اكد الدكتور محمد سليم العوا ان اتهام الفكر السياسي الاسلامي بالجمود وسعيه الى استعادة الخلافة الاسلامية في غير محله، حيث ان اساس الولاية في الاسلام الشورى والتولية الابدية ليست لازمة، جاء ذلك خلال المحاضرة بعنوان «الفقه الاسلامي من التقليد الى التجديد» ألقاها بمقر ندوة الثقافة والعلوم بدبي، وقدم لها الدكتور سعيد حارب عضو مجلس ادارة الندوة وبحضور النائب العام ابراهيم بو ملحة ورئيس الندوة وحشد من المتخصصين بالفقه الاسلامي والمثقفين والاعلاميين، وفيما يلي عرض شامل لمحاضرة الدكتور العوا: في مستهل كلامه اشار د. العوا الى الحديث الذي رواه ابو داود وغيره ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ان الله يبعث لهذه الامة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها». وتجديد الدين ـ عند العلماء الثقات ـ معناه احياء ما اندرس منه، وتوجيه الناس الى العمل بما ترك من شعائره، والصحيح ـ عندهم ـ ان المجدد لا يتعين ان يكون «واحدا» في كل قرن، وانما يجوز ان يتعدد المجددون، وقد قرروا ـ ايضا ـ ان هذا كما يكون في «الدين» يكون في العلوم المختلفة، لان القصد هو الا يتوقف الابداع البشري عن العمل، بالجمود على آراء السابقين واقوالهم، او بالاكتفاء بما حققوه من تقدم نظري وعملي في عصورهم. وقال لا يتحقق هذا المطلوب شرعا ـ في المجال الفقهي ـ الا بقيام كل جيل من اجيال المسلمين بأداء واجب الاجتهاد الذي به يعرف المسلمون حكم شريعتهم فيما يحدث من وقائع لا يتناولها صريح النصوص القرآنية او النبوية. وقد قام العلماء ـ ولا يزالون يقومون ـ بهذا الواجب فعلا. فلا يخلو بلد من بلاد الاسلام من أئمة هداة يلجأ الناس اليهم مستفتين اياهم في مختلف شئون الحياة فيجدوا عندهم الجواب الشافي المبني على النظر في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وبهذا يستمر العطاء متجددا في كل زمان ومكان. وقد حملت الصحوة الاسلامية اعدادا لا تحصى من المسلمين، وغير المسلمين، في بلاد الاسلام وفي غيرها من بلدان الدنيا، على متابعة الشأن الاسلامي متابعة دقيقة للتعرف على مصدر هذه الروح السارية في امة ظن اعداؤها منذ قرنين او اكثر انها قد ماتت ولم يبق فيها امل في نهضة او رجاء لصحوة. وانتجت الصحوة الاسلامية تيارات متنوعة: منها المتشدد الجافي، ومنها الميسر المعتدل، ومنها ما ركب اتباعه متن الغلو والعنف في الفكر والعمل، ومنها ما حمل اصحابه انفسهم على الجادة فجمعوا بين العلم الصحيح والعمل به والدعوة اليه. وقد ووجهت الصحوة الاسلامية بوجه عام، وتيار مشروعها الحضاري بوجه خاص، بأسئلة متكررة عن الاجتهاد والتقليد، وعن مكان النظم السياسية العصرية من هذا المشروع، وعن المرأة والاسرة هل نعيدهما الى «عصر الحريم» والبيت المغلق، ام نقبل ما صنعته بهما الحضارة المتحللة من قيم الدين والخلق، ام ان هناك طريقا وسطا في هذا الامر نتجنب به رذيلتي الافراط والتفريط؟ وعن النظم التي عرفها المسلمون في تاريخهم القديم، هل هي ملزمة لكل المسلمين في الدنيا كلها، ام انها اجتهادات بشرية لتحقيق مصالح الزمان والمكان يجوز لنا ـ او يجب علينا ـ ان نجتهد مثلها لتحقيق مصالح زماننا وأمكنة وجودنا؟ وعن غير المسلمين في علاقاتنا بهم سواء منهم الذين يعيشون في بلدان اغلبية اهلها مسلمون والذين يعيشون خارج هذه البلدان في اقطار هم غالبية اهلها؟ وعن النظم المحدثة لحماية حقوق الناس وحرماتهم وحرياتهم، هل نقبلها لانها نافعة للناس محققة لمقاصد الشرع، ام نرفضها ونعاديها لانها من مكتشفات الحضارة الغربية او مبتكراتها؟ ويرى د. العوا انه لم يكن موقف العاملين للمشروع الحضاري الاسلامي من هذه الاسئلة ولا من الاجابة عليها واحدا، وهذا الامر طبيعي في دين يقوم على الاجتهاد المستمر، ويجعل للمجتهد المخطيء اجرا وللمجتهد المصيب اجرين، وهو امر طبيعي في دين وسعت صدور علمائه ودعاته وأئمة الهدى فيه تعدد المذاهب الفقهية، وتنوع الآراء داخلها، دون ان يؤدي ذلك الى فرقة او فتنة او حروب او انقسامات طائفية. (صنعت بعض ذلك ـ او كله ـ السياسة ولكن لم يصنعه الفقه). ومما يجدر التنبيه اليه ان هناك فارقا كبيرا بين واجب الاجتهاد الذي يقع على العلماء المؤهلين له، وبين الجرأة على الدين التي يقع فيها كثير من الشباب الذين لا يحسنون قراءة نص عربي، ولكنهم يقتحمون بلا خجل ادق المجالات الفقهية فيحللون ويحرمون بغير علم ولا هدى ولا كتاب مبين. وهناك فارق بين الاجتهاد الذي يقوم به اهله، وبين الآراء السطحية الفجة التي يبثها بعض ذوي المناصب والالقاب ممن عرفوا شيئا وغابت عنهم عشرات الاشياء او مئاتها، فهؤلاء لا يجوز قبول قولهم ولا العمل به ولا تقليدهم فيه، ان جاز التقليد لاحد اصلا. وقد عانى المسلمون طويلا من إحجام كثير من المؤهلين للاجتهاد عن القيام به بسبب الدعوى الباطلة التي نادت بأن باب الاجتهاد مغلق، ولكن اعتقاد استمرار الاجتهاد لا يعني ان يترك لكل انسان ان يقول في الدين ما شاء وكيف شاء، بل ان العلم الديني تخصص ـ شديد الدقة والعمق ـ لا يحل لاحد ان يقول فيه الا اذا كان مؤهلا لذلك تأهيلا يقبله المجتمع العلمي. وفارق ما