تأتي أهمية هذا الكتاب من مكانة كاتبه ووزنه كمفكر عربي - فلسطيني يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، كما تأتي أهميته من الرؤية الناقدة للتسوية وللسلطة الفلسطينية القائمة، وأخيرا من تجمع مقالات صادرة في صحف ومحاضرات في منتديات للدكتور والمفكر إدوارد سعيد صاحب (الاستشراق)، و(تغطية الإسلام) و(الإمبريالية) و(الثقافة) و(خارج المكان) و(تأملات حول المنفى). وفي هذا الكتاب يقر البروفسور سعيد بأن عدم توازن القوى الذي أجبر الفلسطينيين والدول العربية على قبول التنازلات المفروضة عليهم من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل قد منع قيام مفاوضات حقيقية ودفع إلى معاملة الفلسطينيين كأفراد من الدرجة الثانية. وأهمية مقالاته الواقعة بين دفتي الكتاب المعروضة، إنها توثق الأحداث الفعلية التي تلت توقيع معاهدات أوسلو عام 1993 في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتنقل الظروف التي تزداد سوءا بالنسبة للشعب الفلسطيني. يحدثنا المفكر إدوارد سعيد في مقدمة كتابه عن الصور المضللة والوقائع الوحشية والتي يكشف فيها إن الصورة التي تعطيها وسائل الإعلام (والحكومة الأمريكية) عن التقدم الرائع نحو السلام في الشرق الأوسط تتناقض تماما مع تدهور الوضع في المنطقة، خصوصا بالنسبة إلى الفلسطينيين فيكفي أن نشير إلى أن إتفاق أوسلو وما نتج عنه فاقم البطالة والفقر الفلسطينية وكيف أن الجوانب الأسوأ من الاحتلال الإسرائيلي- وهو الآن الاحتلال العسكري الاطول في القرن العشرين - إستمرت، وتواصلت أعمال مصادرة الأراضي وتوسيع المستوطنات، وكيف أن حياة الفلسطينيين الذين يعيشون ضمن الحكم الذاتي المحدود تحت السيطرة المفترضة للسلطة الفلسطينية تحولت إلى الأسوأ، وإنكمشت الحريات العامة وتضاءلت الآفاق. وتقع مسئولية ذلك كله على الولايات المتحدة التي ترعى ما في عملية السلام من مظالم وإنتهاكات ولإسرائيل التي تستغل ضعف الفلسطينيين لإدامة إحتلالها العسكري وأعمال الاستيطان بوسائل أخرى. فالبطالة في غزة وصلت إلى 60% ، وتبلغ مساحة المستوطنات في غزة 40% من مجموعة مساحة منطقة (الحكم الذاتي) فيما تبلغ مساحة الأراضي المصادرة في القدس والضفة الغربية 75% من المجموع، وكلها مخصصة لاستعمال اليهود دون سواهم وتم تسجيل 96 حالة مصادرة من جانب إسرائيل في الفترة ما بين أكتوبر 1993 ونهاية يناير 1995 ويتناول البروفسور سعيد مسألة الاعتذارات والتعويضات كاشفا النقاب عن تقريرين هامين الأول كتبه ريتشارد رودس ونشرته مجلة نيويوركر في 19 يونيو 2001 عن حياة وأفكار جنرال الجو الأمريكي الراحل كرتس لي ماي، الذي كان يوما من أقوى الشخصيات العسكرية الأمريكية نفوذا، وتقع عليه مسؤولية القصف الجوي الأحراقي لطوكيو، وأيضا التدمير الجوي لشمال كوريا وشمال فيتنام، إذ قتل في البلدين نتيجة القصف نحو ثمانية ملايين نسمة. يبرز التقرير عن لي ماي أنه، بالرغم من سمعته العالية وإعجاب الرئيس كنيدي به، مجرم حرب تدينه كلماته نفسها وشخص متعطش للدم. وتأتي اعترافات لي ماي بوضوح عندما قال بأنه لولا