هي جميلة الجميلات، وفاتنة السينما المصرية، وصاحبة أجمل وجه ظهر على الشاشة كلها ألقاب طاردها بها الجمهور والنقاد كباقات ورد وأطواق ياسمين رداً على تلك المتعة التي شعروا بها وهم يشاهدونها ممثلة وهي ألقاب في الفن - قبل الثورة - كانت توازي ألقاب الساسة وكبار التجار الباشا والأفندي، وفي حين كان الحصول على هذه الألقاب الأخيرة كان بموافقة الملك ومقابل مبلغ من المال فإن ألقاب ليلى فوزي كانت منحة لا ترد من الجمهور تبرز قيمتها كفنانة ومكانتها كنجمة سينمائية. وبمقدار أهمية هذه الألقاب لليلى فوزي فإنها تحمل مفتاح شخصيتها وأسطورتها الفنية المتمثل بالجمال ذي الطراز الخاص فعندما تلقفتها السينما في أوائل الأربعينيات ولم تكن بعد سوى الصبية التي لم تتجاوز النجومية وفتح لها بوابات الشهرة ومنحها تميز واضحا عن النجمات الأخريات في عصرها . في نهاية شهر فبراير عام 1951، بعد الافتتاح الناجح لفيلم «خبر أبيض» بسينما لوكس الذي لعبت بطولته ليلى فوزي أمام المطرب كارم محمود كتبت مجلة «الكواكب» ليلى فوزي بطلة فيلم «خبر أبيض» لماذا اختارها عباس كامل فأجاب عباس كامل : تتبعت النجمة الفاتنة ليلى فوزي منذ اشتغالها بالسينما، وراقبتها في الأفلام العديدة التي ظهرت فيها بعين يقظة حذرة - فأشفقت عليها وعلى الجمال الساحر، والفتنة المتألقة وعلى هذه المواهب الكامنة والمقدرة الخصبة الطبيعية أشفقت على هذا كله من تلك الأدوار الصغيرة التي لا تكاد تظهر هذه الحسنات، وتصقلها، وتقدمها في إطارها الفني اللائق وأيقنت أن هذه المواهب، وهذا الجمال الهادئ، برغم ما يخفيه من ثورة فائرة ينتظر الفرصة السانحة ليقفز إلى المقدمة، ويحتل مكانه الفني المرموق في الصفوف الأولى أيقنت هذا وآمنت به، ولكني كنت عاجزا عن وجود مكان لهذه النجمة الفاتنة، الفرصة الطيبة التي أرجوها لها، وعز علي أن أشركها في أفلامي السابقة إذ لم يكن فيها الدور الذي يناسب شخصيتها، ويتفق مع مواهبها وفي كل فيلم كان الأسف يستبد بي لعدم توفيقي في إشراكها فيه، ولكنني كنت استعين بالصبر وأترقب الفرصة وقد لاحت لي عندما كتبت قصة فيلم «خبر أبيض» فما كدت أشرع في كتابتها حتى رأيت الدور النسائي الأول يتجه في لونه وشخصيته نحو النجمة التي كنت أترقب الفرصة لها فعكفت على تكييف الدور، ورسمه بما يلائم شخصيتها، ويناسب مواهبها الكامنة التي كشفتها فيها وأستطيع أن أصرح وأنا مطمئن، وكلي ثقة بأن الدور الذي تمثله الفاتنة ليلى فوزي في فيلم «خبر أبيض» يعتبر بحق أروع أدوارها، وأقربه إليها كما يعتبر جديداً عليها إنها أي «ليلى فوزي» مجموعة طيبة من الحسنات : ثقافة، وجمال، وموهبة طبيعية، وذهن خصب، هذا كان رأي المخرج عباس كامل فيها وهو يكشف كم الإبهار الذي كانت تلقيه شخصيتها وجمالها في الوسط الفني ولكن السؤال كيف كانت بداياتها وكيف نشأتها ؟ لتكمل لوحة شخصيتها في سبيل الكشف عن دورها الفني بالسينما المصرية!! ولدت ليلى فوزي في عام 1928 لأب مصري يدعى محمد فوزي إبراهيم كانت له تجارة واسعة للأقمشة ولديه محلات لبيعها في القاهرة، ودمشق، واسطنبول وخلال إحدى زياراته إلى مدينة اسطنبول تزوج من لمعان رضا حفيدة عثمان قيصرلي باشا أحد قادة الجيش التركي إبان حكم السلطنة العثمانية وجاء بزوجته للإقامة في القاهرة وتحديداً في حي العباسية . وسرعان ما رزق منها بطفلين محمد، وهالة . وكانت الزوجة تسافر في صيف كل عام إلى اسطنبول لزيارة أهلها وتقول ليلى فوزي : كانت والدتي تحملني في الشهر الثامن وكانت وقتها في زيارتها السنوية لاسطنبول . وأرادت أن تعود للقاهرة لكن زوج خالتي كان طبيبا فرفض أن تركب الطائرة وهي في أيام حملها الأخيرة ودفعها لأن تلدني في اسطنبول . وبالفعل ولدت هناك وبعدها بأيام اصطحب زوج خالتي أمي إلى القاهرة حيث قام والدي بتسجيلي من مواليد القاهرة ولكن الذي اختار أسمي هو جدتي لأمي التركية وخالاتي وبارك والدي هذا الاسم . وبعد ليلى رزقت الأسرة بالطفل الرابع وهو سعيد الذي كان أقرب الأخوة لقلب ليلى . وكانت الأسرة تعيش حياة رغدة لانتعاش تجارة الأب والذي كان يمتلك ارضا زراعية كثيرة بالقرب من دمنهور وبدأت الأسرة تنتقل إلى الأحياء الراقية فانتقلت من الإقامة بالعباسية إلى حلوان ثم إلى المنيل حيث كانت تعيش العائلات الشهيرة والثرية فقط وانتهى بهم المطاف في شارع قصر النيل فوق البنك العربي بقلب القاهرة . وكان جديرا بأسرة لها ثروة كبيرة في ذلك الوقت الأم فيها تركية أن تربي أبنائها بالشكل الأرستقراطي المعروف لدي العائلات المصرية القديمة وتقول ليلى فوزي عن طفولتها : «كان الأب والأم يتبادلان معنا مواقع الحزم واللين . يلبيان ما نريد ولكنهما يمليان علينا السلوك الذي يجب أن نعيشه فكان السهر ممنوعا ومحرما علينا وكذلك الجلوس مع الضيوف في الصالون علينا فقط أن ندخل إذا طلبت ماما لنقبل الآيادي ونسلم وننصرف فوراً . وكنا لا نخرج بمفردنا إلا في عربة الوالد الحنطور التي يجرها حصانان وكان بالبيت بيانو ويأتي لنا مدرس ليعلمنا عليه أسبوعيا . وكنا نتجمع حول الراديو لسماع حفلات أم كلثوم وهذا جعلني أحفظ أغانيها كاملة . وفي الصيف كنا نسافر إلى اسطنبول لنعيش عالم آخر به نفس الصرامة في التقاليد ولكن مع شيء من الدلع عند أهل أمي . فكانت جدتي تحبني جداً وتظل تحكي لي بالساعات « ولا شك أن هذه الحياة شكلت شخصية ليلى فوزي التي ستعرف بها في السينما حيث برزت في العديد من الأدوار الأرستقراطية . وفي الخامسة من عمرها ألحقها الوالد مع شقيقتها هالة بمدرسة الراعي الفرنسية للراهبات وتقول ليلى : أحببت سريعاً المدرسة . فكانت اعدادنا في الفصل قليلة . والأطفال من كل الجنسيات منهم الفرنسي والإيطالي