بين التأهيل للقول في العلم الديني وبين التأهيل للقول في التخصصات الاخرى هو ضرورة شهادة العلماء لمن تصدى للقول في الدين بأنه يصلح لذلك. فلا تكفي هنا الشهادة الجامعية، مهما علت، ولا الدرجة الوظيفية، مهما تكن رفيعة، فكم من اصحاب هذين او أحدهما، لو عرض على قاض عادل لرد شهادته وأسقط عدالته، وكم منهم لا بصر له بالادلة وترتيبها وكيفية فهمها فضلا عن القدرة على الاستنباط منها. والاجتهاد الذي نعدو اليه، هو اجتهاد العلماء القادرين على ذلك، الذين يؤخذ من قولهم ويرد عليهم ـ شأن العلماء جميعا على مدى التاريخ ـ ولكنهم لايتهمون في دينهم او اخلاصهم او ورعهم او علمهم، ولايبيعون دينهم بدنيا غيرهم، ولا يبتغون بما يقولون ويفعلون رضاء الخلق ولو جلب عليهم سخط الرب سبحانه وتعالى. والاجتهاد الذي ندعو اليه هو الاجتهاد الذي يسير على مناهج الاستدلال والبحث التي قبلها المسلمون على امتداد تاريخهم، لا الاجتهاد الذي يتحلل صاحبه من كل قيد، ويرفض كل قديم، ويتبع هوى نفسه واعراض فؤاده، او مصالح قريبة زائلة له او لمن يسترضيهم بما يقول، فذلك ليس من الاجتهاد في شيء، وفاعله مأزور لا اجر له، وقد رأينا من هؤلاء من يحتل اعلى المناصب الرسمية والناس لا يأبهون لقوله ولا يتعلقون بفعله، بل يهملونه عامدين ويأخذون عن الذين يظنون انهم يتقون الله في القول والعمل ويراقبونه في السر والعلن. وأوضح الدكتور العوا ان الفقه الاسلامي هو العمل البشري لمحاولة فهم النصوص الالهية التي يتضمنها القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية. وفي ضوء هذا الفهم وحدوده يتم تطبيق تلك النصوص في الواقع العلمي. وقد عرف العلماء الفقه بأنه «العلم بالاحكام الشرعية العملية علما مستمدا من الادلة التفصيلية لهذه الاحكام». واشترطوا في الفقيه، الى جانب المعرفة العلمية المتميزة، معرفة متميزة بالواقع الذي يعيش فيه، ويفتي الناس، او يقضي بينهم، أو يعلمهم، في ظل ظروفه وأوضاعه. واهتموا بهذا الشرط حتى منعوا من الافتاء من لا يحسن معرفة الواقع ويحيط بالاعراف القائمة فيه. وعبّر عن هذا الاهتمام أحسن تعبير الامام شهاب الدين القرافي (المالكي المصري) حين قال: «فمهما تجدد العرف اعتبره. ومهما سقط أسقطه. ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل اذا جاءك رجل من غير أهل اقليمك يستفتيك لا تُجْره على عرف بلدك، وأسأله عن عرف بلده وأجْرِهِ عليه وأفته به، دون عرف بلدك والمقرر في كتبك. فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبداً ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين». والمختصون في تاريخ الفقه الإسلامي وتطوره يقررون انه مرّ بأدوار ثلاثة: أولها: دور الاجتهاد المتحرر من كل قيد سوء الالتزام بالكتاب وصحيح السنة. ثانيها: دور نشأة المذاهب الفقهية الكبرى وتميزها ونسبتها الى أصحابها الذين أسسوها، ثم تدوينها في المصنفات الفقهية المذهبية. ثالثها: دور التقليد الذي قعدت فيه الهمم عن الاجتهاد، واكتفى المنتسبون الى العلم الشرعي بتقليد الأئمة واصحابهم وتلاميذهم ونقل أقوالهم وفتاواهم، وبالغ بعضهم فجعلها أصولا يقاس عليها وأدلة يحتج بها. وهذا أو ذاك لا يصح الا في نصوص الشرع التي مصدرها الوحي. ثم يصف بعض أهل العلم بهذا التاريخ دورا رابعا في العصر الحديث يسمونه دور الاحياء أو دور النهضة الفقهية المعاصرة. ويرصد المتابعون للحركة الفقهية الاسلامية مئات الادلة على بدء هذا الدور الجديد وعلى كسبه كل يوم أرضا جديدة بين علماء الامة ومفكريها حتى لم يعد أحد، ممن يعتد بقوله ويؤبه لرأيه، يذهب في شأن التقليد ولزومه، والاجتهاد ومنعه، مذهب الاجيال المقلدة من الفقهاء الذين حجّروا ما وسعه الله على خلقه فمنعوا الاجتهاد وحملوا على من دعا اليه أو مارسه، وزعموا اغلاق بابه دون سند من الشرع أو العقل. ولكن هذا الدور من أدوار الفقه الاسلامي لا يستطيع ان يبلغ مداه، ويؤتي أكله، فتحصد الامة ثماره فهما للشريعة يلائم متطلبات العصر، الا اذا تأصلت مدرسته الفكرية بين العلماء وطلاب العلم، والدعاة والمفكرين، والحركيين الاسلاميين سواء بسواء. وأكد المحاضر انه ليس ممن يقولون باهمال الفقه المدون على اصول المذاهب الاسلامية كلها بثرائه وتنوعها، بل انا ممن يرونه ثروتنا القانونية التي لا تماثلها ثروة أمة اخرى. ولكنني أقول: ان كثيرا من المسائل التي تقع للناس اليوم تحتاج الى اجتهاد جديد يؤدي دوره في تيسير تطبيق الشريعة الاسلامية على واقع الناس، وفي تقريب العباد الى الله سبحانه وتعالى بتشجيعهم على طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ولا يكون ذلك الا باستصحاب قواعد الاجتهاد الاصلية ومن أهمها قاعدة ضرورة المعرفة بالواقع مع المعرفة بالنصوص، وقاعدة مراعاة المقاصد التشريعية وعلل الاحكام حتى يكون تنزيل النصوص على الواقع تنزيلا عن بينة وبصيرة، يلائم بين حاجات الناس ويبين الرأي الفقهي أو التشريعي، كما فعل الصحابة والتابعون وأعلام الفقه المجتهدون على امتداد قرون المجد العلمي الاسلامي، وكما فعل أفذاذ العلماء في كل عصر على طول التاريخ الاسلامي كله. ولا يكفي ان يكون في كل