للمؤلف د.محمد جابر الانصاري باع طويل في رصد أحوال الأمة وتفسير الغمة، من كتابه الأول ـ العالم والعرب سنة 2000 ـ مرورا بتحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي، وهل كانوا عمالقة؟ وتكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية، والفكر العربي وصراع الأضداد، وانتحار المثقفين العرب انتهاء بالكتاب الموضوع اليوم بين يدي القارئ (مساءلة الهزيمة) والذي فيه يتناول عبر أقسامه الخمسة مساءلة العقل العربي لهزيمة 1967 بآثارها العميقة على الوجدان والكيان العربي. تأتي هذه الدراسة لرصد سيرة العقل العربي في ثلث القرن الأخير، في فترة من أشد الفترات تحديا له، وبها تكتمل ثلاثية التأريخ للفكر العربي في القرن العشرين، وهكذا تصبح الرؤية أكثر امتدادا وشمولا لرؤية الفكر العربي في قرن متقلب تصور البعض أنه سيكون قرن الخلاص ـ بعدما استبشر البعض من النصف الأول فيه ـ إلا أنه تحول في عقوده الأخيرة الى محنة لا تقل عن أشد عصور التاريخ العربي وطأة. لذا سماه البعض قرن الهزائم العربية. وسماه البعض الآخر قرن تغريب الأمة. وربما ـ حسبما يرى المؤلف ـ كان القرن العشرون في التحليل النهائي هو قرن الارتطام الحقيقي للأمة بحقائق العصر في أبعاده المختلفة، بعد أن تصور مؤرخو الفكر العربي طويلا أن واقعة الاحتلال الفرنسي النابليوني لمصر نهاية القرن الثامن عشر 1898 هي بداية احتكاكها بهذا العصر. ويبدو أنها لم تكن البداية الحقيقية الواسعة والشاملة لهذا الاحتكاك والتواجه بين العصر الحديث والواقع العربي الموروث على امتداد الأرض العربية. كانت فقط الارهاص التاريخي الذي مهد لهذه المواجهة واحتاج ـ على المدى التاريخي ـ الى ما يقرب من قرن ونيف ليأخذ امتداده الحقيقي وتفاعلاته الفعلية في العمق العربي، هذه التفاعلات التي يمكن أن نرى نتائجها خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين. وأيا كان الأمر، فالمؤلف يرى أن أصدق ما ينطبق على الفكر العربي خلال الثلث الأخير من القرن العشرين، ومنذ هزيمة 1967 بصفة خاصة أنه: فكر تحت الحصار وهذا لا يعني أنه تحرر تماما في الفترات السابقة من كل أنواع الحصار في العهود الثورية والرجعية والاستعمارية، لكنه حقق انطلاقة نحو أهداف وطنية تاريخية معينة منذ منتصف القرن أما بعد هزيمة 1967 فقد أصبح - بامتياز - فكرا تحت الحصار حيث تراكمت الأسباب وتعددت العوامل، فكان منها الحصار الاسرائيلي على فلسطين كلها وما يحيطها من أراض ودول عربية مجاورة. ثم تلاه حصار الهجمة الأمريكية والغربية، ومن بعد ذلك 1979 كانت الثورة الايرانية انعطافا مغايرا للمألوف في الواقع الاسلامي، وفي جانب آخر كانت حصارا فيما يتعلق بالخليج والعراق، وواكب كل ذلك الحصار على النفط العربي كي لا يستمر سلاحا في المعركة، وليتحول الى أداة صراع وحصار داخلي في العالم العربي وبين قواه الاجتماعية والسياسية المختلفة. فبعد أن تبادل الاستنزاف والانهاك والتدمير كل من القوتين النفطيتين الكبيرتين في العالم الاسلامي ـ وهما ايران والعراق ـ انتقل الصراع في طرفة عين الى داخل معسكر النفط العربي ذاته بين العراق ودول الخليج باحتلال الكويت. وانقلب سلاح النفط في المواجهة مع اسرائيل والغرب الى سلاح يدمر ذاته بذاته وبيد العرب أنفسهم. كانت الايديولوجيات الثورية قبيل هزيمة يونيو 1967 قد حاصرت دول النفط العربي واخترقت بعضها وغيرت الأنظمة السياسية في بعضها الآخر؟ وردت دول النفط بحصار مضاد لاحتواء التحديات الراديكالية في الجمهوريات العربية واختراق منابرها الثقافية والفكرية على المدى الطويل. بعدها انشطر العرب نفسيا وفكريا بين الخندقين النفطيين العربيين المتواجهين نفط الخليج ونفط العراق. وباختصار اذا كانت الثورة ـ قبل عقد من الزمن ـ قد شطرت العرب، بين ما يدعو اليها ومن يقاومها. فإن الثروة شطرتهم بأشد من ذلك.. شطرتهم أولا بين من يملكون ومن لا يملكون، وشطرتهم ثانيا بين القوة النفطية العراقية ومن يقف معها وبين نفط الخليج ومن يقف معه. إنها الحرب الأهلية. على صعيد ذاتي مقابل، جاء نوع من الحصار مختلف في طبيعته عن أنواع الحصار الأخرى السابقة إنه الحصار الأصولي للفكر العربي. فمنذ عقود طويلة، لم يتعرض العقل العربي الاسلامي لارهاب ذاتي من داخله وهو أقسى أنواع الحصار ـ كما تعرض في هذه الحقبة. والمفارقة المريرة أن ما اصطلح على تسميته بظاهرة الصحوة المرجوة لم يتح لها أن تصبح صحوة عقل متحرر ناقد متسائل ـ كما ينبغي لأية صحوة أن تكون ـ بقدر ما حوصرت هي الأخرى لتصبح صحوة ماضوية معادية للعقل، وبعثا لمذهبيات وفتن تاريخية. وهكذا تم التهجم والاتهام لكل الفلاسفة الاسلاميين العظام مثل الكندي وابن سينا وابن رشد، وأصبحت الفلسفة مصطلحاً سيئ السمعة، بل إن مفهوم العقل ذاته أصبح موضع شبهة وتشكيك، وتم تجريم المعتزلة ومفكري الاصلاح الاسلامي مما جعل الشيخ عبدالحليم محمود شيخ الأزهر الشريف - حصن الثقافة الاسلامية - يكفر المعتزلة حسب صك اتهامه سجدت للعقل لا لله. المدهش ـ حسب رأي الكاتب ـ أن هذا العداء الصريح للعقل لم يبرز بمثل هذا الوضوح إلا في زمن التصالح مع اسرائيل أيام كامب ديفيد. ومن أعجب الظواهر المسكوت عنها والجديرة بالتفحص أن طرد العقل ومطاردته في الحياة العربية والاسلامية مع انتشار الماضوية المتشددة جاء متزامنا مع طغيان الهيمنة الاسرائيلية في أنحاء المنطقة على الرغم من الانطباع السائد بأن تلك الحركات المتشددة قد انبعثت لمقاومة هذه الهيمنة.. ومع الاقرار ـ احقاقا للحق ـ بأن مقاومة بعض الفصائل الاسلامية للهيمنة الاسرائيلية ـ حماس.. الجهاد.. حزب الله - تمثل نقاطا استثنائية في مجمل الصورة العامة. ونظرة على أبشع المذابح التي تعرض لها العرب في السنين الأخيرة سوف نجد أنها من نتاج الارهاب الصهيوني كما في فلسطين ولبنان. أما على الجانب الآخر فكان الارهاب الأصولي كما في الجزائر ومصر وأفغانستان الاسلامية. ولا يتحدث المؤلف عن ارتباط تآمري بين القوتين، وإنما عن ارتباط موضوعي وديالكتيكي تكاملي بينهما. فالضد يظهر كنهه الضد. ولا يمكن لاسرائيل أن تسود إلا مع سيادة فكر ينفي العقل والتقدم. وعلى كل حال فالمشهد ليس جديدا، كل الجدة، في ذاكرة الأمة.. فقبل قرون تقابلت