتها، في موضوعاتها، في فكرها. تواجه الرواية العربية مجموعة من التحديات التي بقدر النجاح في مواجهتها يكون النجاح في ابداع رواية عربية لها حضورها العالمي، ابرز هذه التحديات: لغة الحوار، اي لغة تختار؟ والشخصية، كيف يتم اختيارها، كيف سنحيا ونموت؟ ان الشخصية في الرواية لا تتلخص بالانسان البطل، بل وايضا بالطبيعة والحيوان، وهي ما ان تبدأ خطواتها في الرواية حتى تصبح حيه، وتحكم على سلوكها وخياراتها. في القسم الاول من كتاب عبدالرحمن منيف «رحلة ضوء» والذي عنوانه ضوء على الرواية، نقرأ عن مفهوم البطولة في الرواية العربية، وهو تحليل دقيق عن طبيعة هذه الشخصية التي بدأت مع الرواية الاولى والتي كانت من روايات المغامرات، وقد تابع الباحث منيف التغيرات التي طرأت على البطل في الرواية العربية من بداياتها حتى ما وصلت اليه حاليا. في كثير من الروايات يمكن لكل شخص وربما لكل شيء ان يكون بطلا، ولا بد من الحرص على هذه البطولات الصغيرة، التي تشكل في النهاية البطولة الجديرة بالاحترام والتأمل، حتى من كانوا ابطالا بالمفهوم السائد للبطولة، لم يكونوا اكثر حضورا وبالتالي اكثر نيلا من الذين مروا بهدوء وتواضع. ثم ينتقل بنا عبدالرحمن منيف الى لغة الحوار في الرواية العربية، ومن ثم المدينة في الرواية العربية، وننتقل معه الى الشخصية في الرواية .. هل هي حياة ام قناع؟ وهو يحاول في هذا العنوان ان يفهم القاريء اهمية الشخصية الروائية حتى ولو كانت من نسيج خلقه الكاتب، او ان لها جذرا واقعيا في الحياة، وهي جزء من تراكمات يضعها الكاتب لتشكل في النهاية شكل وروح هذه الشخصيات التي تتصارع على الورق كما في الحياة. تكون الشخصية الروائية في البداية اقرب الى الرغبة المبهمة التي يراد الوصول اليها ولذلك فانها في ذهن الروائي بمثابة نية او اتجاه، وباعتبار ان الرواية، وتاليا الشخصية الروائية لا تمتثل دائما للرغبات، ولا تنهض على النوايا، وغالبا ما يكون الاتجاه الاولي محددا تبعا للاتجاهات الاربعة او حسب قطبي الشمال والجنوب فان هذا يقتضي مراجعة مستمرة، وتعديلا دائما لاتجاه السير، تماما كما يحصل اثناء ارتقاء المرتفعات. وفي اطار الشخصية ينتقل الى سؤال جدير بالاجابة يتحدد في العلاقة بين السيرة الذاتية والرواية، او كيف يمكن ان نوظف التاريخ كمادة اساسية للرواية ، خاصة وان التاريخ قد يكون قاسما مشتركا لروايات كثيرة وهو اكثر الموضوعات عرضه للتزوير والتحريف، خاصة وان التاريخ لا يكتبه الا المنتصرون، او اصحاب السلطة والنفوذ، وبالنتيجة فانهم سيكتبونه لصالحهم، وازاء كل هذه المتداخلات والمتناقضات يأتي دور الكاتب الروائي واستغلاله للتاريخ وقدرته على الاختيار والتوظيف والبحث عن الحقائق. صحيح ان التاريخ يفتح ابوابه للروائي، لكنه يفعل ذلك بمكر كبير، اذ بمقدار ما تكون المادة التاريخية متاحة، وفي بعض الاحيان مطواعة، الا ان الاهمية، وبالتالي النتيجة، تتوقفان على الطريقه التي يتعامل بها الروائي مع هذه المادة. وفي القسم الثاني يلقي عبدالرحمن منيف الضوء على التاريخ او نسافر معه عبر التاريخ من خلال الصورة، ثم نعيش مع سير المدن، ومتعتها، والزوايا التي يمكن ان ننظر منها الى وجوه المدينة المتعددة، وحينها تتعدد