إنتصار الحلفاء في الحرب الثانية لكان واجه المحاكمة كمجرم حرب. وكان ذلك في أعقاب المذكرات المنشورة من قبل مكنمارا وزير الدفاع. أما التقرير الثاني فهو صادر عن حرب 1948 من الصهاينة والعرب وفيها يكشف بن موريس (من المؤرخين الجدد في إسرائيل) زيف الموقف الرسمي الإسرائيلي منذ 1948 إلى الآن وهو موقف يصر على نفي أي مسئولية إسرائيلية عن تشريد نحو 70% من الفلسطينيين، ويدعي أن التشريد جاء نتيجة تعليمات من الجانب العربي ويوضح بن موريس أن القادة الصهيونيين الأرفع، مثل بن جوريون وفايتز، أوضحوا لمسؤوليهم بما لا يقبل الشك ضرورة إجبار العرب على الرحيل وكانت غالبية مؤرخي إسرائيل ودعائييها أسهمت في تزييف هذا السجل والغت منه كل القرائن الاجرامية. وخارج الغرب برزت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومع عملية إنهاء الاستعمار التي شهدها العالم وقتها، الدعوة إلى الاعتراف بالشرور التاريخية (إيمي سيزير في كتابه (خطاب في الكولونيالية) 1955 ليشكل إتهاما شاملا للأيديولوجيا الاستعمارية - وفرانز فانون في آخر كتبه المفديون في الأرض (1961) حيث يكشف أن الأوروبيين تصرفوا في العالم الثالث دون رادع أو ضمير وأخيرا طرح الاقتصادي واكتر رودني في كتابه كيف أفقرت أوروبا أفريقيا 1972 عندما كانت مستعمرة من قبل الاستعمار الأوروبي. في أساس كل ما سبق سؤالان لهما طبيعة رياضية تقريبا، لكن بالطبع لايمكن وضعهما في معادلة بسيطة - هكذا يقول المؤلف - بعد إرتكاب ظلم ما، ما هي المدة، التي تبقي فيها الحاجة إلى التفكير عنه قائمة ؟ وما هي بالكم والكيف طبيعة التعويض ؟ في حال الشعوب الأكثر تعرضا للإضطهاد في القرون الخمسة الأخيرة. هنا تأتي مسؤولية المثقفين السياسيين والفلاسفة والباحثين بقيامهم بدورهم في تحويل تلك القضايا إلى أجندة مطروحة على الضمير الإنساني دائما في الحاضر فالواجب هو الكشف عن الماضي طي الكتمان. من هنا فالمحرقة التي تمت لليهود تهمنا نحن العرب، كما تهمنا قضية إبادة شعب الهنود الحمر واستعمار أفريقيا وما حدث من مجازر في فلسطين لأنها كلها تقع على عاتقنا كبشر يريد الخلاص من كل تلك المخاوف، وكذلك نريد أن تكون ذاكرتنا الجماعية في صحة تامة تجعلها تتوقع حدوث ما وقع في الماضي ولو بأشكال مختلفة. المثقفون والأزمة في خضم الذعر الذي أحدثته حكومات متعددة من الليكود وحزب العمل الإسرائيليين، كان هناك ميلا دائما من قبل بعض النظم العربية للتأسف على حكومة حزب العمل أو حتى الليكود الذي سبق في الحكم،وهي نظره واهمة وهاربة واهمة لأنها تتصور زيفا أن هناك إمكانية أن يأتي حلا، وهاربة لأنها تستريح بالحرب من إمام مفاوضات صعبة عن برنامج أيديولوجي صارم يعتبر الفلسطينيين دائما شعبا تابعا ولا يقدم لهم شيئا في المقابل. وهي نفس النتيجة التي يمكن أن يصل إليها الليكود رغم أن هناك فروقاً في الأساليب والأدوات فارق بين الدبلوماسية والدهاء والغطرسة والقوة والجمود لا فرق في الجوهر. وثمة نقطتان لابد من تسجيلهما. تتعلق الأولى بالوضع داخل إسرائيل، وكيف تجري قراءته وترجمته. والثانية تتعلق بدور