ظهور الطبيب الروسي أنطون بافلوفيتش تشيكوف أديباً متميزاً بنسيج متفرد في القصة القصيرة قبيل اكمال القرن قبل الفائت تمامه شكل اغراء للعديد من الأطباء للمزج بين العلوم والفنون. وعرفنا في عالمنا العربي العديد من الأطباء الذين برزوا في ميادين الثقافة والسياسة على المستوى الذي اشتهروا به في التطبيب. ذهبت ثلة من الأطباء أبعد من ذلك فتوغلوا في الثقافة أو السياسة حتى انهم هجروا العيادات والمستشفيات. وذاع صيت بعض من هؤلاء بعيداً عن التطبيب الى درجة أن تعريفهم بلقب «دكتور» ينطوي على خدعة إذ يعتبره الجمهور درجة علمية في الثقافة أو العلوم المرتبطة بالسياسة. عدد الأستاذ محجوب عمر باشري في كتاب بعنوان «رواد الفكر السوداني» مجموعة من الأطباء الذين تألقوا في مجالات ثقافية واجتماعية متنوعة فذكر الدكتور عبدالحليم محمد أديباً وقاصاً والدكتور علي ارباب شاعراً والدكتور محمود حمدي عازفاً على الكمان والماندلين والدكتور منصور علي حسيب شاعراً ومترجماً رصيناً والدكتور محمد آدم أدهم ملحناً وكاتباً في الموسيقى وأحد البناة الأساسيين لنقابة الفنانين السودانيين. ما لم يقله باشري في كتابه ان شهرة د. عبدالحليم محمد في عالم الرياضة غطت على طبه وأدبه اذ انداحت دائرة نشاطه الرياضي على مستوى القارة الافريقية وبلغ اللجنة الأولمبية الدولية. جميع اليساريين السودانيين يعرفون الدكتور عز الدين علي عامر لكن عدد الذين يعرفون انه طبيب قليل جداً، ربما كان هناك من يعرف موقع عيادة عبدالحليم محمد بحكم اطلالتها على شارع حيوي وميدان مطروق، لكن عدداً محصوراً يعرف موقع عيادة عامر رغم وجودهما في مربع سكني واحد، إذ نادراً ما تكون هذه العيادة مفتوحة. يصلح اعتبار الدكتور الطيب زروق انموذجاً لمحاكاة تشيكوف اذ برز مبكراً بقصصه القصيرة وقليل عدد الذين كان يعرف انه اختصاصي في الطب النفساني. الذين يذكرون ميلاد «فرقة شرحبيل» الغنائية الرائدة في موسيقى الجاز بالخرطوم لم يكونوا يدركون ان أحد أعمدة تلك الفرقة الوليد في أوائل الستينيات طالب في كلية الطب يدعى علي نور الجليل الذي حمله مشواره الدراسي الى انجلترا ثم أمريكا وعاد منها الى انجلترا حيث افتتح أول عيادة لجراحة القلب المفتوح في مانشستر فربحه الطب إذ يعد حالياً مرجعاً علمياً فخسره الفن. لم يكن قطاع عريض من القراء العرب يدركون ان الدكتور يوسف ادريس طبيباً الى حين وفاة الأديب المعروف، اذ هجر ادريس مهنة التطبيب وانكب على الكتابة روائياً وناقداً ومفكراً. من الكتابة اكتسب يوسف ادريس شهرته وفيها كان فقده. على منواله غزل يحيى الفخراني الذي لا يعتقد المشاهد أن بينه وبين الطب علاقة، فقد اقتلع التمثيل الفخراني من التطبيب الى غير رجعة وفي هذا الفن تألق وانداحت جماهيريته. وعلى الشاشة البلورية انتشر الدكتور مصطفى محمود باعتباره مفكراً وداعية أكثر من كونه طبيباً. وعلى ديباجة الشعر الغنائي وليس على الوصفات الطبية نسج الدكتور ابراهيم ناجي شعبيته باتساع الوطن العربي. فمن منا لا يرقص طرباً على «هل رأى الحب سكارى مثلنا». ظلت سوريا أربع سنوات تحت سلطة ضابط مغامر وثلاثة أطباء، جميع السوريين كانوا يعرفون رتبة صلاح جديد، غير ان شريحة ضيقة كانت تعرف ان رئيس الدولة نور الدين الاتاسي ورئيس الوزراء يوسف زعين ووزير الخارجية ابراهيم ماخوس ثلاثتهم أطباء. كان نظام الدكاترة الثلاثة جاء اثر انقلاب على نظام ميشيل عفلق وأمين الحافظ وصلاح البيطار في 23 فبراير 1966 وانتهى على يد الأسد في 16 نوفمبر 1970. ثمة أطباء آخرون تألقوا في مجالات أخرى وفي أقطار أخرى وثمة مهنيون اخرون اشتهروا في ميادين خارج تخصصاتهم، انها محاولة الانتماء للموهبة أحياناً.