في بداية الأربعينيات كانت مصر في قلب أمواج متلاطمة لا شطآن على المدى القريب فالحرب العالمية الثانية تطحن أوروبا وتعلقت آمال المصريين في الاستقلال بهذه الحرب ونتائجها وكان عليها أن تتحمل وتشرب المر لتصل لشاطئ الأمان كان على الحركة الوطنية أن تكمن إلى أجل غير معروف، وأن يتحمل الشعب ضريبة الحرب بحكم تواجد الإنجليز على أراضيه وكان المد التنويري لأفكار طه حسين، وقاسم أمين، والشيخ محمد عبده، والأفغاني، والعقاد، ومحمد مندور، يحاول صياغة واقع مصري جديد، كان يحبو ويقفز كطفل أو يحلق ويخوض معارك كنسر يتعثر في معركة وينجح في أخرى فلم يصل المجتمع لسن الرشد وظلت الأفكار القديمة كما هي مع مزيج من اللغط، صورة الفن لم يطرأ عليها جديد الكل يعشق صوت أم كلثوم وأغاني عبد الوهاب وأفلامه والمسرح ودور السينما على قائمة الأسر الأرستقراطية وأبناء الطبقة المتوسطة الحالمين ولكنهم يرون الفنان مشخصاتي ويهاجمون أبناء الناس الذين يحترفون الفن والعائلة التي يمثل أحد أولادها تصاب بالعار. وفي بداية الأربعينيات وصل عشق التمثيل لدى ليلى فوزي لذروته ما جعلها متمردة وناقمة لكن في حدود العائلة ولأنها فتاة لم تكن تمتلك أدنى حيلة سوى إقناع والدها الذي أعلن موقفا حازما ونهائيا باستحالة ذلك.وكما تشير الحكمة اللاتينية :إذا أردت شيئا بإخلاص فإن الدنيا تتآمر لتحقق لك ما تريد وهذا ما حدث لليلى فوزي فتؤكد على ايمانها الشديد بهذة الحكمة، أمام غرامها المتأجج للتمثيل والذي تآمرت الحوادث لتجعلها فنانة فوالدها قرر التوسع في تجارة الأقمشة وذلك بإنشاء مصنع نسيج بالقاهرة واشترى قطعة أرض مناسبة ثم أرسل من يشتري له ماكينات للمصنع من ألمانيا وحول له الجزء الكبير من ثروته. ولكن الحرب العالمية الثانية اعلنت سريعا فضاعت ثروته واختفى هذا الشخص ووجد نفسه يشهر إفلاسه بعد أن تقلصت تجارته ليكتفي بمحل الأقمشة بعد نفقات الأسرة ولم ييأس الأب . ولكنه تغير صار همه الحياة اليومية أن يعيش مستورا وأسرته واختفى البيانو من المنزل الضخم بعد أن انتقلت الأسرة لشقة متواضعة. تقول ليلى فوزي كانت هذه الأزمة قاسية لأسرتنا ولم ينقذنا منها سوى ثبات والدي وقوة شخصيته فهو كان يعتقد بأن المال يأتي ويذهب ولا قيمة له سوى أن يسد احتياجات الإنسان . وخرج من الأزمة قويا . لكنه لم يكن يملك أن يتوسع ثانية فالحرب أصابت التجارة بالركود وبسبب التزامه الشديد نجح في إدارة بيتنا بنفس المستوى السابق ولكن بتكاليف أقل. وهذا الكساد الاقتصادي الذي عاشته مصر خلق وقت فراغ كبيرا في حياة الوالد فعادت صداقاته الحميمة وتوطدت وكان من بين هذه الصداقات علاقته بالمخرج جمال مدكور الذي كان والده صديقا لوالد ليلى فوزي ولديه محلات أقمشة بالموسكي وكذلك بالريجسير قاسم وجدي وحسني نجيب أحد البارزين في أستديو مصر وهؤلاء كان لهم دور كبير في إقناعه بعمل ليلى فوزي بالفن ولكن بعد تحايل وجدال طويل. وكانت ليلى فوزي قد فازت في ذلك الوقت في مسابقة أجمل طالبة بين طالبات مدرستها وظهرت صورتها على غلاف إحدى المجلات الفنية. وأوعزت لها صديقة للأسرة بأن تذهب إلى قاسم وجدي الريجستير وهو صديق والدها ليساعدها في دخول الفن عن ذلك تقول ليلي فوزي: لم استطع النوم يومين متتالين لا أعرف ماذا أفعل هل أنفذ نصيحة صديقة العائلة أم أهملها، فأنا أحب التمثيل ولكني أخاف من غضب والدي وقررت أن أذهب له مهما حدث وعندما ذهبت لمكتبه في شارع عرابي لم يكن يعرفني شخصياً ولما شاهدني لم يصدق جمالي وعندما عرف أنني ابنة صديقه محمد فوزي وأنني أريد التمثيل قال لي: لا تخافي إن شاء الله ستكوني ممثلة. لم تكن ليلى تجاوزت الثالثة عشرة من عمرها وكانت صدمة الأب قاسية عندما وجد صديقه قاسم وجدي يفاتحه في زيارة ليلى لمكتبه ورغبتها في التمثيل ويؤكد له إنها تصلح نجمة سينمائية فانفعل جداً وعاد للمنزل مبكرا ليتحول البيت ومن فيه إلى مأتم طيلة أسبوعين الأم منفعلة ومتوترة وتردد: كيف لابنتها أن تصير ممثلة وهي من سلالة تركية أصيلة والأب يقسم ويتوعد بأن هذا لن يحدث طيلة حياته وليلى تحولت إلى أرنب مذعور شعر بأنه وقع في الفخ وتقول ليلى فوزي: