منذ بدء الحرب في أفغانستان، وحرس الرئيس بوش يتركونه لوحده مرة تقريبا كل أسبوعين لأفغانية بارعة في استخدام أي نوع من الأدوات الحادة. لكن لا خوف من الأفغانية زهيرة زاهر فهي واحدة من أكثر المعجبين بالرئيس جورج بوش الابن وهي في الوقت ذاته مصففة شعره. ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر فقدت زهيرة حوالي «درزنين» من زبائنها بسبب جنسيتها وهو الأمر المؤلم على حد قولها سيما وانها تعرفهم منذ زمن طويل، وتعتبر بعضاً منهم أصدقاء لها، لكن الرئيس بوش ظل وفياً لها، وتقول زهيرة انه عطوف وطيب وكريم وانه صدم عندما أخبرته بمقاطعة بعض الزبائن لها. وزهيرة زاهر التي تدير صالون شعر من فندق ووترجيت المطل على نهر بوتومالك حلقت شعر ثلاثة رؤساء أمريكيين وأعضاء بارزين في الحزب الجمهوري اضافة إلى البارونة تاتشر. وهي نادراً ما تعطي مقابلات صحفية لكنها أجرت استثناء هذه المرة كونها تريد ان يعرف العالم ان الرئيس الأمريكي بوش لا يخوض حرباً ضد الشعب الأفغاني على حد قولها، لأنه ان كان الأمر كذلك لكانت أول من يتم الاستغناء عن خدماته. ولدى الأفغانية البالغة من العمر 56 عاما تصريح بدخول البيت الأبيض صادر عن مكتب التحقيقات الفيدرالي، وهي تحلق شعر الرئيس بوش في صالون صغير في مقر العائلة في البيت الأبيض حيث يترك الاثنان لوحدهما، ولا تتطوع زهيرة باعطاء الرئيس وجهة نظرها في أمور السياسة لأنها ترى ان تلك هي نصف الساعة الهادئة الوحيدة التي يمتلكها المسكين على حد تعبيرها، مضيفة انها تحاول تشجيعه على الاسترخاء، لا أن تزيد من توتره وان الرئيس عموماً يغمض عينيه ويستسلم لأناملها، لكن الرئيس يطلب رأيها أحياناً وبصفتها ابنة لرئيس وزراء سابق فإنها تمتلك آراء قوية. وهي تؤيد الحرب التي شنها على أفغانستان تماما لأنها تعتبر ما كان يحدث في البلاد غير مقبول لأي أفغاني أو حتى لأي كائن من البشر. وتؤمن زهيرة ان ملك أفغانستان المنفي محمد ظاهر شاه الذي حضر حفل زفافها ينبغي ان يعود على رأس السلطة لأنه الوحيد القادر على اعادة توحيد البلاد. وهي تصر كذلك على ألا ينسى العالم بلدها الفقير بمجرد انتهاء الحرب، كما حدث مراراً في الماضي. وتتقاضى زهيرة ثلاثين دولاراً عن قصة الشعر أما نصائحها التي تقدمها لمن يطلب فتأتي مجانية وبينما ترفض زهيرة البوح بمقدار مبلغ البقشيش الذي يمنحه بوش لها فإنها تكتفي بالقول بأنه رجل بالغ الكرم. والسيدة زاهر هي تجسيد للحلم الأمريكي، فقد جاءت للولايات المتحدة في العام 1975 عندما تم تعيين زوجها السابق سفيراً منتدباً في الأمم المتحدة، وفي العام 1979 غزا الاتحاد السوفييتي أفغانستان ما جعل عودتها إلى بلدها محفوفة بالخطر. ووجدت زهيرة نفسها قابعة في نيويورك مع زوج عاطل عن العمل وثلاثة أطفال صغار فبدأت في حلاقة الشعر لتدبير أمور حياتها. وفي العام 1985 انتقلت إلى واشنطن بسبب ظروف عمل ابنها ووجدت عملاً لدى مصفف الشعر الراحل ميلتون بيتس الذي كان حلاق الرئيس ريجان. وكانت زهيرة ترافق ميلتون بيتس في زياراته للبيت الأبيض للعناية بأظافر الرئيس الأسبق ريجان أثناء حلاقة رئيسها لشعر ريجان ولكن في أحد الأيام مرض ميلتون وطلب منها ان تذهب بدلاً عنه. وتتذكر زهيرة الموقف فتقول انها كانت شديدة التوتر لأن نانسي زوجة الرئيس ريجان كانت تتفحص دائماً شعره، وكان ريحان يطلق النكات لكنها لم تكن تستمع إليه فسألها: لماذا لا تضحكين؟ فأجابت بأنها تحاول ان تركز لأنها أول امرأة تقص شعر الرئيس فرد عليها الأخير: أتريدين القول بأننا ندخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية؟ وتستدرك قائلة: لقد كان ريجان رجلاً رائعاً. بعد فترة أصبحت زهيرة الحلاقة الخاصة بأعضاء الحزب الجمهوري، حيث ضمت قائمة زبائنها آل هيج وجورج شولتز وكاسبر واينبرجر وجيمس بيكر وجورج بوش الأب الذي أصبح رئيسا للولايات المتحدة وهو اليوم من الأصدقاء المقربين لها. وتطلق زهيرة على بوش الأب لقب «41» لأنه كان الرئيس الحادي والأربعين للبلاد، وقد دعاها هو وزوجته باربرا في العام الماضي كضيفة على مؤتمر الحزب الجمهوري في فيلادلفيا، وقد قصت شعرهما قبل حفل تنصيب ابنهما في يناير المنصرم. وتقول زهيرة ان الرئيس ريجان كان لطيفاً وساحراً للغاية، لكنه لا يسمح لأحد بالاقتراب منه فهو لا يمتلك الدفء الموجود ـ على حد قولها ـ لدى آل بوش. وعن طريق ريجان أصبحت زهيرة أيضاً مصففة شعر الليدي تاتشر عندما كانت تزور واشنطن، وصورتها الموقعة بيدها معلقة إلى جانب صور أعضاء من الحزب الجمهوري على جدران صالونها. وكانت زهيرة في بادئ الأمر خائفة من تاتشر لأنها كانت تسمع من الناس انها امرأة حديدية لكنها وجدتها امرأة رائعة ساحرة ـ على حد قولها ـ فعندما كانت زهيرة تنهي عملها كانت الليدي تاتشر تلتف نحو مساعديها وتقول: ألم تقم بعمل رائع؟ وتتذكر زهيرة انها همست في أذنها بالقول: أتحدى أياً منهم ان يجرؤ على قول كلمة «لا» فانفجرت رئيس الوزراء السابقة ضاحكة. ولا تزور مارجريت تاتشر واشنطن أبداً دون جلب هدايا لزهيرة كالعطور أو الصابون. ولم يستعن الرئيس كلينتون اطلاقاً بخدمات زهيرة إذ فضل بدلاً عن ذلك ان يدفع مئتي دولار عن حلاقة شعره لدى صالون كريستوف في بيفرلي هيلز، كما ان قائمة زبائن زهيرة لا تشتمل على أي من الحزب الديمقراطي، وذلك لأن من أوصلها للبيت الأبيض كان على صلة بالحزب الجمهوري وكذلك لأن لأعضاء الحزب الديمقراطي على حد قولها مطالب أخرى، فالجمهوريون يفضلون الشعر القصير عند الجوانب والخلف ويفضلون قصات شعر محافظة أو رزينة، أما الديمقراطيون فيرغبون بشعر أطول معظم الوقت، ولا يعيرون مظهر شعرهم اهتماما كبيرا. والواقع ان زهيرة وغيرها من بسطاء الحلاقين محسودون لقدرتهم على الجلوس وجها لوجه مع كبار الرؤساء والملوك، فلا حتى رؤساء دول كبرى في العالم يستطيعون التمتع بمثل هذه الفرصة. والرئيس جورج واشنطن مثل معظم سابقيه من الرؤساء الأوائل للولايات المتحدة كان يرتدي باروكة شعر منثورة بالبودرة البيضاء، ولكن عندما كان يرغب ان يقص شعره فإنه كان يوكل هذه المهمة إلى عبيده، وأول من تولى ذلك هو «بيلي لي» وبعد ان أصيب بالعجز في أواخر عقد الثمانينيات من القرن