تعد مدينة حلب من أكثر المدن العربية حظوة في التاريخ، فقد لاحظت جماعة من المؤرخين اهمية المدينة فتسابقوا إلى تدوين تاريخها وتسجيل معالمها ورصد اعمالها وعلمائها، بدءًا من القرن الخامس الهجري. ومن حسن الحظ ان أغلب هؤلاء المؤرخين كانوا يشيرون في مقدماتهم إلى ما فعل الأسبقون، وان كانت بعض هذه الكتب قد فقدت مؤلف كتاب «معادن الذهب» وهو «أبو الوفاء بن عمر العرضي الشافعي الحلبي» الذي ولد سنة ثلاث وتسعين وتسعمئة للهجرة في حلب، حيث نشأ في جو علمي يحيط به العلم من كل جانب، وكانت قريته «عرض» منبع كثير من العلماء، كما كانت أسرته ذات شهرة مرموقة، كان أبوه أول شيوخه، كما استفاد من العلماء الذين يفدون على «دار القرآن» التي نشأ فيها في كنف أبيه، وطالع كذلك على بعض أعيان عصره، كما خرج عدداً من التلاميذ برهانا على كفاءته العلمية وشهرته التعليمية كما كان شاعراً أغلب شعره في التصوف والغزل ، كتاب «معادن الذهب» كان مطمح الباحثين الحريصين على رؤية هذه الحلقات الأدبية المتصلة، ولا سيما في حقبة غامضة، وقد نهل من هذا الكتاب علماء العصر العثماني وعصر النهضة. يضم الكتاب أصلاً تراجم للاعلام الذين وجدوا في «حلب» وشمل ستاً وسبعين ترجمة رئيسية، أكثرهم ممن لقبهم ودرس معهم، أو درسهم أو تتلمذوا على أبيه الشيخ عمر، وسبق ذلك بمقدمة عن أهمية التاريخ والتراجم. ولم يكن هؤلاء الأعلام علماء كلهم، فهناك الأعيان والوزراء والشعراء والصوفيون والمفتون، وكثيرا ما كان يعرج على أخباره وأخبار والده وجده، وكلهم ممن عاصرهم أو عاصر من عاصرهم، ولا شك انه أفاد من كتاب لأبيه جمع فيه تراجم الأعلام. وقد رتّب المؤلف كتابه «معادن الذهب» على الأحرف الهجائية معتنياً بالحرف الأول دون الثاني. أما خطته في الترجمة فإنه بعد ان يذكر اسم العلم ونسبه يقدم ديباجة يبرز فيها قدرة هذا العلم الثقافية واللغوية مستخدماً السجع والجناس والتورية، ثم يعود إلى الأسلوب السهل الواضح. وهو في ديباجته يلخص مقام الرجل واختصاصه واتجاهه بايجاز شديد، ثم يعود إلى الاسهاب، إذ يعرف بموطن العلم وشيوخه، والكتب التي قرأها، وعلى من ومدى اتصاله بالباب العالي أو بالباشا ومدى شعبيته. وقد سجل العرضي في مقدمته أنه جعل هدف كتابه، ان يكون ذيلاً «لدر الحبب» لابن الحنبلي استاذ أبيه، وكان المؤلف حريصاً على ذكر وفاة الرجل في آخر الكلام. ولما كان المؤلف كتب كتابه وأنهاه ونقل الناسخ منه سنة 1058هـ فإن أعلى سنة مرت بنا كانت سنة 1057ه. ويزخر الكتاب اضافة إلى كل ذلك بكثير من المعالم الهامة في «حلب» دل وجدوها آنئذ على معرفة تاريخها، وكثير من هذه المعالم ما زال ماثلاً إلى اليوم، كبعض الاحياء والأبواب والمقابر والمساجد والتكايا كما انه اضاء لنا بعض العادات الاجتماعية التي كانت في ذلك الوقت كالطعام واللباس والاحتفالات والاعتقادات الشعبية. كما انه يذكر كتباً كثيرة لم تعد موجودة الآن، كما يرى قارئ الكتاب ان بعض الأعلام غير معروف، أو ان ذكره جاء ناقصاً، ولأن الناسخ لم يكن دقيقاً فسجل بعض الأبيات المكسورة. وقد جاءت النسخة الوحيدة بخط واضح وهي بخط الناسخ «أحمد الحموي» الذي انجز عمله سنة 1058ه، وكانت المقدمة دليلاً عملياً واضحاً للكتاب. إعداد ـ محمد سطام الفهد