جيل واحد أو اثنان من العلماء العاملين الذين يعرفون الحق ويبينونه للناس ولا يكتمونه، بل يجب ان يكون القائمون بذلك ـ من حيث عددهم وكفايتهم وتأهيلهم وتأثيرهم ـ جمعا كافيا لتحقيق أمرين: البيان العلمي والديني، والتغيير الاجتماعي والسياسي. لأن هؤلاء هم أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذين يعرف الناس بهم الحق من الباطل ويميزون الخبيث من الطيب. وقد أمر الله تبارك وتعالى ان تكون من المؤمنين «أمة» يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. والأمة جماعة لا فرد ولا اثنان. وهي جماعة كافية لأداء الواجب، والا أثمت الأمة كلها بقعودها عن أدائه. وهؤلاء العملاء العاملون هم المدعوون ـ في كل جيل ـ الى بيان جديد، يحقق الملاءمة بين ثوابت الشرع ومتغيرات الزمان والمكان، نصحا منهم لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة الناس وعامتهم. وأصل الاجتهاد مقرر في الشريعة بفعل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وبأمره أصحابه بالاجتهاد في حضرته، وباقراره اجتهاد من اجتهد منهم في غيبته، ووقائع ذلك مذكورة بالتفصيل في كتب أصول الفقه وفي كتب تاريخ التشريع وفي كتب عديدة خصصها مؤلفوها لموضوع الاجتهاد دون سواه. ولعل من أقوى الادلة على مشروعية الاجتهاد الحديث الصحيح ـ بل المتفق عليه ـ الذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لعمرو بن العاص: «اذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر». وقد كان الحديث وأشباهه في المعنى من أعظم الدواعي الى نشوء تلك الثروة الفقهية العظيمة عند المسلمين، والى ممارسة الاجتهاد الفردي، على طول التاريخ، طمعا في الأجر أو الأجرين. وأشار د. العوا الى انه في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري نشأ القول بمنع الاجتهاد وعرفت المسألة باسم «قفل باب الاجتهاد». وقيل بعد ذلك بوجوب التقليد مطلقا دون تحديد من الذي يجب تقليده من العلماء.. ثم تطور الأمر الى القول بوجوب تقليد واحد من الأئمة الاربعة: وواجب تقليد حبر منهم كما حكى القوم بلفظ يفهم! بل قال بعض الغلاة من المقلدين: ان التقليد واجب لإمامهم وحده دون سائر الاربعة المتبوعين!! وعلى الرغم من ان مسألة القول بقفل باب الاجتهاد لم يرد فيها نص من الكتاب ولا السنة، فقد لجأ اليها القائلون بها من العلماء لأسباب من أهمها: تدوين المذاهب وتكامل نصوص مؤسسيها واتباعهم، والضعف السياسي الذي أصاب هيكل الدولة الاسلامية فتفتت الى دويلات متنافسة، وتولية القضاء لأتباع المذاهب فشاع تقليدها طمعا في الولاية الدنيوية. وأهم من ذلك كله ان العلماء وجدوا من لم يتأهلوا للاجتهاد يدّعون انهم مجتهدون ويفتون الناس بآرائهم (كما يحدث اليوم في بقاع كثيرة من الوطن الاسلامي) فأرادوا سد الطريق أمام هؤلاء فقالوا بقفل باب الاجتهاد، بل قالوا ان هذا محل «اجماع»! فلم يكن الذين قالوا بمنع الاجتهاد من اعداء الأمة أو اعداء الدين ـ كما يقول بعض الكتاب العصريين ـ ولكنهم كانوا فقهاء أرادوا تحقيق هدف نبيل لكنهم أخطأوا الطريق اليه. أرادوا منع أولئك المدعين من اضلال العباد باجتهادهم المزعوم، وأخطأوا بادعاء ما ليس لهم ان يدّعوه. ومع ذلك فإن هذا العمل لم يمنع في كل عصر من الاجتهاد في الجديد من الوقائع التي تعرض عليهم. وكتب الفتاوى في المذاهب مختلفة، وكتب الفتاوى التي لا يلتزم اصحابها مذهبا بعينه، دليل حي على ذلك. وبين ان الاجتهاد الذي أمرت به نصوص عديدة من القرآن والسنة معناه بذل الفقيه المؤهل جهده في الوصول بالنظر في الأدلة الشرعية الى حكم ما يعرض له من مسائل. والعقول متفاوتة في استخلاص المعاني من النصوص، ومتفاوتة في ادراك المصالح والمفاسد والمنافع والمضار، وهي لذلك تصل الى نتائج متباينة في الظرف الواحد، وهي تنظر في مرجعية واحدة من نصوص الكتاب والسنة، وترمي الى تحقيق هدف واحد هو تحصيل المصلحة ودرء المفسدة. والخلاف الذي يقع لهذه الاسباب لا ضرر فيه ولا بأس على الناس منه، إنما الضرر كل الضرر في التعصب للآراء والافكار والمذاهب والفتاوى تعصبا يجعل أصحابها يظنون انهم يحتكرون الحقيقة وحدهم، ويملكون مفاتيح الحكمة التي حرم من مثلها غيرهم، ويصيبون دائما دون سواهم. وهذا التعصب المذموم ينتقده الأئمة الأعلام على مر العصور، فقد حفظ الناس من كلام الامام أبي حنيفة النعمان ـ رحمه الله تعالى ـ انه سئل عن قوله: أهو الحق الذي لا ريب فيه؟ فقال لسائله: «والله لا أدري لعله الباطل الذي لا ريب فيه». وحفظوا من كلام إمام دار الهجرة مالك بن أنس ـ رحمه الله ـ قوله: «إنما أنا بشر أخطيء وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه». وكان الامام الشافعي ـ رحمه الله ـ ينهى عن تقليده وتقليد غيره. وكان الامام احمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ يقول «لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الاوزاعي ولا الثوري، وخذ من حيث أخذوا». أي من الكتاب والسنة. وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون من بعدهم، ثم العلماء المجتهدون يختلفون في الرأي، ويناقش بعضهم بعضا، فإن اتفقوا بعد المناقشة فرحوا بذلك، وإن لم يقنع أحدهم صاحبه لم يكن لذلك من أثر في تقدير أحدهما للآخر، واحترامه إياه والتماسه العذر له فيما يختلفان فيه، بل كان بعضهم يؤنب من يسأله في مسألة خلافية، فقال الشافعي لرجل سأله عن مسألة خلافية بينه وبين ابي حنيفة: «أتريدني ألا أصلي خلف أبي حنيفة؟» وقال احمد بن حنبل في مثل هذا الموقف «أولا أصلي خلف مالك وسعيد بن المسيب؟» وكفى بذلك تقريعا لمثيري الفتنة وباعثي الخلافات بعصبية وضيق أفق. وطالب المحاضر بالعودة الى الاجتهاد المشروع، والدفاع عن حق العلماء ـ بل عن واجبهم ـ في ممارسة تقضي على داء التعصب الذميم وتفتح الآفاق التي تعيد الى الناس الشعور بسماحة الاسلام واتساع نظرته الى الحق في البحث والتفكير والتعبير، وهو حق يقابله مقابلة حتمية الاعتراف «بالحق في النقد والرد والتعقيب والمناقشة» ومن خلال الفعل ورد الفعل تتضح الحقيقة، ويختار كل انسان على بصيرة ما يقبله ويرده من أقوال القائلين وآرائهم. ومن المفاهيم الشائعة بين قطاع عريض من الحركيين الاسلاميين ان «كل استفتاء للاسلام في قضية لم تنشأ من تطبيق النظام الاسلامي، والاسلام كله مطرود من الحياة، كل استفتاء من هذا النوع، هو سخرية من الاسلام، والرد على هذا الاستفتاء مشاركة في هذه السخرية». وهذا المفهوم يكمله ـ عند أصحابه ـ قولهم: «ان الاسلام غير مسئول عما آل اليه حال الناس اليوم في مختلف شئون حياتهم ويوم يُحكم الاسلام في الارض فإن جميع الاوضاع الظالمة والخاطئة سوف تنتهي بجرة قلم». والشق الوحيد الصحيح في هذا المفهوم ان الاسلام غير مسئول عما آل اليه حالنا من ضعف وهوان وأزمات خانقة في كل مجال. بل ولعل الصحيح ان تركنا للاسلام، وهجرنا للعمل بكتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هما المسئولان الرئيسيان عما نحن فيه اجمالا وتفصيلا. ولكن ترك الرد على السائلين عن حكم الاسلام في شئون الحياة، والاعتقاد بأن الاسلام ـ حين يمكّن له في الأرض ـ سيلغي «بجرة قلم» جميع الاوضاع الخاطئة، هاتان الفكرتان تحتاجان الى مراجعة. ولقد تدبرت صنيع الاسلام نفسه ـ وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله ـ فلم أجده أرجأ البيان عن وقت الحاجة اليه، بل وجدت علماءه وفقهاءه قد تنبهوا الى هذه الحقيقة فصاغوا منها شطر قاعدة فقهية تقول: «السكوت في موضع الحاجة الى البيان بيان» بعد ان صنعوا ـ او اكتشفوا ـ قاعدة مؤداها «ان تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز». وفي الوقت نفسه لم اجد الوحي الرباني ابطل كل ما كان قبله من الاوضاع والنظم، بل تعامل الوحي مع واقع الناس ـ وهم اهل الجاهلية ـ تعاملا اصلاحيا. فأبقى من نظمهم وتقاليدهم وأعرافهم وعاداتهم ما كان صالحا، او ما لا فساد فيه ـ وفي واقع كل قوم اشياء صالحة ـ وغير او ألغى او عدل او بدل، ما كان فاسدا. وشرع في مقابل كل نظام ألغاه، او عرف ابطله، او وضع غيره او بدله، تشريعا يصلح به حال الناس وتسهل معايشهم. لذلك رأيت انه مع التسليم التام بأن الفساد الذي يعم الارض او يكاد ليس من صنع الاسلام ولا يحمل الدعاة المسلمون تبعته، فإنه من الضروري ـ في الوقت نفسه ـ ان يكون تغيير هذا الفساد احدى المسئوليات الرئيسية للمفكرين والمجتهدين والدعاة والهداة الاسلاميين وهذه الضرورة اكثر وجوبا على اولئك المهتمين بتقديم المشروع الحضاري الاسلامي باعتباره مشروع الامة كلها ـ مسلميها ومسيحييها ـ للاستقلال في وجه التبعية وللنهوض في وجه التخلف، ولتحقيق الذات في وجه التغريب المستمر، ولاسترداد الحقوق المادية والمعنوية، للأمة كلها، في وجه محاولات التهوين من شأنها بالصمت المريب على العدوان المستمر عليها، او بالصداقة مع المعتدين والترويج للتطبيع معهم! ولا يتأتى اداء هذا الواجب على العلماء والدعاة والمفكرين الاسلاميين دون تبيين كلمة الاسلام ـ التي هي حكمه الشرعي ـ في قضايا الحياة. ومن الحديث الذي يتكرر يقول د. العوا في كل ملتقى اسلامي تثار فيه مسألة الاجتهاد الديني والتجديد الفقهي قول بعض الباحثين والمتابعين: ان علماء العصر يتحدثون حديثا نظريا عن ضرورة التجديد الفقهي، وعن استمرار الاجتهاد الديني، ولكنهم لا يمارسون ـ في الواقع العلمي ـ هذا الاجتهاد ولا ذلك التجديد. ويقال عادة ـ في انتقاد العلماء انتقادا اقرب الى التقريع والتوبيخ منه الى التذكير والنصح ـ انهم يظنون انهم فتحوا باب الاجتهاد ومارسوه فعلا بمجرد حديثهم في هذا الشأن ودعوتهم اليه. وكثير من الناس يسمعون ذلك فيصدقونه ويتصورون ان احدا من علماء الاسلام لا يعمل عقله وفكره ولا يمارس الاجتهاد فيما يعرض له من قضايا،. وانهم كلهم عالة مقلدون لا يقولون قولا، ولا يفتون في مسألة الا نقلا عن السابقين وتكرارا لآرائهم وحججهم. وهذه المقولات ظالمة. فإن الاجتهاد يمارس فعلا على امتداد الساحة الاسلامية الواقعية والفقهية والفكرية والحركية. والكتب والصحف والمجلات ووسائل الاعلام تنقل كل يوم آراء اجتهادية في موضوعات شتى لعلماء اعلام ممن لا يخلو منهم قطر من اقطار الاسلام ولا شعب من شعوبه. غاية الامر ان آلة «الرصد» والتجميع في بلادنا ـ كلها