يعمل مؤلف هذا الكتاب استاذا لمادة التاريخ اليوناني القديم في العديد من الجامعات الامريكية، سبق له وقدم العديد من المساهمات والدراسات في الدوريات المختصة، هذا فضلا عن عدة كتب خص بها الحضارة اليونانية بالدراسة. يعود المؤلف في هذا الكتاب الجديد «الاسكندرية مدينة الفكر الغربي» الى بدايات انشاء المدينة. ويعتمد على كتابات للمؤرخ اليوناني «ديودور الصقلي» الذي كتب في القرن الأول قبل الميلاد بأن الاسكندر الاكبر عندما دخل الى مصر عام 332 قبل الميلاد وقرر انشاء ميناء الاسكندرية في موقع يقع بين بحيرة مريوط والبحر، حيث كان يأوي الصيادون والقراصنة. لقد أعطى الاسكندر أوامره ببناء مدينة كبيرة شارك هو نفسه في تخطيط شوارعها وأراد ان تحمل اسمه. ويرى مؤلف هذا الكتاب بأن الاسكندر كان قد أراد ان ينشيء عاصمة جديدة لمصر، كما تكون في الوقت نفسه تجسيدا لحلمه. وقد بدأ هذا عبر التأثر الكبير على صعيد العمران والبناء بالحضارة الغربية، ثم تعزز دور الاسكندرية خلال قرن من الزمن لتصبح في النهاية أكبر من قرطاجة، بل وأعظم من روما.. وكان قرب المدينة من اليونان وبالتالي تأثرها بالحضارة اليونانية أحد الأسباب في جعلها أحد أهم المراكز العلمية في عصرها حيث ضمّت أعظم الجامعات وعمل فيها أكبر الاساتذة والفلاسفة والعلماء، كما شهدت ترجمة «العهد القديم» الى اللغة اليونانية. وبعد ألف عام من انشاء المدينة، أصبحت المركز الثقافي والسياسي والديني لمصر ونالت شهرة كبيرة في ميدان العمارة حيث انتشرت القصور الملكية على طول ساحلها الشمالي، واشتهرت المدينة ايضا بمعابدها ومسرحها الكبير الذي ذاع صيته كثيرا في عصره، وكانت المدينة قد اتسعت بشكل كبير منذ القرن الأول الميلادي الى درجة ان المؤرخين قد أجمعوا آنذاك على انها كانت أضخم مدن العالم المتحضر وأعظمها شأنا.. وكان الجغرافي الكبير «سترابون» قد زارها وأمضى فيها عدة سنوات أمضاها في العمل بمكتبتها الشهيرة. ويتحدث المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب عن تواجد اليهود في مدينة الاسكندرية بعد وفاة الاسكندر الأكبر حيث أقاموا في الجانب الشرقي منها وأصبح وجودهم كثيفا خلال العصر الروماني حيث شغلوا اثنين من احياء المدينة الخمسة وأقاموا المعابد العديدة وعملوا، كما جرت العادة في ميادين التجارة ومختلف الحرف، كما عرف العديدون منهم حالة من الثراء الكبير حيث مارسوا التجارة وعمليات اقراض الأموال، وكان اليهود قد عرفوا خلال فترة تواجدهم الكثير من المناوشات مع مختلف الطوائف الاخرى مما أدى الى تأرجح نفوذهم بين مد وجزر. ويحظى «فنار» الاسكندرية وأحد أشهر معالمها خلال تاريخها كله باهتمام مؤلف هذا الكتاب، وكان انشاؤه قد بدأ في عصر «بطليموس سوتير» عام 290 ميلادية وانتهى في عهد ابنه. ولم يكن مبناه مجرد «فنار» وإنما أصبح وبسرعة كبيرة أحد معالم المدينة السياحية حيث كان الكثير من الزوار من مصر، ولكن ايضا من مناطق كثيرة