يحاول هذا الكتاب ان يلفت الانتباه الى مجالات في البحث العلمي أهملت بسبب الانماط التقليدية في التفكير، مشيرا الى ان هناك تجارب بسيطة نسبيا تصل الى اجابات قيمة وتفتح مجالات هامة لتحقيق اختراقات مفاجئة في ميدان المعرفة. وهذه التجارب غير المكلفة تفتح المجال أمام غير المحترفين لاجراء بحوث رائدة وهي في الوقت نفسه تعتبر فرصا جديدة للباحثين المحترفين الذين تواجههم باستمرار صعوبات متزايدة لتأمين الاعتمادات المالية وكذلك بالنسبة للطلاب الذين يبحثون عن مشاريع مثيرة. وبشكل عام يشير المؤلف روبرت شلدرايك الى انه يمكن وضع لائحة من التجارب منخفضة الكلفة التي بامكانها تغيير العالم وذلك في اطار برامج أبحاث مستقبلية ومن بين التجارب العديدة وقع اختيار المؤلف على سبع تجارب ضمّنها الكتاب يرى انها قد تحول رؤيتنا الى الواقع وانها قادرة على ان تحملنا بعيدا عن الحدود والمعرفة للبحث، وسوف تكشف لنا ما لم يجرؤ العلم بعد على تصوره، مضيفا ان أية واحدة منها اذا نجحت فسوف تفتح آفاقا جديدة مؤهلة، وهي تجارب عموما تستطيع ان تغير مفهومنا للطبيعة ولأنفسنا. وعلى مدى صفحات الكتاب يستعرض المؤلف برنامج البحث الذي يقدمه ويخضع من خلاله فرضيات العلم للاختبار، وهو ما يكشف بالفعل عما يمكن اعتباره مفارقات مذهلة تكشف الى ما يمكن تسميته تجاوزا «عدم علمية» بعض «المعتقدات العلمية».. فهو يعرض لسبعة معتقدات علمية نموذجية، تعتبر من المسلمات ولا تناقش لدرجة انها لا تعتبر مجرد فرضيات بل كأنها تعبير عن المنطق العلمي السليم والمواقف المعاكسة توصف ببساطة انها غير علمية. حتى يصل الأمر من وجهة النظر العلمية القيمة في اختبار امكانية ان تكون هذه الافتراضات خاطئة وان الأمر لا يستحق حتى اضافة الوقت للتفكير فيه خصوصا وان هناك مشكلات علمية أهم بكثير تستدعي مواصلة البحث والتدقيق. ويصف المؤلف انماط البحث المقترحة في الكتاب بأنها تعتبر محرمة من منظور العلم المؤسساتي وانها لذلك أهملت الى هذا الحد ولهذا السبب فإنها تشكل فرصا مذهلة لاكتشافات جديدة. ويقسم المؤلف كتابه الى ثلاثة أقسام يتناول في الأول منها ثلاث تجارب وفي الثاني تجربتين أخريين، فيما يختتم القسم الثالث بالحديث عن تجربتين مع عرض لمجمل رؤيته بالنسبة لموضوعه. في القسم الأول: قوى غير اعتيادية لحيوانات عادية يشير الى انه أصبح يسيطر على علم الاحياء المؤسساتي اليوم نظرية آلية للحياة تعتبر بموجبها الحيوانات والنباتات كافة آلات معقدة وهي بشكل مبدئي قابلة لأن تفسر انطلاقا من معطيات فيزيائية وكيميائية، موضحا ان سيطرة هذه النظرية جعلت من أصحابها العلماء لا يعترفون عموما بامكانية وجود أية ظواهر تبدو غير قابلة للتفسير انطلاقا من قوانين علمي الفيزياء والكيمياء. وعلى هذا الأساس يعرض المؤلف لرؤاه في هذا القسم بشأن التجارب الثلاث التي يطلب منا القيام بها لبساطتها وتحديد مدى صحتها من عدمه. تتعلق المسألة الأولى بمدى معرفة حيوانات معينة لمواعيد عودة اصحابها وهي موقف يعتبره العلميون «غير علمي»، غير انه يعرض لتجارب عديدة تؤكد عكس ذلك. فعلى سبيل المثال يذكر انه في بلدته كانت له جارة أرملة عندها قطة، ابنها كان يعمل في البحرية التجارية، قالت له ذات يوم انها تعرف متى يعود ابنها الى البيت من اجازة دون ان يخبرها مسبقا بذلك. كانت القطة تتوجه نحو الباب الخارجي وتتمدد على ممسحة الأرجل حيث تموء لساعة أو ساعتين حتى وصوله. وتضيف السيدة انها لذلك كانت تعرف دائما متى يجب ان تبدأ بتحضير الشاي. ويتقبل المؤلف هذه القصة بصدر رحب مستبعدا ان تكون السيدة اختلقتها، متسائلا: هل هناك بالفعل شيء غريب يحدث؟ أم ان الأمر ناتج عن تفكير خرافي غير علمي ووهمي؟ غير انه يميل الى التصديق اثر معرفته فيما بعد بأن العديد من اصحاب الحيوانات الأليفة لديهم روايات مماثلة. في بعض الحالات كان يبدو ان الحيوانات تعرف موعد رجوع أحد أفراد الاسرة بعد غياب طويل قبل ساعات من وصوله، وفي حالات اخرى كانت الحيوانات تبدو منفعلة قبل فترة قصيرة من عودة صاحبها من عمله. ويشير الى فكرة القيام بتجربة بسيطة وغير مكلفة في هذا الشأن حول قدرة الحيوانات على معرفة متى يعود أصحابها الى البيت وردت له انها سهلة التنفيذ وهو مجال مفتوح أمام كل واحد لديه حيوان أليف عارضا لتجارب عديدة لكثيرين، بعضها نشر وبعضها توصل اليه من خلال اهتمامه بالموضوع. ويوضح الكاتب ان أسباب تراجع البحث العلمي في هذا المجال إنما يرجع الى وجود ثلاثة محركات هي تحريم البحث في مجال ما هو غير طبيعي.. فهناك خطر عام يمنع التعاطي بجدية مع الظواهر الخارقة أو غير الطبيعية، وتحريم التعاطي مع الحيوانات الاليفة بجدية، وتحريم اجراء اختبارات على الحيوانات، مشيرا الى انه يوجد في أوروبا نحو 26 مليون كلب و23 مليون قط. وفي الولايات المتحدة هناك ما يعادل 47 مليون كلب و27 مليون قط، والانفاق السنوي على أطعمة الحيوانات والعناية البيطرية يصل الى نحو 10 مليارات دولار، ولكن أثر وجود الحيوانات في المنازل لم يحظ بعد بأي تحليل. في الفصل الثاني يعرض المؤلف للتجربة الثانية وهي الخاصة بكيف يعود الحمام الى موطنه؟ مشيرا الى ألا أحد يعرف حقيقة الأمر وهو ما تأكد للمؤلف بعد اطلاعه على النشرات المتخصصة والمجلات العلمية. ويوضح الكاتب ان الحمام الزاجل يستخدم لنقل الرسائل منذ آلاف السنين وانه في مختلف انحاء العالم اليوم هناك أكثر من خمسة ملايين هاو لتربية الحمام الزاجل، وهي هواية منتشرة بشكل خاص في بلجيكا وبريطانيا وهولندا والمانيا وبولندا، فالطيور تعود الى بيوتها عن بعد مسافة ما يعادل سبعمئة ميل قبل يوم واحد فيفوق معدل سرعتها الستين ميلا في الساعة. يضيف المؤلف ان هذه المقدرة ليست وقفا على الحمام الزاجل، فهناك العديد من الحكايات عن حيوانات داجنة بما في ذلك الابقار تستطيع ان تهتدي الى بيوتها حتى لو تركت على بعد أميال منها. ويذكر ان كلبا ضاع من صاحبه في انديانا وعاد الى بيته في أوريجون على بعد أكثر من ألفي ميل في السنة التالية. ويشير الى الفشل التام في معرفة تفسير هذه الظاهرة عارضا لتجارب شتى لمعرفة كيف يعود الحمام الى موطنه من خلال اجراء تغييرات متنوعة في محاولة لتضليله دون جدوى. وحتى التفسير الذي يقدمه يبدو غامضا، مضيفا انه قد تكون هناك شروحات تتجاوز حدود العلم المتعارف عليها اليوم. ثم يعرض في الفصل الثالث لتنظيم النمل الأبيض فيشير الى انه من المتعارف عليه في انحاء مختلفة من أنحاء افريقيا واستراليا ان النمل الأبيض له قدرات هائلة في مجال الاتصال ويتمتع بنحو خاص بموهبة المعرفة عن بعد، مضيفا الى ان التنظيم المذهل للنمل يؤكد انه لابد من وجود نظام اتصال بارع داخل المجتمع، متسائلا: هل يمكن تفسير ذلك ببساطة انه يعود الى رسائل تبث من خلال الرائحة وقنوات حسية أخرى أم ان مجتمع النمل الأبيض منظم في اطار حقل ما لم يتعرف عليه العلم بعد؟ مضيفا انه يمكن اجراء تجارب عديدة في هذا الخصوص. في الباب الثاني تحت عنوان العقل الممتد يواصل المؤلف عرضه لموضوعه عارضا للتجربة الرابعة حول ما يسميه العقول المقلصة والمحدودة، مشيرا الى ان النظرة المتعارف عليها ان الناس لا يستطيعون ان يعرفوا ما اذا كانوا موضع تحديق من الخلف الا بواسطة مؤثرات دقيقة محتملة، غير ان الواقع غير ذلك.. عارضا لنماذج تجارب تحاول اكتشاف امكانية ان يكون العقل بالفعل قادرا على الامتداد الى ما أبعد من الدماغ. فعلى الرغم من ان نظرية العقل المتقلص تعتبر سمة مركزية في المعتقد الآلي فهذا لا يعني انها عقيدة يتمسك بها العلم الى الأبد وانها غير قابلة للتحدي. وفي محاولة للتدليل على ما يذهب اليه يقدم مقولة الاحساس بالنظرة المحدقة، مشيرا الى ان هناك العديد من القصص التي يرددها الناس يؤكدون انه كان ينتابهم احساس بأن أحدهم ينظر اليهم من الخلف، وعند الالتفات كان يتبين لهم ان ذلك حقيقة، أو ان عددا منهم كانوا يحدقون بأشخاص من الخلف في قاعة محاضرات مثلا ويراقبونهم وهم يضطربون ومن ثم يستديرون. ثم يعرض بعد ذلك التجربة الخامسة حول حقيقة الاطراف الشبحية.. فحسب قوله فانه عندما يخسر الانسان احد اطرافه لا يفتقد معه عادة الاحساس بوجوده، بل انه يشعر انه مازال في مكانه على الرغم من انه لم يعد فعليا هناك. ويؤكد على ذلك بالاشارة الى انه في الولايات المتحدة هناك اكثر من 300 الف مواطن فقدوا رجلا أو ذراعا بينهم 26 الفا من المحاربين كلهم تقريبا لديهم الاحساس بالاطراف الشبحية. مضيفا انه بعد عملية البتر مباشرة يكون الاحساس بوجود العضو قويا لدرجة ان بعض الذين بترت ساقهم ينسون ما حدث فيسعون الى الوقوف او المشي، والبعض الاخير يمددون يدهم لحك الساق المبتورة والذين بترت ذراعهم يحاولون رفع سماعة التليفون أو اشياء اخرى، وللاسف لا يستطيع الطب ان يفعل شيئا بهذا الصدد، الا اذا كان الالم في موضع الجذع وليس في العضو الشبحي نفسه مما قد يلجأ معه البعض الى المخدرات كنوع من التعويض. ويعرض في القسم الثالث لما يسميه اوهام الموضوعية مناقشا المشكلات العامة التي يسببها وهم الموضوعية. فيتناول في الفصل السادس موضوع تغير الثوابت الاساسية معتبرا ان مبدأ الانتظام الذي يؤمن به العلماء يحول دون تمكنهم من رؤية انماط غير متوقعة او غير منتظمة في الطبيعة مضيفا انه حتى ثبات «الثوابت الاساسية» يبدو انه قابل للبحث لأن قياس هذه الثوابت غير مستقر. اما في الفصل السابع فيفند الاعتقاد بأن العالم الكفء لا يسمح لمعتقداته بالتأثير على الحقائق التي يتوصل اليها متناولا اثر توقعات المجربين على التجارب التي يجرونها، والى أي مدى تخبرنا التجارب عن الطبيعة والى اي مدى تكون انعكاسا لتوقعات المجرب؟ مؤكدا ان غالبا ما تأخذ الامور الشكل المتوقع لا لأن الناس لديهم قدرة غامضة على معرفة المستقبل بل لان سلوكهم يميل لجعل النبوءة قابلة للتحقيق. وعلى سبيل المثال فالاستاذ الذي يتنبأ بأن احد طلابه سوف يفشل قد يعامل هذا الطالب بطريقة تجعل فشله اكثر احتمالا وبذلك يكون قد حقق النبوءة الاصلية. ولكن كيف تستطيع هذه التجارب تغيير العالم؟ يعرب المؤلف عن اعتقاده بأنها ستساعد على فتح المجال العلمي التطبيقي والنظري وسيكون هناك حسب قوله، تقييم جديد للفلكلور والمعتقدات الشعبية كالاعتقاد بأن الحيوانات عندها قوى غريبة وان الناس يشعرون بأنهم موضع تحديق. وقد تؤدي التجارب في الفصل الاول الى فهم جديد للقوى الحيوانية والقوى البشرية، وقد تتوصل الى نتائج تعزز فكرة الصلات الخفية بين الحيوانات والناس، اما التجارب في الفصلين الرابع والخامس فقد تؤدي الى فهم جديد لعلاقتنا بأجسامنا وبالعالم من حولنا وكسر الفاصل التقليدي بين العقل والجسم، اما تجارب الفصلين السادس والسابع فقد تقوض المعتقدات العلمية التقليدية التي تتمسك بثبات الطبيعة وموضوعية البحث العلمي. وفي اسوأ الفروض فان الكتاب، حسب مؤلفه، يطرح العديد من المسائل الهامة التي لا تزال غير مفهومة بالنسبة لنا، وهي مسائل يجب ان تكون عقولنا مفتوحة بشأنها. مصطفى عبدالرازق