المثقف العربي. هناك خياران واضحان ينبغي على المرء الحفاظ على موقف الاستقلال التام والتعبير عن الموقف بصورة تتصادم مباشرة مع السلطة السياسية العربية والإسرائيلية على السواء رافضا قبول تدخل أي منهما في تحديد دوره. إلا أن ما يحدث من قبل بعض السياسيين والمثقفين التابعين للسلطات العربية أو الإسرائيلية هي سياسة البراجماتية ومن الممكن. وفي هذه الحال يقوم المثقف الذي تحددت غايته بالدفاع عن مصالح مختلفة والتأثير في السياسة والإشتراك فيها ويعتقد المؤلف إن هذا النهج يقود إلى الكارثة حيث لا مكان للقيم والمبادئ،نظرا إلى أن المقياس الأول للعمل هو أن تكون فعالا ومؤثرا ومنتسبا للنهج السائد ومقبولا. ويكون من العواقب أيضا أن لا يحدو المثقف في مهمته إحساسه بحقيقة الموقف بل بإعتبارات الممكن وغالبا جدا ما أدى ذلك إلى اخفاء الصفة الذاتية على قواعد السلطة لا على قواعد التفكير والتحليل الأصليين التي تقدم الإجابة. أما الاعتبارات الأكثر دواما على المدى البعيد والتي لا تتصل مباشرة بالتنفيذ وبإنجاح السياسات والمصالح في مجال الممكن فهي التي تأخذ اقل الإهتمام من بعض المثقفين السياسيين. وعندنا في الوطن العربي الكثير الكثير من الصنف الأول والقليل القليل من الصنف الثاني الذي يعمل وفقا للقيم والمبادئ والاعتبارات الأكثر دواما ويعتقد المؤلف أن المثقف المستقل سيعتبر الحالة التي نمر بها اليوم جانبا من المشكلة الأكبر التي هي أن المجتمع الإسرائيلي، إستمر في إنكاره الصارم لماضيه تجاه الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما. والمهمة الثقافية الرئيسية هي مواجهة الضمير الإسرائيلي بالمطالب السياسية والإنسانية الخطيرة للفلسطينيين وهذه تتطلب إهتماما أخلاقيا وثقافيا وفكريا من النوع المتجذر. بعد ذلك يتناول المؤلف قضية المقاومة في الجنوب اللبناني كنهج يستحق التفكير والتأمل والتحليل فبعد إحتلال الجنوب اللبناني من قبل الجيش الإسرائيلي، دام نحو عشرين سنة استخدم فيها كل الممارسات التدميرية، فلا يجب أن ننسى أن الدافع الحقيقي للإحتلال الإسرائيلي لم يكن حماية حدود إسرائيل الشمالية - كما ادعوا - بل كانت هناك أهداف أخرى سياسية دارت في البداية على دحر منظمة التحرير الفلسطينية، ثم على تغيير بنية لبنان السياسية بما يتفق مع إسرائيل ومصلحتها، وأخيرا من أجل الضغط على سوريا لكي تخضع لأوامر الدولة اليهودية، ونجحت إسرائيل جزئيا في تحقيق الهدف الأول وتكلل ذلك عام 1993 بتحويل أبو عمار إلى شريك لإسرائيل في إنهاء الإنتفاضة والسيطرة على الأراضي الفلسطينية أما الهدفان السياسيان الآخران فقد كان مصيرهما الفشل الذريع، كما بينه بوضوح تفكك جيش جنوب لبنان العميل لإسرائيل، وبروز حزب الله بسياسته الناجحة في المقاومة وتوجيه الضربات المضادة وإستمرار رفض سوريا شروط إسرائيل للسلام وإصرارها على الإنسحاب الكامل. الحقيقة إذن هي أن إنسحاب إسرائيل من لبنان كان بوضوح نتيجة مقاومة شعبية باسلة مستعدة للتضحية وتحمل الضربات ولعل ذلك هو الدرس المستفاد لصالح تحرير فلسطين. القاهرة ـ «بيان الكتب»