كريستيان جينينج هو صحفي بريطاني. عمل في القارة الافريقية كمراسل لصحيفة «الصنداي تلجراف» ولوكالة «رويترز» للأنباء انطلاقا من جمهورية افريقيا الوسطى خلال سنوات 1994 ـ 1998.. وهكذا قام بتغظية أحداث رواندة وبورندي وشرق زائير. كما قام بعد ذلك بتغطية أزمة ثم حرب كوسوفو عام 1999 لمجلة «سكوتلاند أون ساندي». «عبر النهر الأحمر» هو كتاب عن المجازر الرهيبة التي كان المؤلف نفسه شاهدا عليها. و«النهر الأحمر» المقصود ليس سوى نهر الكونغو الذي اصطبغت مياهه فعلا باللون الاحمر بسبب العدد الكبير من الضحايا التي عرفتها منطقة البحيرات الكبرى (رواندة وبورندي) ولم يهتم بها أحد قبل أن تنقلها عدسات التلفزة العالمية. يرجع أصل هذا الكتاب الى مهمة تلقاها المؤلف ـ الصحفي «كريستيان جينينج» في صيف عام 1994، وكانت تقضي بأن يقوم خلال خمسة أيام ـ مهمة مستحيلة ـ بالتقصي حول مسئولية ضباط في الجيش الرواندي ومسئولين في الحكومة عن دورهم في المجزرة التي ذهب ضحيتها ثمانمئة وخمسين ألف ضحية واقناعهم ـ أي الضباط والمسئولين الحكوميين ـ في المشاركة ببرنامج تلفزيوني وثائقي حول «جرائمهم». لم تفلح المهمة ولكن كان هذا الكتاب ـ التحقيق.إن كتبا عديدة قد صدرت حول المذابح في رواندة. لكن امتياز هذا الكتاب قد يكون في معرفة مؤلفه الدقيقة للسياق التاريخي والاجتماعي والسياسي التي جرت فيه تلك المذابح، وذلك بحكم موقعه واقامته في «عين المكان» لعدة سنوات. انه يقدم في واقع الأمر، وعبر «قراءته» للنزاع الدامي بين قبيلتي «الهوتو» و«التوتسي»، عرضا موجزا وعميقا للمشاكل الحقيقية التي تعاني منها القارة الافريقية. هذه المشاكل التي تبدو بالنسبة لأغلبية المراقبين الخارجيين وكأنها مستعصية على الحل.. لانها في واقع الأمر «غير مفهومة»، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب. وهذا الكتاب غني أيضا بالتفاصيل الدقيقة لكل أشكال الفظاعات التي عرفتها المجازر في رواندة وبروندي بين القبيلتين المتصارعتين. وحيث كان «القتل على الهوية».. وكان يكفي كتابة كلمة «توتسي» على جدار أحد البيوت كي يقوم أفراد من «الهوتو» بتقطيع أجساد ساكنيه بالفؤوس والسكاكين وغيرها. كما أقيمت «معسكرات الموت» التي زج فيها الآلاف من أجل قتلهم لاحقا بـ «أعصاب باردة» ولو كانوا جيران الأمس ورفاق العيش المشترك لسنوات طويلة. ثم ان الكثيرين ممن نجوا من الموت طالتهم فيما بعد بسبب انتشار الكوليرا. إن المؤلف يقدم في هذا الكتاب مجازر رواندة خلال ربع عام 1994 كما عاشها الذين كانوا فاعلين أو شهودا مباشرين عليها. وهو يبدأ بالحديث عن الظروف التي رافقت وصوله الى رواندة حيث قابله أولئك الذين التقى بهم بجملة ترددت غالبا وتقول: «أهلا بك في رواندة». هذا على الرغم من سقوط حوالي مليون قتيل خلال شهرين فقط من الزمن. ان «الدولة» هي نفسها التي «أشرفت» على المذابح و«باركتها»، بل وشارك جنودها بفعالية فيها. أما الصورة من الخارج فقد كانت «قيام قبيلة الأغلبية المتمثلة في الهوتو بالهجوم على قبيلة الأقلية من التوتسي ومحاولة ابادتها». كان الارث الاستعماري والاعتماد على الأقلية القبلية بعد الاستقلال والعداوة القبيلة المستحكمة بين الطرفين الهوتو والتوتسي بمثابة الخلفية التي هيأت المناخ لقيام مثل هذه المذابح. هذا ما يشرحه مؤلف هذا الكتاب على عدد من الصفحات التي تناولت فيها تاريخ رواندة وبروندي منذ الحقبة الاستعمارية وحتى «المجزرة». وهو يركز في تحليلاته على الدور الذي لعبته القوات الفرنسية المتواجدة في منطقة البحيرات الافريقية الكبرى، بجوار بحيرة فيكتوريا خاصة، في المنطقة وحيث لم يكن لها أي دور في منع حدوث المجازر. كما يشرح المؤلف الظروف التي رافقت قرار الحكومة الفرنسية ارسال قوات اضافية ضمن اطار «عملية توركواز» التي أرادت فرنسا من خلالها ان تثبت وجودها في القارة الامريكية على خلفية التنافس الامريكي ـ الفرنسي على النفوذ في القارة السوداء. إن المؤلف يشرح تاريخية هذا التنافس عبر «اشارات» سريعة وبالاعتماد على كتابات ومقالات صحفية، ولكن بكثير من الدقة. لقد بدأت المجازر في رواندة يوم السادس من شهر ابريل عام 1994 كي تغير كثيرا من واقع هذا البلد، لا سيما من خلال ما ترتب عليها من عواقب اقتصادية واجتماعية وسياسية. ثم جاء الاهتمام الاعلامي بالمجازر كي يكون الحافز الرئيسي في «تحرك» العالم لايقافها.. كما عبأت تلك المجازر العديد من المنظمات غير الحكومية في العالم حيث انه واعتبارا من عام 1995 كان هناك حوالي 150 منظمة تساهم في مساعدة البلد المنكوب.. وقد استجدت معطيات كثيرة، على قاعدة ما جرى، بالنسبة لأنظمة جمع الضرائب التي كانت سائدة منذ فترة ما قبل الاستعمار واستمرت خلاله وبعده. لكن المذبحة والاهتمام الدولي خلقا مناخا آخر، جعل المسئولين اكثر انتباها وحذرا.. لا سيما ان أصواتا قد ارتفعت مباشرة تطالب بمحاكمة المسئولين عن المجازر. وفي المحصلة، يرى المؤلف في المذابح التي شهدتها رواندة خلال ربيع عام 1994 وتداخلاتها الاقليمية والدولية «أول حرب عالمية افريقية» حيث ان أطرافا افريقية عديدة كانت ذات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بها، وفي مقدمتها «زائير» التي أصبحت تدعى «الجمهورية الديمقراطية الكونغولية». كما يرى بأن افريقيا قد دخلت ما يسميه ايضا «عصر ما بعد، ما بعد، المرحلة الاستعمارية».