ـ قاصرة اشد القصور عن متابعة ما يجري، على الصعيدين الفكري والفقهي، متابعة مستمرة تنتج علما متجددا وخبرة متراكمة بجهود العلماء المعاصرين في الاجتهاد والتجديد. ولعل الوقوف على بعض الاجتهادات المعاصرة هو خير دليل على صحة ما نقول من استمرار او الاجتهاد الفقهي المتجه نحو تلبية الرغبة الاسلامية في اتباع احكام الشريعة والالتزام بحدودها في الحلال والحرام. ففي المجال السياسي انتهى الاجتهاد المعاصر الى التسوية بين المسلم وغير المسلم من مواطني الدولة الاسلامية استنادا الى ان القاعدة القائلة انه: «لا ولاية لغير المسلم على المسلم» مقصود بها الولاية العامة، التي كانت معروفة في الصدر الاول، حيث كان الخليفة او الامام يملك سلطة الاجتهاد الملزم لغيره، ويعين القضاة ويلزمهم بمذهبه، ويعين قائدي الجيوش وولاة الامصار.. ويجمع بين يديه السلطات الثلاث جميعا. وهذه الولاية بمفهومها الحكم وآلياته ومؤسساته بحيث لم يعد لاحد وحده هذه الولاية في اي بلد كان. كما ان الولاية ـ رئاسة الدولة ـ قديما كانت تتضمن واجبات واختصاصات دينية صرفا لم يعد يمارسها رئيس الدولة اليوم اصلا. وانتهى الاجتهاد المعاصر الى ان الخلافة الراشدة نفسها لم تكن سوى تنظيم صنعه الصحابة لرئاسة الدولة الاسلامية على نحو يشير الى ان اتباع المثل الاعلى الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم في رئاسته للدولة الاسلامية. ولم يكن هناك «نظام محدد التفاصيل» يحكم على وفقه الخلفاء ـ حتى الاربعة الراشدون ـ بل كان الاجتهاد هو الطريق الذي سلكوه، وسلكه المؤهلون من المسلمين، لتحديد التفاصيل في عهد كل خليفة، على قرب هذه العهود بعضها من بعض، وقلة مواضع الاختلاف وضيق مساحتها، بين عهد وآخر وإذا كانت هناك قاعدة تستفاد من هذا النظام باعتباره تنظيما لرئاسة الدولة، فهي قيامه على ساقين: اولاهما:هي ان ترشيح من يصلح للخلافة يتم بناء على «شورى المسلمين» لا يستبد به واحد ولا حزب ولا جماعة دون الامة. وثانيتهما: ان التولية نفسها لا تتم الا ببيعة صحيحة صريحة من الامة للمرشح الذي ترضاه لولاية امرها. وقد قام انتخاب الراشدين الاربعة جميعا على هاتين الساقين، وان اختلفت الوسائل والاساليب من حالة الى اخرى. وترجمة هذا الاصل الى لغة العصر السياسية تعني ان الديمقراطية في تنظيمها لاختيار الحكومات والحكام، وعزلهم. ولم يعرف البشر حتى اليوم نظاما افضل من نظام الانتخاب الحر المباشر الذي يصوت فيه الجمهور بحرية حقيقية، يشهدها الكافة، لمن يشاء الناس ان يتولى امرهم. ولا يلزمنا ان تكون البيعة الناتجة عن هذا الانتخاب ابدية، فيجوز ـ بل يجب في رأينا ـ ان تكون لمدة محدودة، ومن احسن ما فعله الامريكيون في رئاستهم انها لا يجوز تجديدها بعد المرة الثانية. وكل الذي يقال ويكتب عن ابدية «البيعة» كان تصويرا لواقع العصور التي كتب فيها الفقه الاسلامي، ولكنه ليس قواعد تشريعية ملزمة للناس كافة الى ان يرث الله الارض ومن عليها وليس في النظم البشرية نظام يحول بين الحكام وبين الجور والاستبداد والاستئثار بالسلطة والثروة، وقمع المخالفين ولو كانوا على حق او شبه حق بالقوة الغاشمة، ليس في النظم البشرية ما يحول دون ذلك كله، الا تقرير «تداول السلطة» بحيث لا ينفرد شخص ولا جماعة ولا حزب ولا طائفة بحكم الناس الى ما لا نهاية، او الى ان يقع انقلاب عسكري يأتي بمستبدين جدد، يحكمون بالطرق الظالمة والاساليب الغاشمة نفسها. وتداول السلطة لا سبيل اليه ـ سلميا ـ الا بتقرير النظام المتبع بين الناس اليوم «للانتخاب» وبأن يكون هذا الانتخاب حرا لا شبهة في ان الناس يقبلون عليه ويبدون رأيهم من خلاله، غير هيابين ولا مكرهين. مطمئنين ان ارادتهم لا تزور بعد ابدائها. وأن الذين يختارونهم ـ بحرية ـ هم الذين يتولون امورهم الى امد معلوم. ولا بأس على المسلمين، ولا تثريب، ان يأخذوا في ذلك بالوسائل التي سبقهم اليها غيرهم من الامم. فإن صلاح حال الناس واستقامته غاية اعظم من ان تحول بيننا وبينها عقلية جامدة او همة قاعدة والبأس والتثريب يلحقان المسلمين جميعا ان هم قعدوا عن تحقيق مقتضى قواعد الشريعة وأصولها في جلب المصالح ودرء المفاسد. والذين لا يقبلون من النظم والافكار والآراء الا ما يجدونه مكتوبا في كتاب من كتبنا القديمة: يحكمون على قومهم بالبقاء حيث كانت الدنيا منذ قرون، يتقدم الناس وهم يتخلفون ويسير الناس في طرق المدنية وهم واقفون او قاعدون. والذين يرفضون كل فكرة سقنا غيرنا اليها مهما كانت موافقة لمقتضي الشرع، ومحققة لمصالح الخلق، يخطئون الصحابة والتابعين الذين قبلوا كل جديد نافع مفيد ولو لم يكن لهم به في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم سابقة ولا عهد. وقد تحرك الاجتهاد المعاصر عند الشيعة ايضا ليكسر حاجز الجمود الذي اصاب الفقه السياسي الشيعي بما صنعه آية الله خوميني، مؤسس الجمهورية الاسلامية في ايران، في دروسه المشهورة عن «الحكومة الاسلامية» التي أسس فيها ـ او اعاد تأسيس ـ فكرة ولاية الفقيه وتفصيلها وجعلها بديلا عن ضرورة انتظار عودة الامام المعصوم لاقامة الدولة الاسلامية وقال في ذلك عبارته التي ذهبت مثلا: «هل كتب على الاسلام منذ الغيبة الصغرى ان يخسر كل شيء؟ ان الذهاب الى هذا الرأي أسوأ في نظري من الاعتقاد بأن الاسلام منسوخ» وقد حقق الامام آية اليه خوميني معنى نظريته فأقام بها الدولة الاسلامية في ايران وضمن دستورها نصوصا خاصة بولاية الفقيه. ولأن مسألة ولاية الفقيه مثيرة لجدل كبير بين علماء الشيعة الامامية، وهي في نظر بعض مجتهديهم المعاصرين تصلح على نطاق محلي ولا تصلح للتطبيق العالمي للاسلام، فقد كان البحث ضروريا عن صيغة مغايرة يقبلها الكافة، بل يقبلها السنة والشيعة معا بعد ان اصبح تطبيق نظام الخلافة بصورته التقليدية ـ في رأي هؤلاء المجتهدين ـ لا يحقق المصلحة السياسية العامة للمسلمين في هذا العصر. وقد قاد هذا البحث صاحبه ـ الاخ الجليل العلامة آية الله الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في لبنان رحمه الله الى القول بنظرية سياسية اسلامية جديدة في السلطة وتنظيمها سماها «ولاية الامة» وخلاصة رأيه ان السنة وهم يقرون بمبدأ حق الامة في الاختيار الذي تتم على اساسه بيعة الخليفة وتوليته، والشيعة وهم يعتقدون ان الامام الثاني عشر لا يزال غائبا ولا يعلم الى الله متى تتحقق عودته فإن الامة تسترد في زمن الغيبة ولايتها، ويكون لها بطريق الاختيار والانتخاب ان تعين الحاكم او الحكام وتمنحهم بإرادتها ولاية محدودة زمنا او موضوعا. وهذا الحق يتفق عليه اهل السنة عملا بمبدأ حق الامة في الاختيار، ويتفق عليه الشيعة ما دام الامام المعصوم غائبا. وهكذا تصبح الحكومة الاسلامية المقيمة للشريعة حكومة توليها الامة وتغيرها الامة بإرادتها الحرة. وبذلك تجتمع كلمة الفرقتين الكبريين: السنة والشيعة على القدر المتفق عليه الذي لا يسع مسلم تجاهله او التهاون في اقامته، وهو الحكم على وفق نظام اسلامي، يحقق للأمة استقلالها السياسي الصحيح ووحدتها الضائعة، وهكذا فإن الفقه السياسي الاسلامي لم يعد ذلك الترديد الممل المكرر لآراء القدماء في مسائل ما نسميه اليوم بالقانون العام. وانما اصبح فكرا حيا متجددا تصب تيارات عديدة فاعلة في مجراه نظريا وتطبيقيا، مما يؤدي ـ عند رسوخ هذه الافكار الجديدة ـ الى زوال الفكرة الظالمة القائلة: ان الاسلام عاجز عن ان يقدم اساسا صالحا لحكم عصري. ولا شك ان فكرة ولاية الامة وهي تلتقي مع ما صح من اتفاق الحكمين في النزاع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما عليه من رد الامر الى الامة. تتسع لتتيح للمسلمين تنظيم حياتهم السياسية تنظيما يحقق المصلحة العامة للامة ولو لم يفطن اليه الاولون من السلف ولم يقل به السابقون من العلماء. وهي تتفق كذلك مع رأينا في ان مؤدي سكوت النصوص عن التفاصيل في شأن النظام السياسي ان تجتهد الامة او المؤهلون فيها للاجتهاد في وضع النظم التفصيلية الملائمة لحكم حياتها في جوانبها السياسية والاجتماعية وما اليها وهي تفتح الباب لجواز اختلاف هذه النظم من قطر من اقطار الاسلام، او منها، الى قطر اخر او مجموعة اخرى من الاقطار، وفي ذلك رفع لاصر الجمود عن الناس وفك لاغلال التقليد البغيض التي يرسف فيها كثيرون ممن ينسبون الى العلم وأهله. واستقر الاجتهاد المعاصر ـ او كاد ـ على ان المرأة، من حيث تمتعها بحقوقها وحرياتها العامة ومشاركتها في العمل السياسي العام، كالرجل سواء بسواء. وأنه لا تعارض بين قيامها بواجبها السياسي وبين قيامها بواجباتها الاخرى الا بقدر ما يقع مثل هذا التعارض بين واجبات الرجل السياسية وواجباته الاخرى كذلك وهو تعارض يزال ـ حين يقع ـ بصورة فردية في كل حالة على حدة، من بين وسائل ازالته أو رفعه وضع قواعد مانعة للمرأة من العمل العام، أو قبول هذه القواعد حين يضعها الآخرون. واذا كان كثير من الآراء الاجتهادية الجديدة لم يوضع موضع التطبيق العملي الذي يشهد لأصحابها ومؤيديها انهم يقولون ما يفعلون، فان قيام المرأة بدورها السياسي، ودورها في الحياة العامة، قد وجد طريقه الى التطبيق من قبل الحركة الاسلامية بوجه خاص في كل بلد مارست فيه هذه الحركة العمل السياسي العلني، لا سيما الترشيح للمجالس النيابية والتصويت في انتخاباتها، وفي انتخابات النقابات المهنية العامة حتى ان بعض المراقبين يرجعون قدرا كبيرا من نجاح ممثلي الحركة الاسلامية في الانتخابات التي يخوضونها الى كفاءة قيام المرأة بدورها السياسي ـ ناخبة على الأقل ـ في تلك الانتخابات النيابية والنقابية. والمعترضون على ولاية المرأة للمناصب السياسية يحتجون بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» وهذا الحديث لا حجة فيه لان الامر الذي يشير اليه هو امر الولاية العامة التي ليس فوقها ولاية، وهي الخلافة أو الرئاسة العامة للدولة الاسلامية الواحدة التي تضم العالم الاسلامي كله. وهي دولة لم تعد موجودة الآن ولا يتوقع ان توجد في المستقبل البشري المنظور. واختصاصات «ولي الامر» فيها، وشروط ولايته، بشمولها وسعتها واتصالها بجميع المجالات بما فيها الامامة في الصلاة وقيادة الجيوش والاجتهاد الفقهي المطلق ورئاسة القضاء، لم تعد متوافرة في احد من الحكام اليوم. ولو ادعاها لنفسه احد لكان الاسلاميون هم اول من يعترض عليه