والإنجليزي. وهذا جعل عقلي يتفتح سريعا فكنت أتحدث في البيت مع ماما تركي . وفي المدرسة فرنسي ومع زملاء المدرسة إنجليزي وإيطالي ومن المواقف الطريفة أنني كنت معروفة بصوتي الجميل في المدرسة فكانت زميلاتي يأخذنني للكنيسة في الإجازة معهن لأرتل لهن فعرفت والدتي فمنعتني عن ذلك حيث جلست تفهمني الإسلام بهدوء . وكانت الراهبات والمدرسات يحببني جداً لجمالي وكن يعاملنني بتميز عن زميلاتي وهو ما كان يجعل الجميع يغير مني». وتعود ليلى فوزي بذاكرتها إلى أيام التلمذة وتقول « كان مستواي متوسط ولكن أحب الحساب وكنت أعشق الرسم والغناء والتمثيل وفي نهاية العام الدراسي قدمت المدرسة مسرحية شاركت في بطولتها وحضرها والدي الذي أخذ يصفق لي طويلاً واحتضنني بعد نهاية العرض» لكن هذا الأب ذو التقاليد الشرقية التي كانت ترى أن التمثيل مجرد تشخيص وإهانة وسبة لم يكن يعلم أن طفلته هذه ستصير من أهم نجمات السينما العربية بعد أعوام قليلة !! كان الفن يتسلل لوجدان ليلى فوزي الطفلة ويمتلك حواسها فكانت تقلد الممثلين وعندما عرضت صديقة للأسرة على الوالد أن تعمل ابنته في التمثيل ثار وغضب واعتبر كلامها إهانة واستحقت منعها من دخول البيت مرة أخرى لكن الأب لاحظ أن طفلته تأخذ موضوع التمثيل على محمل الجد فتتابع المجلات الفنية وتقص إعلانات الوجوه الجديدة فعاقبها بالحبس الانفرادي في غرفتها ومنع عنها المجلات والجرائد . وشعر الأب أنه على حافة أزمة مع ابنته هذه وهو الرجل التاجر العريق الذي لا يمكن أن يضحي بسمعته في السوق من أجل أن يلبي رغبة ابنته فكان مضطراً لهذه القسوة وأن يحيطها بسياج من الخوف لم تكن تعتاده الصغيرة وتقول ليلى عن والدها : «والدي كان ممشوق القوام يمشي يوميا لمدة ساعة ويحب الغناء وله أصدقاء عديدون وفي البيت كان يدللننا كثيراً وعندما ندخل غرف نومنا وتنشغل والدتي بتنظيف البيت يجلس في حجرته بمفرده ليقرأ أحدث الكتب فقد كان مثقفا لكنه ورث نظرة المجتمع في عصره للفن وللتمثيل عموماً فكان الممثل قليل الشأن وسمعته على كل لسان وكان منبوذا من العائلات الكبرى وأذكر أن والدتي دخلت غرفتي يوما فوجدتني أهذي وأقوم بحركات غريبة فتصورت إنني مريضة خاصة إنها وجدت حرارتي مرتفعة فأخذتني على الفور للطبيب وعندما حكت له ما حدث وأخذ الطبيب يتفحصني ويسألني قال لها : ابنتك سليمة هي كانت تمثل فقط . فصرخت فعلاً يا دكتور أنا أريد أن أكون ممثلة فعنفتني والدتي وأخفت الموضوع عن والدي خوفاً من غضبه وثورته. لكن الأمور اختلف ترتيبها وبدأت الوقائع تعمل لصالح الطفلة ليلى فوزي لتحقق لها حلمها في بداية الأربعينيات فماذا حدث بالضبط وكيف دخلت ليلى بوابة الفن؟ حلقات يكتبها: محمد سليمان
ليلى فوزي حكاية العمر.. تحدثت في طفولتي أربع لغات، تعلمت البيانو وأحببت الرسم وعشقت التمثيل ـ الحلقة الأولى
