شهدت المكتبة الفرنسية خلال الشهرين المنصرمين عدداً من الكتب التي جعلت من «مجزرة 17 اكتوبر 1961» موضوعاً لها، وهي المجزرة التي ذهب ضحيتها عدد من الجزائريين الذين كان قد قرر حوالي ثلاثين الفاً منهم ان يتظاهروا «سلمياً» في شوارع العاصمة الفرنسية باريس تلبية لنداء كانت قد أطلقته جبهة التحرير الجزائرية، وحيث كانت الجزائر على عتبة نيل استقلالها السياسي. ومن بين هذه الكتب «17 اكتوبر 1961 جريمة دولة في باريس، الذي ساهم فيه 17 باحثاً ومؤرخاً فرنسياً من بينهم «اثيين باليبار» عالم الاجتماع المعروف و«بنجامان ستورا» الذي جعل من حرب التحرير الجزائرية خاصة، وتاريخ الجزائر الحديث عامة، موضوع اهتمامه الرئيسي.والكتاب الثاني الذي صدر مؤخراً ايضاً هو «ليلة اكتوبر» للكاتب الجزائري مهدي لعلاوي، وهو مكرّس ايضاً لمجزرة 17 اكتوبر 1961 في باريس، ولكن من زاوية ان والده نفسه كان في عداد المتظاهرين وقد تلقى الضرب والاهانة، كما شهد مقتل العشرات من ابناء وطنه على يد الشرطة الفرنسية التي كان يترأسها آنذاك «موريس بابون». والذي يواجه اليوم المحاكمة بتهمة التعامل مع قوات الاحتلال النازي اثناء الحرب العالمية الثانية. ماذا جرى يوم 17 اكتوبر 1961؟ ان المساهمين في كتاب «17 اكتوبر 1961 جريمة دولة» يقدمون توصيفاً دقيقاً لما جرى في ذلك اليوم، ويحاولون تفنيد الموقف الفرنسي آنذاك، ولاسيما الخلفية التي قام على اساسها قرار محافظ الشرطة آنذاك «موريس بابون» الى اعطاء الأوامر باطلاق النار على متظاهرين كانوا قد شرعوا بالقيام بعمل تأييدي لنضالات اخوانهم في الجزائر ضد القوة الاستعمارية الفرنسية التي كانت تسيطر على البلاد منذ عام 1832. ان المشرف على انجاز هذا الكتاب «اولييفييه لوكور جراند ميزون»، هو ايضاً رئيس جمعية «ضد النسيان 17 اكتوبر 1961» وهو استاذ جامعي. انه يعود الى التذكير بكلمة كان عالم الاجتماع الفرنسي والاخصائي بتاريخ الثورة الفرنسية «الكسي دو طوكفيل» قد قالها عام 1841 وجاء فيها: «لقد سمعت في فرنسا رجالاً أكن لهم احتراماً كبيراً، ولكنني لا أوافقهم رأيهم، يقولون بانه من السوء حرق المحاصيل وتفريغ مستودعات الحبوب وفرض السيطرة على الرجال والنساء والاطفال. انني اعتقد بان هذه الأمور المؤسفة، انما هي من الضرورات المقيتة. لكن كل شعب يريد ان يحارب العرب سيكون مرغماً على اللجوء لها». ثم يضيف بعد اطلاقه هذه الوصايا قوله: «مهما يكن من أمر، يمكن القول عموماً بأنه ينبغي تعليق جميع الحريات السياسية في الجزائر». هكذا كان قد عبر أحد أكبر المفكرين الفرنسيين في كل العصور عن الموقف الذي كان يراه مطلوباً حيال الجزائر التي كانت قد اصبحت قبل سنوات قليلة فقط مستعمرة فرنسية. وقد كانت «المذابح وعمليات التهجير الجماعية للسكان، وخطف النساء وسرقة المحاصيل وعمليات الغزو المنتظمة، هي الوسائل التي تم استخدامها بشكل عام من اجل انهاء قوة عبدالقادر ـ الجزائري ـ وترسيخ سيطرة فرنسا على البلاد». هذا وكان طوكفيل يرى بان الاحتلال المسلح والاستعمار يبرران بعضهما البعض اذ لولا «الاستعمار» فإن كلفة «الاحتلال المسلّح» قد تكون باهظة جداً، ولذلك كان من انصار «الحلول الجذرية» ومن الذين اعتبروا بان احتلال الجزائر كان «ضرورة مهمة» بالنسبة