اخرى في العالم، وإن مؤلف هذا الكتاب يسهب كثيرا في تقديم وصف تفصيلي للفنار الذي يعتبره بمثابة «أحد أعظم انجازات العقل المصري». ويشير في هذا السياق الى ان فنار الاسكندرية قد تهدم عام 1365 بفعل زلزال أرضي ثم أقام السلطان «قايتباي» مكانه قلعة كبيرة استخدم في بنائها أحجار الفنار القديم. ومن «فنار الاسكندرية» ينتقل المؤلف في فصل آخر الى وصف «مكتبة الاسكندرية» التي كانت مركز جذب الكتّاب والعلماء والباحثين من شتى أصقاع الأرض، وكان الأمين الأول لها أحد الاكاديميين من اثينا، حيث زودها بأكثر من ستمئة ألف مخطط. ما يؤكده المؤلف في هذا السياق هو انه من غير المعروف ما اذا كان العلماء الذين ترددوا على المكتبة كانوا يقومون بالتدريس فيها أو يلقون المحاضرات؟! لكن ما هو ثابت هو انه كان يتم جمع كافة الكتب والمراجع من انحاء العالم أجمع. هكذا لم تقتصر محتوياتها على الكتب اليونانية والرومانية وإنما ضمّت ايضا كتبا من الشرق تمت ترجمتها الى اللغة اليونانية، بالاضافة الى كتب باللغة المصرية القديمة وبالفارسية والعبرية. ولم يبخل البطالمة في تزويد المكتبة بكل ما هو مفيد. ويقال بأن بطليموس كان قد استعار بعض المؤلفات الاصلية لكبار شعراء أثينا من اجل نقلها وايداع النسخ المنقولة في المكتبة، لكنه قرر في النهاية الاحتفاظ بالأصول وأعاد النسخ الى مصادر الاستعارة. واذا كان المؤلف يشير الى عدم توفر احصائيات دقيقة عن عدد الكتب التي احتوتها مكتبة الاسكندرية فإنه يؤكد بالمقابل على انها قد تجاوزت مئات الآلاف. إن مؤلف هذا الكتاب يولي اهتماما خاصا للحديث عن النشاط العلمي والفكري في الاسكندرية خلال تاريخها القديم، وحيث يتعرض لعملية النقل «المتبادل» بين اليونان ومصر القديمة للعلوم والمعارف، وخاصة علم الهندسة الذي يؤكد المؤلف بأن أصوله الأولى تعود الى مصر، حيث كان العملاء اليونانيون هم الذين نقلوه الى بلادهم. وكانت مدينة الاسكندرية قد عرفت أحد قمم ازدهارها في فترة حكم احدى اشهر ملكات مصر، أي كليوباترة التي كانت على عكس أبيها بطليموس الثاني عشر قوية وطموحة وتجيد الحديث بعدة لغات من بينها اللغة القبطية التي كان يتحدث بها معظم سكان الاسكندرية. وقد كانت مولعة بالفنون حيث انها شجعت العديد من الفنانين والعلماء وزودت مكتبة الاسكندرية بما يزيد على ربع مليون مخطوط. ويرى المؤلف بأنه لو استطاعت كليوباترة التحالف مع الرومان الذين كانت تعتبرهم «برابرة» لأصبحت الاسكندرية عاصمة الامبراطورية الرومانية بدلا من روما.. وهنا يقدم سردا لمختلف مراحل الصراع الذي خاضته كليوباترة ضد الرومان والذي انتهى بغزوهم لمصر عام 30 قبل الميلاد. وقد برزت قدرة الاسكندرية «غير العادية» على تجاوز النكبات خلال فترة الحكم الروماني التي استمرت منذ عام 30 قبل الميلاد وحتى 311 بعد الميلاد، فبينما بدا ان هذه المدينة العظيمة سيكون مصيرها النسيان وانها ستنتهي كمجرد مقاطعة من مقاطعات