الثامن عشر خلفه في ذلك كريستوفر شيلز. وفي مرحلة أكثر حداثة من التاريخ وقع اختيار المخابرات الأمريكية على ستيف مارتيني وهو حلاق وزارة الدفاع الأمريكية من ميسيسيبي لقص شعر جنرالات الجيش وقد اعتبر الأخير مأمون الجانب كونه حلق شعر كبار ضباط الجيش أمثال الجنرال جورج سي مارشال عندما كان قائداً لقوات الجيش اثناء الحرب العالمية الثانية. وقد ذهب مارتيني للمرة الأولى الى البيت الأبيض عندما أصبح دوايت ايزنهاور رئيساً للبلاد ثم استمر بعد ذلك في خدمة الرؤساء جون كنيدي في بعض الأحيان وليندون جونسون وريتشارد نيكسون كما قص كذلك شعر السير ونستون تشيرتشل، أو ما تبقى منه. وعندما تقاعد مارتيني وانتقل للعيش في فلوريدا حل مكانه ميلتون بيتس الذي كان يمتلك صالون حلاقة في فندق شيراتون كارلتون. وكان ميلتون بيتس رجلاً مزوحاً لطيفاً عرف كيف يصعد في دائرة السلطة اكثر من أي حلاق آخر في التاريخ خارج اشبيلية، كما وصفته مجلة «تايم» يوم وفاته عن عمر ناهز الرابعة والثمانين، وقد اعتنى بيتس بشعر الرؤساء نيكسون وفورد وريجان وبوش الأب، ويعود الفضل إليه في اقناع نيكسون بالتخلي عن دهن شعره بكريم «بريل كريم» من أجل هيئة طبيعية أكثر وجعل الرئيس فورد يغير ميله لتمشيط ما تبقى من خصل قليلة في شعره على رقعة الصلع الكبيرة على رأسه. كما انه خفف من حجم تسريحة بومبادور التي اعتاد عليها ريجان والتي يرفع فيها الشعر من الجبين ويرد إلى الوراء، واختار بدلاً من ذلك تسريحة يسهل التعامل معها مع ابقاء التمويجة الامامية لأن ذلك يوحي بأنه رجل ذو نزعات، وكان ميلتون ينفي دائما ان ريجان كان يصبغ شعره حتى انه احتفظ مرة بخصلات من شعره كي يتفحص الشعر الأبيض من الشعر الأسود ويثبت للمتشككين صحة ما يقوله. وأشهر مقولة لميلتون هي: مقصي ليس جمهوريا ولا ديمقراطياً لكن الرؤساء الديمقراطيين لم يستعينوا اطلاقًا بخدماته ودفعوا ـ على حد قوله ـ ثمن ذلك، ففي العام 1979 قام الرئيس كارتر بتغيير اتجاه فرق شعره من اليمين إلى اليسار وعلق ميلتون آنذاك بالقول: «هذا الرجل لن يدوم طويلاً» لأنه اعتقد بأن تلك الخطوة تدل على انه يتزلف نفسه. أما الرئيس كلينتون فقد أثار الكثير من الازدراء عندما دفع مئتي دولار لصالون شهير في بيفرلي هيلز ماقبل قصة شعر على متن الطائرة الرئاسية التي كانت جاثمة على مدرج مطار لوس أنجلوس في ذلك الحين ما أدى إلى تعطيل عدة رحلات طيران أخرى. بعد ذلك استعاد كلينتون رشده وعاد إلى جيم مايلز حلاقه الذي اعتاد التردد عليه في أركنساس وعقب الضجة التي أثارتها قصة شعره الباهظة لدى صالون بيفرلي هيلز قال كلنتون لحلاقه القديم كل ما أردته هو قصة شعر سريعة لا تستغرق أكثر من عشر دقائق، وانظر ما حل بي. ويظهر الرؤساء الأمريكيون ولاءً شديداً لحلاقيهم على حد قول تشارلز فيتزباتريك التابع لجمعية الحلاقين الأمريكية والذي يضيف بأنهم يثقون بحلاقيهم اكثر من أطبائهم ما يجعلهم على استعداد للسفر إلى مواطنهم الأصلية لقص شعورهم لأنهم يعتبرون الأمر شخصياً إلى حد كبير ويولون مظهرهم اهتماما شديداً. ابتسام أحمد