لفرنسا، اذا كانت تريد في السياق التاريخي لتلك الفترة تجنب «الانحدار الدولي» الذي كان يهددها، لاسيما وانها كانت تعيش حالة منافسة شديدة مع القوة البريطانية الصاعدة آنذاك، بل ان طوكفيل كان يذكّر باستمرار «بالدرس الروماني» حيث كان يتم ترحيل ابناء البلاد الاصلية التي يتم فتحها كي يجري استبدالهم بـ «ابناء العرق الظافر». على قاعدة مثل هذه الافكار يتم التأكيد من قبل العديد من الباحثين الذين تعرّضوا لتحليل الخلفية السياسية والتاريخية لما جرى يوم 17 اكتوبر وبدقة اكبر ليلة 17 ـ 18 اكتوبر 1961 ـ بان الدولة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر قد تصرفت كأية دولة في الحرب وكدولة تسود فيها الاحكام العرفية، لانها تحديداً دولة استعمارية. وعلى هذا الاساس لاتبدو الافكار التي نادى بها «الكسي دو طوكفيل» في بداية الحقبة الاستعمارية للجزائر بعيدة تماماً عن «المذابح التي تعرض لها الجزائريون في باريس ليلة 17 ـ 18 اكتوبر 1961» على يد الشرطة الفرنسية التي كانت قد تلقت اوامرها انذاك من المحافظ «موريس بابون». وبهذا المعنى لا تبدو احداث اكتوبر 1961 اي قبل أقل من عام على استقلال الجزائر بمثابة احداث «مقطوعة» عن التاريخ الذي ساق اليها. كما انها لم تكن مجرّد «هبة» و«ردة فعل» مفاجئة ولا عقلانية وانما كانت «استمرارية لممارسات الدولة الاستعمارية منذ اصولها الاولى». وبالتالي يتعلق الأمر بـ «جريمة دولة» جرى اقترافها عن «سابق اصرار وتصميم». ويتم التركيز ايضاً في جميع التحليلات المقدّمة على القول بان سلطات الشرطة الفرنسية آنذاك سعت الى طمس الجريمة واخفاء آثارها بأكبر قدر ممكن، وذلك عبر تبني «تكتيك» يكمن في اخفاء جثث القتلى او القائها في نهر السين الذي يخترق العاصمة الفرنسية باريس بقصد تمويه الأمر بعملية «غرق» او تحميل مسئوليته لـ «تصفية حسابات داخل صفوف جبهة التحرير الوطني الجزائرية نفسها. هكذا جاءت الرواية الرسمية لما جرى من احداث في تلك الليلة تبريء الى حد كبير السلطات البوليسية والأمنية الفرنسية من أية مسئولية حيال ما جرى، كما قام بعض المؤرخين والباحثين بـ «التواطؤ» مع هذه الرواية الرسمية واعطوها «مصداقيتها» في نظر شرائح كثيرة من الرأي العام الفرنسي. وفي الواقع وبسبب اختفاء الجثث، غابت البراهين وبالتالي «لم يكن هناك جريمة» مما يعني ايضاً انتفاء مسئولية اي طرف من الاطراف. وضمن المنطق نفسه من التحليل ثم التقليل كثيراً من مأساوية الاحداث التي وقعت حيث جرى اعتبارها بمثابة عمليات «محدودة» قامت بها اجهزة الشرطة من اجل المحافظة على الأمن. لكن التحقيقات التي قام بها عدد من الباحثين عن ظروف تلك الاحداث وملابساتها بينت انه تم تحويل العديد من اقبية الفنادق والمطاعم قد تحوّلت آنذاك الى اماكن للاعتقال والتعذيب و«التخزين» وقد كانت هذه الاقبية كلها تخضع لاجراءات أمنية وسرية كبيرة. وقد تبيّن في المحصلة النهائية لـ «قراءة» ما جرى ليلة 17 ـ 18 اكتوبر 1961 في باريس بان مجازر تلك الليلة لم تكن نتيجة لـ «اخطاء» هامشية، وانما كانت نتيجة لعمل منفرد قام به بعض الافراد المتطرفين الذين تحركوا تحت تأثير الانفعالات والظروف، هذا في الوقت الذي اثبتت فيه التحقيقات اللاحقة بأن المسألة كان