عرفت من والدي بعد ذلك بأعوام أنه في اليوم الثاني عندما جلس مع قاسم وجدي وجمال مدكور أراد قاسم وجدي يعتذر له لكن والدي خفف عليه وأخذ الموضوع على أنه هزار وقال له: البنت في المدرسة وطفلة .. سينما إيه اللي بتتكلم عنها وأراد أن يغير الحديث في هذا الموضوع فبدأ الاثنان يحدثانه عن التمثيل وقيمته وأهميته وأخذا يلحان عليه في ضرورة عملي بالفن وكان يقول لهما: دي خجولة ولا يمكن ان تقف أمام الكاميرا فردا عليه: هذه سهلة نأخذها ونضعها أمام الكاميرا وأنت معنا ونرى ماذا سيحدث وظلا وراءه حتى اقتنع ووافق على مضض على أن يكون الموضوع على سبيل التجربة. في هذه الإثناء استطاع قاسم وجدي أن يحصل لليلى فوزي على دور صغير في فيلم «مصنع الزوجات» مع المخرج نيازي مصطفى وكانت بطلة الفيلم زوجته كوكا ومحمود ذو الفقار وثريا حلمي . وتقول ليلى فوزي: ذهبت إلى ألاستوديو مع والدي . وكنت خائفة جداً فوالدي اشترط عدم ظهور اسمي الحقيقي في الفيلم واقترح أن يكون أسمي ليلى رضا حتى لا تعرف العائلة التركية أن ابنة التاجر الكبير تعمل مشخصاتية . وبيني وبين نفسي كان يجب أن أنجح حتى أقنع والدي بالاستمرار ولم أجد صعوبة في ذلك لأن دوري كان لتلميذة في المدرسة تتحدث ثلاث جمل مع محمود ذو الفقار وكان الحظ معي أيضا ليتحقق استمرار التجربة فأثناء وجودي في أستوديو مصر لتصوير هذا الفيلم شاهدني المخرج محمد كريم وكان يحضر لفيلم ممنوع الحب فسأل عني وأتى لي وقال: إيه رأيك تمثلي معي في فيلم جديد لمحمد عبد الوهاب فقلت له: كلم بابا ووافق والدي حيث ذهبنا إلى مكتبه في شارع عرابي بشركة كايرو فون وكان محمد عبد الوهاب موجودا ووقعوا معي عقدا لثلاثة أفلام بشكل أدهش والدي ومحمد عبد الوهاب نفسه. واقتنع الأب بالتمثيل بما شاهده من وقائع لكن الأمور سارت على عكس ما يريد فقد عرفت العائلة بتمثيل ليلى فاندفع أحد رجال العائلة وطلق زوجته بسبب هذا الأمر لكن عجلة السينما دارت ولم يكن هناك مفر من استمرار ليلى فحصل لها قاسم وجدي على دور جديد في فيلم «محطة الأنس» مع المخرج عبد الفتاح حسن وأمام عقيلة راتب وعلي الكسار . وظهرت ليلى في هذا الفيلم أيضا باسم ليلى رضا . وما أن انتهت من تصوير هذا الفيلم حتى بدأت تصوير أهم فيلم في بدايتها وسبب شهرتها وهو «ممنوع الحب» أمام محمد عبد الوهاب ومع المخرج محمد كريم وكانت التجربة كبيرة بالنسبة لسن ليلى فوزي فكان التوقيت في عام 1942 ولم تكن تجاوزت الرابعة عشرة من عمرها ومطلوب منها أن تقف أمام الفنان محمد عبد الوهاب الذي تعشق أغانيه وتهاب عند سماع أسمه فقط وكان محمد كريم يشعر بهذا فقرر صناعتها كممثلة. وبدأ محمد كريم في صناعة ليلى فوزي بإسمها فأعاد لها إسمها الحقيقى وتقولى ليلى : في أول مقابلة مع المخرج محمد كريم سألني هل اسمك حقيقي يقصد ليلى رضا فقلت له: لا. فقال: ما اسمك الحقيقى ؟ فقلت: ليلى محمد فوزي فقال: الأن اسمك ليلى فوزي فهو أوقع وأجمل وكان والدي جالساً ولم يعترض وبعدها قام محمد كريم بتغيير شكلها تماما. وتقول ليلى فوزي: كان طولي وشكلي الجسماني يخدعان من يراني وفي أول يوم تصوير قص لي محمد كريم ضفائري . وأمرهم بشراء ملابس تليق بسيدة في العقد الثالث من عمرها لتكون خالة رجاء عبده ثم سلمني للماكيير والكوافير لينفذوا التصوير في ملامح الشخصية ثم أخذ يعلمني تدخين السجائر لأقدم عددا من المشاهد التي أدخن فيها . وقبل التصوير كنت خائفة جداً وعندما عرفت بحضور محمد عبد الوهاب خفت جداً فجلست في ركن بعيد ورمقني محمد كريم وعرف بمشكلتي فأحضر محمد عبد الوهاب أمامي وقال له : اجلس معها وكلمها لأنها خجولة وخائفة منك ويجب أن تكسر الحاجز النفسي بينكما لتمثل أمامك بجد وجلس إلى جواري محمد عبد الوهاب وأنا لا أصدق نفسي وأخذ يكلمني وأنا لا أسمعه شيئا فشيئا حتى عاد لي الهدوء وذهب الخجل وبدأت أبادله الحديث حتى وقفت أمام الكاميرا بثبات لأؤدي ما يطلبه مني محمد كريم . وعندما عرض فيلم ممنوع الحب في سينما استديو مصر في 23 فبراير 1942م نجح بشكل كبير وكان إعلانا عن ميلاد نجمة سينمائية يحسدها الجميع على هذه التجربة. حلقات يكتبها: محمد سليمان