على الرغم من التطور الكبير الذي طرأ على تايوان، يحاول اهالي جزيرة الأوركيد التايوانية الزاخرة بالجبال والوديان ان يحافظوا على شكل حياتهم التقليدي. وجزيرة الأوركيد موطن لشعب التاو وهو احدى تسع مجموعات عرقية تشكل بمجموعها السكان الاصليين لجزيرة تايوان. ويتحدث التاو لهجة محلية خاصة بهم كما تميزهم قوارب الكانو البحرية التي تستخدم لصيد السمك. وقد اخذت جزيرة الاوركيد اسمها من هذه الزهرة التي تنمو بشكل طبيعي فيها. وتبعد عن البر التايواني إلى الجنوب الشرقي حوالي 44 ميلاً بحرياً وتبلغ مساحتها 45 كيلو متراً مربعاً. وقد شهدت الجزيرة وأهلها تطوراً كبيراً على مدى السنوات الماضية حيث غزت وسائل الراحة تدريجياً كل انماط الحياة فيها. هذا التطور جعل الملابس التقليدية على سبيل المثال محصورة بعدد صغير من كبار السن، فيما لا تظهر بشكل كبير إلا في الاعياد والمناسبات الاجتماعية الشعبية التي يحرص التاو على اقامتها. وتشتهر هذا الجزيرة البركانية بسحرها الطبيعي، حيث تبهر زوارها بجمال جبالها البكر التي تنحدر باتجاه السواحل. ويعتبر اكبر طرقات الجزيرة الذي يصل بين ستة قرى هي كل سكانها ويمتد 38 كيلو متراً نزهة ممتعة جداً بين احضان الطبيعة. وتحيط بالجزيرة التي يسكنها 3 آلاف نسمة، حيود مرجانية تجد اقبالاً شديداً من عشاق الغوص. وهذا ما يجعل الفنادق والشركات السياحية العاملة في الجزيرة تحرص على تنظيم رحلات للغوص مستفيدة من الجروف الصخرية المغمورة بمياه البحر. والشيء الثاني الذي يجذب السياح للجزيرة هو مخزونها الغني من المأكولات البحرية. فأم الربيان على سبيل المثال هي من الاحياء البحرية التي تكثر في مياه الجزيرة، حيث يقوم الاهالي بصيدها لاي سائح يطلبها منهم ويريدها طازجة. وفيما توفر السياحة دخلاً طيباً للاهالي، فإن المخاوف بدأت تتزايد من ان يؤثر ذلك على البيئة الطبيعية جداً التي تميزها. لكن فئة من ذوي الاهتمام يقولون ان هذه المخاوف مازالت سابقة لاوانها ذلك ان الجزيرة مازالت منعزلة نسبياً امام وفود السياح باعداد كبيرة. فالرحلة البحرية في تايوان تستغرق ثلاث ساعات ونصف الساعة وقلة من القوارب تعمل بشكل منتظم. ولا توجد سوى شركة طيران واحدة تعمل بين الجزيرة وتايوان حيث توفر يومياً 10 رحلات خلال الموسم السياحي ولا تحمل كل رحلة اكثر من 20 مسافراً. اول ما يلفت نظر السائح للجزيرة هو جمالها الطبيعي وثقافة التاو. لكن لماذا يقول من يزورونها مرات عديدة ان جمالها يتراجع في كل مرة يأتون اليها؟ يقول احدهم بعد ان زارها حتى الآن 12 مرة: «المنازل الاسمنتية الجديدة تبنى بطريقة عشوائية. انها تبدو نقيضاً صارخاً للمكان. وانا استغرب من عدم وضع الحكومة لخطط خاصة بالبناء تبرز الشكل الفريد للثقافة المحلية». كانت المنازل الخشبية التقليدية تبنى جزئياً تحت مستوى سطح الارض. لكن الحكومة المحلية تعطي الاهالي الآن معونات لبناء مساكن حديثة دون ان تضع مواصفات خاصة للابنية الامر الذي سمح بظهور الابنية العشوائية حسب رغبة من يبنيها. لكن ادارة المنتزهات الوطنية التابعة لوزارة الداخلية ترفض تحمل كل اللوم عن ذلك حيث تقول ان ادارة البناء والتخطيط التابعة للوزارة قد عرضت عام 1985 خطة على الحكومة المركزية لتحويل الجزيرة بأكملها إلى منتزه وطني يحميه القانون. وقد عملت الحكومة بين عامي 1988 و1993 على توفير موازنة للمشروع وعرضت على الاهالي مساعدات مالية إلى جانب مكتسبات عديدة اخرى مقابل حماية بيئة جزيرتهم وتطويرها. لكن السكان المحليين رفضوا تحويل جزيرتهم إلى منتزه وطني لعدم ثقتهم الكبيرة بالحكومة المركزية. واحد اسباب فقدان الثقة هو قرار اتخذته الحكومة بالسماح لشركة الكهرباء التايوانية الحكومية بتخزين نفايات نووية على الجزيرة والتي بدأ شحنها إليها عام 1982. ومع ان اي حالة تسمم او تلوث لم تظهر ابداً، الا ان الاهالي قالوا ان مثل هذا القرار يظهر بجلاء عدم اكتراث الحكومة بالجزيرة وسكانها. وقد قررت الحكومة انهاء شحن النفايات النووية هذا العام بعد الاحتجاجات العنيفة ضد هذا السلوك. لكن هذا القرار لم يرح السكان بعد لان التنفيذ لم يبدأ ولانهم يعتبرونه مجرد محاولة من الحكومة لكسب الوقت. وهذا التشكك تجاه الحكومة يمتد احياناً ليطال زوار الجزيرة. فقد برز الكثير من المشاكل بين الاهالي المحليين والسياح القادمين من تايوان نتيجة حساسية الاهالي للغرباء. حيث يتعامل الزوار بفضول كبير مع عادات الاهالي وخصوصاً منازلهم التقليدية وهذا ما يثير حفيظتهم من انوف السياح التي تدس في كل مكان. ومع ان احداً لا يستطيع الزعم بأن على اهالي جزيرة الاوركيد عدم قبول محدثات الحياة وتطورها للحفاظ على ثقافتهم وبيئتهم كما هي، فإن من المؤكد ان حماية هذا التراث وهذه الطبيعة يظل ايضاً امراً حيوياً لمعيشتهم ومعيشة ابنائهم. جلال الخليل