قد جرى التخطيط لها وتم تنسيقها وتنفيذها من قبل السلطات البوليسية والسياسية العليا آنذاك. ان مثل هذه السياسة أدت الى جعل جميع المسلمين الذين كانوا يعيشون في فرنسا حالة هي اشبه ما تكون بـ «حالة التعبئة المستديمة» لانهم كانوا باستمرار بمثابة المتهمين الذين ينبغي عليهم ان يثبتوا فيما بعد براءتهم. واليوم وبعد اربعين سنة تتم العودة من جديد للحديث عن احداث تلك الليلة 17 ـ 18 اكتوبر.. وذلك لـ «تذكير» بما جرى.. او بالأحرى «ضد النسيان»، كما يقول شعار الجمعية التي تأسست باسم «17 اكتوبر 1961»، والكتاب الجماعي «17 اكتوبر 1961، جريمة دولة» يؤكد على أهمية ابراز ما جرى في تلك الليلة المشئومة التي تظاهر فيها ثلاثون الف جزائري سلمياً ليتعرض خمسة عشر الفاً منهم للتوقيف والضرب المبرح، بينما لقي حوالي ثلاثمئة منهم ـ حسب التقديرات لانه ليس هناك حتى الان اي رقم نهائي. مصرعهم على يد الشرطة وألقيت جثثهم في نهر السين. ويتم التأكيد في هذا السياق على انه ورغم معرفة وسائل الاعلام بأغلبية تفاصيل احداث تلك الليلة، فإنه قد تم طمس ما هو أساسي، وخاصة حول جرائم القتل والقاء الجثث في نهر السين حيث تم الحديث يومها عن اربعة قتلى فقط، ثم بدأ هذا الرقم «بالازدياد» قليلاً.. لقد كانت هناك «سياسة لفرض النسيان» من قبل الحكومة القائمة آنذاك.. وهذا ما يتم تأكيده بأشكال مختلفة. لكن اصرار مجموعة من اصحاب الضمائر واصحاب الاقلام، مثل هؤلاء الذين ساهموا في الكتاب «17 اكتوبر 1961، جريمة دولة» ومثل اولئك الذين قدّموا شهادات شخصية تعنيهم مباشرة، كمؤلف كتاب «ليلة اكتوبر» اصرّوا على نضالهم «ضد النسيان». ولعلّ المساهمة التي تقدمها الباحثة «شارلوت نوردمان» في كتاب «17 اكتوبر 1961 جريمة دولة» احد أكثر الدراسات اكتمالاً من حيث عرضها لما جرى في تلك الليلة. انها ترسم اولاً «السياق» الذي جرت فيه الاحداث حيث يتم التأكيد على انه ومنذ بداية تلك السنة 1961 كانت قد ترسخت القناعة لدى الجميع بضرورة الوصول الى حل للنزاع الجزائري «عن طريق التفاوض». وفي الوقت الذي كان قد بديء فيه بالتفاوض خلال شهر مايو «رسمياً» بين الحكومة الفرنسية والحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فان «صيف 1961 قد شهد اكثر اعمال العنف شراسة في فرنسا طيلة حرب الجزائر». وضمن هذا السياق عرف الجزائريون المقيمون في العاصمة الفرنسية وضواحيها كل اشكال العنف والاضطهاد الموجهة ضدهم من قبل شرطة باريس برئاسة المحافظ موريس بابون، اذ و«على الرغم من تقديم عدة شكاوى ضد التعذيب والقتل ومن تواتر الشهادات وتأكيدات التقارير الطبية... على الرغم من هذا كله لم تلق أية شكوى اذناً مصغية»، كما تؤكد شارلون نوردمان، بل على العكس شهد شهر اكتوبر 1961 فرض «حظر التجول» على الجزائريين في العاصمة الفرنسية وضواحيها.. وكان خطراً مفروضاً على «الفرنسيين المسلمين ذوي الاصول الجزائرية»، وكان رد «جبهة التحرير الجزائرية» هو تنظيم مظاهرة «سلمية» حيث أكدت الجبهة في بيان لها يوم 7 اكتوبر من تلك السنة على المظهر السلمي لدعوتها للتظاهر واعلانها «وقف اية عمليات عنف مسلح داخل فرنسا» ذلك انها كانت تريد ان تغير بشكل كامل «استراتيجيتها» بهدف «كسب تأييد الرأي العام الفرنسي».