ويأبى التسليم بها له. فالحكام اليوم جزء من مؤسسة. الحكم نفسه مؤسسة من مؤسسات عدة تتوزع بينها السلطات والاختصاصات والصلاحيات التي كان يجمعها في يده الحاكم الفرد، أيا كان اسم حكمه ولقب سلطانه. ولا بأس من حيث الاهلية والكفاءة ان تتولى المرأة بعض هذه السلطات ـ ولو كانت رئاسة دولة ـ لان ايا من تلك السلطات ـ بما فيها الرئاسة نفسها ـ لا تمثل «الامر» الذي يدل الحديث على عدم فلاح من يولونه لامرأة. ولان «الامر» في هذا الحديث بمعنى الولاية العامة فقد أباح بعض الائمة للنساء بعض الولايات الخطيرة فهي تلي القضاء عند أبي حنيفة فيما تجوز فيه شهادتها. وقال الطبري: تلي القضاء والامارة، وهي رواية عن الامام مالك ايضا. لذلك فانني لا أرى مانعا شرعيا من ولاية المرأة أي منصب تؤهله لها كفاءتها وقدراتها وثقة الناس ـ الناخبين ـ فيها اذا كان من مناصب الانتخاب، أو ثقة المسئولين عن التعيين، اذا كان مما يعين له القائم به. ويؤكد هذا الرأي قول القرآن الكريم (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر)، فالولاية المتبادلة لا استثناء فيها ولا تمييز لواحد من الجنسين على الآخر. ولهذا الاجتهاد نظير في الفقه الشيعي المعاصر، فقد انتهى صديقنا الكبير العلامة الامام محمد مهدي شمس الدين ـ رحمه الله ـ الى مثله في كتابه «أهلية المرأة لتولي السلطة» ـ وهو بحث مقارن بين الفقهين السني والشيعي جمع فيه صاحبه بين علمي الرواية والدراية ـ الى ان لفظ «لن يفلح قوم» لا يفيد بطلان ولاية المرأة من الناحية الشرعية. وانما غاية ما يفيده خطأ الاختيار، أو عدم ترتب الغرض عليه. فهو من قبيل قولك «لن يفلح من اتجر في الصيف ببضاعة الشتاء»، فانه يعني لن يربح المقدار المناسب، ولكنه لا يفيد فساد البيع قطعا. ثم فرق بين الولاية الاستبدادية (الكسروية) وبين ولاية الامر في الدولة التي تديرها المؤسسات وتمارس فيها السلطات والصلاحيات عن طريق الشورى، فأبطل الولاية الأولى سواء أكان الحاكم رجلا أم امرأة، وأجاز الثانية للرجال والنساء جميعا واستدل هذا المذهب الفقهي المعاصر بالقرآن الكريم الذي يقرر أصل المساواة بين الرجال والنساء في مثل قوله تعالى (ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم «النساء شقائق الرجال»، والشقيق نظير ومثيل ولا بد من دليل قاطع أو راجح في النظر الصحيح يؤدي الى عدم المساواة بين الرجال والنساء، ومن أظهر صورة المساواة ان يتساووا في التمتع بالحقوق العامة وفي أداء الواجبات العامة، وهي المساواة التي حاصلها ان يكون للمرأة الدور الذي تؤهلها له مكانتها العقلية والشخصية والعلمية في حياة مجتمعها، شأنها في ذلك شأن الرجل سواء بسواء. ورتب الفقه المعاصر على تلك الاجتهادات وجوب التسوية بين الرجال والنساء في منح جنسية الدولة الاسلامية التي تنتمي اليها المرأة (الأم) الى أولادها اذا كان الاب من أصحاب جنسية أخرى، أو ـ من باب أولى ـ ممن لا يحملون جنسية على الاطلاق، واستند هذا الاجتهاد الى المساواة بين الاب والام المقررة في قوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)، وفي قوله سبحانه وتعالى (للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن)، وفي قوله تبارك اسمه (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده)، فهذه النصوص تقطع بأن الصلة بين الوالدين وبين مولودهما واحدة مما يترتب عليه ضرورة ان يكون التشريع الوضعي المترتب على هذه الصلة مسويا بين الرجل والمرأة وإلا كان مخالفا للنصوص القرآنية التي تسوي بينهما، ومخالفا لعدد من القواعد الفقهية المسلمة لدى المذاهب الإسلامية كافة، مثل: قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» وقاعدة «جواز ثبوت الحكم للفرع دون الأصل» وقاعدة «تصرف الامام على الرعية منوط بالمصلحة». وهذه الأمثلة ـ وعشرات غيرها ـ تدل على صحة ما قلته من استمرار الاجتهاد ومحاولة العلماء تلبية حاجات المسلم العصري في مختلف المجالات. وبعض الناس يرى ان الاجتهاد المعاصر يعني، أو يستلزم، التخلص من النصوص الثابتة في القرآن الكريم والسنة النبوية، واطلاق القدرة البشرية بغير حد ولا قيد لتقرر ما تراه من أحكام. ومعظم هؤلاء يقولون ان ذلك هو مقتضى احترام «العقل» في مواجهة أو مقابلة «النقل». أو يقولون ان ذلك هو معنى الاعتناء «بالمصلحة» وانزالها المنزلة اللائقة بها في التشريع. وقليل منهم يجهرون، بلا مواربة، بأن النصوص القرآنية والنبوية نزلت لزمان غير زماننا، وظروف اجتماعية واقتصادية وسياسية غير ظروفنا، فلا تثريب علينا ان نحن تركناها وراء ظهورنا، ونحيناها جانبا عن التحكم في تنظيم حياتنا. ويتجمل الأقلون منهم فيتذرعون ببعض ما كتبه أسلافنا عن قاعدة تغير الأحكام ـ الاجتهادية غير النصية ـ بتغير الزمان، واضعين اياها في غير موضعها، ومستندين الى كلام الأسلاف ـ على نفاسته ودقته وصحته ـ في غير مورده. ومواجهة هذه الدعاوى كلها ليس هنا مجالها. ولكن الذي يجب علينا بيانه هو ان المنهج الاجتهادي الذي ندعو اليه، ونحاول العمل به، ونقيس آراءنا وآراء غيرنا على أصوله، يقوم على محاولة تيسير تطبيق أحكام الشريعة الاسلامية