الامبراطورية الرومانية مما يعني فقدانها لهويتها التي كانت قد جعلها أحد أروع مدن منطقة حوض البحر المتوسط، نجد انها قد عرفت كيف تنقلك الى مرحلة جديدة اكتشفت فيها عظمة «المملكة الرومانية» حيث يرى المؤلف بأن نخب المدينة ركزت طاقاتها وبكل مكوناتها العقائدية على معالجة مسائل ذات بعد فلسفي وبكل حرية بحيث اشتهرت المدينة بأنها مركز الحياة الثقافية والفلسفية للامبراطورية الرومانية وذاعت شهرة المجتمع السكندري كمجتمع يتمتع بهامش كبير من الحرية الفكرية. كما شهدت أسواق الاسكندرية وشوارعها وحوانيتها نقاشات حامية لا تتعلق بالسياسة وإنما بالافكار والعقائد. ويؤكد المؤلف في هذا السياق بأنه وعلى الرغم من التوتر الذي نجم عن التقاء الثقافات والطوائف المختلفة فإن المدينة كانت ترحب بكل جديد. ومع حلول القرن السابع الميلادي كانت الاسكندرية لاتزال تضاهي اثينا وروما وتتفوق عليهما في النواحي الثقافية والفكرية. لكن تولي الامبراطور هرقل الحكم كان بمثابة نقطة انعطاف وانكفاء في مسيرة المدينة التي تعرّضت لغزو الفرس لكن هرقل حررها مرة أخرى قبل ان يدخل العرب المسلمون الى مصر بقيادة عمرو بن العاص. وبعد ان أحجمت القوات العربية لفترة من الزمن عن دخول الاسكندرية دخلتها الا انها حافظت على مبانيها ومعالمها كما هي، كما يؤكد المؤلف على معاملة سكانها «بكل احترام» وترك الذين رغبوا بمغادرة المدينة يفعلون ذلك، في حين سمح لمن يريد البقاء منهم ممارسة ما يشاءون من عبادات بعد دفع الجزية. وهنا يفتح المؤلف قوسين ليشير الى ان الكثير من المؤرخين قد ألقوا باللائمة على العرب في تدمير مكتبة الاسكندرية. غير ان الحقائق تؤكد بأن معظم المخطوطات والكتب النادرة قد تم القضاء عليها من قبل الرهبان المتعصبين من بين غلاة المسيحيين، غير انه يرى بالمقابل بأن دور الاسكندرية قد اضمحل حيث انصب اهتمام العرب على مدينة اخرى تم انشاؤها بالقرب من القاهرة، كما ان المدينة ـ الاسكندرية ـ قد عرفت تغييرات جغرافية هامة خاصة في القرن الثاني عشر مما جعلها في عزلة عن الممرات المائية التي كانت تسهل عليها التجارة مع بقية انحاء مصر. ومع ذلك عرفت الاسكندرية آنذاك بناء العديد من المساجد، لكن عندما سيطر المماليك على البلاد كان اهتمامهم بالاسكندرية ينصب على تدعيم دفاعاتها للتصدي لخطر هجوم الاتراك على مصر، وهذا ما حدث بالفعل عام 1517 حيث شهدت المدينة فصلا مأساويا من تاريخها، إذ تضاءل عدد سكانها وتم انشاء مدينة تركية بجوارها لاتزال قائمة حتى الآن. الفصل الختامي في هذا الكتاب يخص وصول قوات نابليون بونابرت الى الاسكندرية في نهاية القرن الثامن عشر والمعارك التي خاضتها مع القوات الانجليزية بقيادة نلسون وايضا مع القوات التركية. لقد كابدت الاسكندرية كثيرا، لكنها تظل تلك المدينة التي فاقت شهرتها الثقافية والفكرية عواصم العالم القديم، وكان لها أثرها في حضارة عالمها.. ومدينة دخلت التاريخ.. ولم تبرحه أبداً.