يستخدم الذين ولدوا بدون حاسة الابصار اجزاء مختلفة من المخ عند القراءة بطريقة برايل، مقارنة بالذين فقدوا الابصار في مرحلة لاحقة. هذا الاختلاف في استخدام اجزاء المخ يلقى الضوء على العلاقة بين الفكر واللغة. هذا ما توصلت اليه الدراسة التي أجراها الباحثون مؤخراً. كان علماء الأعصاب من 20 عاماً يعتقدون ان مخ الانسان البالغ ليس لديه القدرة الكبيرة على اعادة تنظيم وظائفه بعد الاصابات الكبيرة في المخ او في الجهاز العصبي الطرفي الذي يمد المخ بالمعلومات. غير ان في السنوات الاخيرة اكتشف الباحثون ان المخ لدى الانسان البالغ وكذلك في مرحلة التطور لديه مرونة اكبر مما كانوا يعتقدون. ومن الطرق المتاحة لدراسة مدى مرونة المخ هي قياس قدرته على التكيف مع التغيرات، والتعرف على الاختلافات بين تنظيم المخ لدى الذين فقدوا حاسة البصر في مرحلة مبكرة من العمر. ويقوم ثلث المخ تقريباً عند المبصرين بمعالجة المعلومات البصرية. وعدم وصول أي معلومات الى هذا الجزء البصري من المخ يجعل المنطقة غير المستخدمة من المخ تبدو مثل المناطق الأخرى المستخدمة. لذلك بحث العلماء ووجدوا ان هناك ادلة على ان بعض المناطق غير المستخدمة من المخ يمكن ان توظف لتقوم بعمليات اخرى خاصة بالاحساس وليس الابصار. فقد اكتشف الباحث الياباني ناداتو في عام 1996، في المعاهد الصحية الوطنية ان صور رسم المخ لفاقدي البصر اوضحت ان هناك نشاطاً في أجزاء المخ المخصصة للمعالجة البصرية أثناء عملية القراءة بأسلوب برايل «الكتابة البارزة» غير أن هذا النشاط قد يكون مجرد استرجاع لذكريات بصرية قبل حدوث فقدان البصر. وقام الأستاذ في علم النفس فورد ابنر والاستاذ المساعد بيتر ملزر باستخدام صور الرنين المغناطيسي في تصوير مناطق النشاط في المخ عن طريق قياس التغيرات في ضغط الدم من أجل حل اللغز الذي أشار اليه الباحث الياباني. فقد أراد هذان الباحثان معرفة اذا كان هذا النشاط في مناطق معالجة البصريات في المخ لدى فاقدي البصر، مجرد ذكريات بصرية سابقة، ام عمليات معالجة جديدة لمعلومات تصل اليه. اختيارات عملية قام الباحثان بإجراء الاختبارات على خمسة من الرجال وخمس من السيدات، نصفهم فاقد للبصر منذ الولادة والنصف الاخر فقد البصر في مرحلة لاحقة. وطلبوا من هؤلاء قراءة اجزاء بطريقة برايل، كان 10% من النصوص عبارة عن أسماء تشير الى مفاهيم مجردة و90% منها أسماء تشير الى أشياء مرتبطة بصور بصرية. واستطاع الباحثون من متابعة القراءة والتوقف عنها ثم المتابعة وهكذا قياس نشاط الأجزاء الخاصة بالمعالجة البصرية في المخ وكذلك توقيت حدوث هذا النشاط تبعاً للأسباب المحفزة له. وهكذا استطاع الباحثون التمييز بين المناطق العاملة في المخ نتيجة لوصول معلومات والمناطق التي لم تعمل بسبب القراءة، لكن بسبب عمليات ذات مستوى اعلى. وما أثار الدهشة ان الباحثين لم يجدوا اختلافاً في نشاط الجزء من المخ المختص بالمعالجة البصرية لدى المجموعتين لكنهم وجدوا اختلافاً في طريقة تنشيط مناطق المخ والعلاقة بين توقيت نشاط مناطق بصرية معينة والمهمة المنوطة بها. فقد وجدوا لدى فاقدي الابصار منذ الولادة ان مناطق المخ المختصة بمعالجة الكلمات ومتابعة الاصوات وقواعد النطق ترتبط بشكل اكبر بالقراءة مقارنة بالذين فقدوا الابصار في مراحل لاحقة من حياتهم، أي لديهم خبرات بصرية. وعلى العكس وجدوا ان نشاط منطقة المخ المرتبط بعملية التفريق بين المعاني في الكلمات المتشابهة له علاقة اكبر ونشاط اكبر في العمل لدى المجموعة ذات الخبرات البصرية مقارنة بالمجموعة التي فقدت الابصار منذ الولادة. كما تعطى الدراسة تأكيداً جديداً لان التصور العقلي هو حاسة منفصلة عن الحواس الخمس المعروفة، فقد قالت المجموعة فاقدة البصر منذ الولادة انهم لا يعرفون اشكالاً بصرية لبعض الكلمات ويفيد النشاط الكبير لنشاط مناطق المخ ذات العلاقة بالعمليات عالية المستوى في معالجة الكلمات ان عدم وجود خبرة بصرية له أثره على اللغة، ولذلك تفتح الدراسة الباب امام دراسات اخرى على العلاقة بين اللغة والفكر.