وتكاملت فوق صدرها المنهك القوى الصليبية والمغولية من ناحية والقوى المعادية للعقل والابداع والحرية من ناحية أخرى. وفي الفصل السادس يتناول المؤلف خطاب التنمية الموارب بين الثروة والثورة بعد هزيمة يونيو 1967، وعلى الأخص بعد رحيل عبدالناصر 1970، تراجعت بالتدريج كلمة ثورة - إلا لدى عدد محدود من الأنظمة والحركات الراديكالية التي تضاءل تأثيرها على النطاق العربي العام - وحلت محلها على نطاق واسع كلمة تنمية سواء في الأنظمة الجمهورية ذات الخلفية المحافظة، أو الرجعية كما كان يسميها الاعلام.. الثوري. ودفعت الهزيمة القومية المعسكرين اللذين ظلا يتصارعان - الى ما قبل شهور قليلة - الى نوع من التقارب والعمل العربي المشترك من أجل تغليب التناقض الأساسي مع العدو القومي على التناقضات السياسية والايديولوجية والطبقية داخل العالم العربي. وقد تمثل هذا التوجه أساسا في التقارب المصري - السعودي الذي بدأ قبل غياب عبدالناصر، وكان موقف الملك فيصل المتفهم في قمة الخرطوم 1967 من الأسباب العملية التي ساعدت على الدفع نحو هذا التوجه. وقد تبلور ذلك في فكر ما بعد النكبة 1967 كدرس من أهم دروسها كما عبر عن ذلك قبيل انتهاء القرن 1998 الدكتور سعد الدين ابراهيم في دراسته علم النكبات العربية حيث تطلبت النكبات العربية علما خاصا بها! ومؤدى ذلك الدرس الذي تعلمه العرب: إن التناقض الأساسي في المنطقة إنما هو التناقض العربي - الاسرائيلي. وإن ما عداه هو تناقضات ثانوية أو فرعية للغاية، وإن الزمن والتفاعلات الداخلية هي الكفيلة وحدها بتسويتها. في ظل هذه المظلة السياسية العربية المتهادنة ذاتيا، سادت أيديولوجية التنمية الجديدة وبرامجها وخططها، وانصب تركيز الاقتصاديين والبيروقراطيين والتكنوقراط الذين مثلوا النخب القائدة للحركة التنموية الجديدة على الجوانب الاقتصادية والتقنية المحضة وعملوا على فصل التنمية عن الايديولوجيات السياسية ما وسعهم ذلك وإن يكن من الطبيعي أن تتأثر جميع خطط التنمية بطبيعة النظم السياسية السائدة. وفي مقارنة ومفارقة عكست طبيعة النقلة بين المرحلتين قالت صحيفة «نيوزويك» الأمريكية في تحليل طبيعة التحول الجديد في المنطقة العربية إن نموذج أحمد زكي يماني وزير النفط السعودي السابق باعتباره نموذج التكنوقراطي الناجح قد حل في طموحات الشبيبة العربية محل نموذج القائد الثوري للمرحلة السابقة. ويختم المؤلف مبحثه المهم والمثير للنقاش والحوار، في الفصل الخامس عشر، وتحت عنوان (لن يكون تقدم إلا بوعي التخلف). بنية المجتمع تستبد بها قبضة الروابط القرابية غير المعقلنة في مختلف المناحي الانسانية، وبنية ذهنية تحكمها حرفية النص والنقل والنزعات التخويفية والاستبدادية والخرافية. ويتشكل مثلث التخلف العربي من: - التخلف المجتمعي المؤدي الى تخلف العمل السياسي وتقليص القدرة الانتاجية. - التخلف الذهني المؤدي الى تخلف الفكر والثقافة والابداع العلمي. - التخلف الأخلاقي المؤدي الى تخلف المسلكيات في التعامل العام والقيم المدنية. هذه بايجاز العلل الثلاث الرئيسية في الواقع العربي القائم. أمين اسكندر