القراءات لأوجه المدينة، وعلاقات الانسان بالمكان الذي هو المدينة، ويسافر بنا منيف بعد ذلك في رحلته مع سيرالاعلام واهمية هذه السير، وضرورة تسجيلها باناقة دقيقة دون تهويل، وتقزيم. لذلك يجب ان تتحدد اهمية ونزاهة ومعرفة كاتب السيرة، لتتضح على ضوء ذلك اهمية ما يقول كما يجب ان تؤخذ بعين الاعتبار الظروف والعوامل المحيطة والموقع الذي يكون فيه كاتب السيرة سواء وقت الكتابة او قبل ذلك، لنعرف او نقدر العوامل الاساسية والطارئة، وماهو الدافع لما يقوله الآن ولما قاله في وقت سابق وكيف قاله؟ ولماذا؟ اما السفر الاخر في هذه الرحلة فمع رؤى متعددة الزوايا يحاول عبدالرحمن منيف جمعها وتحليلها ومتابعتها، واهم هذه الرؤى موضوع كتابة اليوميات ومالها من اثر في ذاكرة الانسان الروائية خاصة اولئك الرحالة الذين جعلوا من يومياتهم مرجعا علميا يعود اليه الباحثون، وكذلك الرسائل واليوميات التي تتعلق بالحياة الاجتماعية، وفي ختام هذا القسم نقرأ تفاصيل مقابلة اجراها الدكتور فيصل دراج مع عبدالرحمن منيف لمجلة الكرمل عام 2000، يضع فيها منيف العديد من ارائه الشخصية ووجهات نظره، وابعاده السياسية، ورواه الابداعية، ووجهات نظر مختلفة اخرى تتعلق بالادب والنقد. الرواية الجديدة قطعة من الحياة، واي تلخيص لها او وضعها في خانة يفقرها، وربما يقتلها، وهذا ما اشرت اليه في البداية حول دور النقد الجدي ومحاولة تصويب القراءات الفقيرة او ذات الاتجاه الواحد. الضوء الاخير يسلطه على التحولات، ويبدأ من الزمن الذهبي للكتابه، وينتقل الى المخطوطات العربية في الخارج، ويستفيد من الاستشراق وزمن المخطوطات واهميتها، الى جانب القضايا الاساسية الاخرى السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ان ما قدمه المستشرقون الروس عن المنطقة وعن الادب العربي القديم منه والجديد، بالغ الغزارة والأهمية بوجه عام وان كان الاعتبار السياسي وراء بعض المواقف او الاختيارات خاصة في العقود الاخيرة لكن التقييم الاجمالي لهذا الجهد ثم للنتائج يدرج في خانة ايجابية. ثم ينتقل الباحث الى سلطة التلفزيون، ويبدأ من الخطوة الاولى والعلاقة بين الكتاب والتلفزيون، ولذا يضطر الباحث الى العودة الى تاريخ الطباعة، واهمية ثمراتها، ثم التلفزيون واثره في حياة الامم واختراقه لوحدة العائلة، ووصوله الى مواضع عديدة داخل البيت بل وغرف النوم والمطبخ والسيارة الآن، وليس الخطورة في وصوله الى هذه الاماكن بقدر ما تتحكم هذه الخطورة في العلاقات الاجتماعية ومجموعة القيم من خلال ما تطرحه هذه التلفزيونات. لقد تحول التلفزيون في احيان كثيرة الى اداة للجلد والاستعباد، وايضا اداة تجهيل اذ بالاضافة الى البرامج اليومية الموجهة، والتي تحمل ذات الافكار والكلمات، فان ساعات البث الطويلة المتواصلة، والمتضمنة مواد تافهة مكررة، ومتابعها حالة الزامية اوما يشبه ذلك، فعندئذ يصبح التلفزيون وسيلة للتيئيس وتأكد ذلك اكثر حتى لا يملك المتلقي خيارات اخرى، كالكتاب او المسرح الجاد، او حين تكون كلفتهما عالية ولا يطيق احتمالها. اما الصفحات الاخيرة من هذا البحث القيم فقد خصصها لشخصية البشر وتحولاتهم، من خلال قراءة في كتاب التحولات في الشخصية المصرية. عبدالاله عبدالقادر