في الواقع المعاصر. وتقديم فقه هذه الشريعة ـ الذي هو فهمها البشري ـ بصورة تلائم زماننا وتصلح له. وفي نظرنا ان هذا العمل أصبح من الضرورات. ولذلك فان الواجب العلمي والديني يقتضي مع التخصص والعمق في البحث، اليسر والوضوح في البيان، وحسن الاختيار الذي تزول معه العقبات القائمة في سبيل التطبيق بدلا من ان تتراكم أو تتفاقم. ويقوم المنهج الذي ندعو اليه ونتمسك باتباعه على قاعدة الاجتهاد المسلمة في الفقه الاسلامي منذ عصر التشريع الى اليوم: - ان النصوص الصريحة واجبة الاتباع. - وان هدف الاجتهاد هو تطبيق هذه النصوص في الزمن الذي يقع الاجتهاد فيه وحين يقتضي هذا المنهج اجتهادا غير مسبوق، أو ترجيحا لرأي قل مؤيدوه، فان خوف الخطأ لا يجوز أن يوقفنا عن الاجتهاد، وخشية معارضة الكثرة لا ينبغي ان تمنعنا من حسن الاختيار الذي يناسب تطبيق الشريعة ويحقق، في عصرنا، مصالح الناس. - والقيد الوحيد الذي يرد على هذا الاجتهاد، حين تدعو الحاجة اليه، أو على الاختيار الذي يرجح في النظر الصحيح، هو ان يكون لما نذهب اليه دليل من اصول الشريعة ونصوصها. أو على الأقل، ان يكون قولنا مما تقبله تلك الاصول وتحتمله النصوص، لا مما يأباه اي منهما أو يرده. وقديما ذهب الامام الشافعي بحق ـ فيما قرره في الرسالة ـ الى انه ليس لأحد من أهل الاجتهاد ان يتبع غيره فيما اختلف فيه رأياهما، بل على كل واحد منهما ان يعمل باجتهاده. وهذا الاجتهاد قد يكون فرديا، العمدة فيه حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه «ان الحاكم اذا حكم فاجتهد فأصاب فله أجران واذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد». وحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حين سأله النبي صلى الله عليه وسلم «بم تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال فان لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فان لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو». فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وحمد الله عليه. والذين يقولون اليوم ان الاجتهاد يجب أن يكون جماعيا لا يقولون ان الرأي تولده عقول الجماعة من العلماء معا، فهذا محال. ولكنهم يقولون بوجوب البحث والتشاور بين الفقهاء، والمختصين من غيرهم، في مختلف فروع المعرفة التي يحتاجها الموضوع الذي يراد الاجتهاد فيه، بحيث تتم الاحاطة بجميع أو جل وجوه المسألة وملابساتها. وسند هذا القول، بالاضافة الى المصلحة التي يحققها، قول النبي صلى الله عليه وسلم عن الامر ينزل بالمسلمين فيشكل عليهم، وليس فيه قرآن، ولم تمض فيه سنة «اجمعوا له العابدين ـ أو قال العالمين ـ من المؤمنين فاجعلوه شورى بينكم ولا تقضوا فيه برأي واحد». (اخرجه الخطيب البغدادي من رواية الامام مالك، ورواه الطبراني في الاوسط كما قال ابن قيم الجوزية في اعلام الموقعين ج2 ص 54. وانظر: الدكتور شعبان اسماعيل: الاجتهاد الجماعي، ط 1990 ص18). وما ثبت عن ابي بكر وعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنهما، (ابن قيم الجوزية، المصدر السابق، ج1، ص62). وهو مشهور عن عمر، من استشارتهم علماء الصحابة والتابعين في الحوادث الجديدة التي لا نص عليها في الكتابة أو السنة. والفقهاء الذين يشاركون في هذا الاجتهاد الجماعي يجب أن يكونوا من المؤهلين أصلا للاجتهاد الفردي وذلك بالعلم باللغة العربية التي هي لغة القرآن والسنة، والعلم بناسخ القرآن والحديث ومنسوخهما، وما يعرض لنصوصهما من الاطلاق والتقييد والتخصيص، وما فيهما من محكم ومتشابه، والعلم بالسنة القولية والعملية، صحيحها وسقيمها، وعامها وخاصها، في كل مسألة يعرض له ابداء الرأي فيها، والعلم بمواضع الاجماع ومواضع الاختلاف، والعلم بأصول الفقه ومناهج العلماء في تقرير مسائله وترجيح بعض الوجوه فيها على بعض، والعلم مع ذلك بعرف الزمان والمكان وثقافة العصر الذي يعيش فيه، وحقيقة المسألة التي يجتهد في التعرف على حكمها، ولذلك فانه من الواجب اليوم ان يعرف من يتصدى للاجتهاد قدرا من علوم النفس وعلوم التربية والاجتماع والاقتصاد والتاريخ والسياسة والقانون ونحوها من الدراسات الانسانية التي تكشف له الواقع الذي يعيشه، والنظم السائدة فيه، وان يعرف قدرا من المعارف العلمية التي تشكل الأرضية الثقافية اللازمة للانسان المعاصر، وإلا فكيف يفتي من يجهل هذا كله في مسائل الاجهاض ونقل الاجنة وزرعها (أو شتلها) والتحكم في جنس الجنين والمسائل التي تنتج عن تقدم العلم في مجالات الجينات والهندسة الوراثية وغيرها؟ وقد سمى الإمام الشافعي رحمه الله ـ في رسالته ـ نحو هذه العلوم «الآلة التي يكون بها القياس» أي الاجتهاد فقال: فأما من تم عقله ولم يكن عالما بما وصفنا فلا يحل له ان يقول بقياس، وذلك انه لا يعرف ما يقيس عليه، كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بسوقه. ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ، لا بحقيقة المعرفة، فليس له ان يقول ايضا بالقياس، لانه قد يذهب عليه عقل المعاني! (الرسالة ط شاكر ص509 وما بعدها). والله تبارك اسمه أعلم وأحكم. متابعة: اشرف الشكعة