يمتد الجليد نحو الافق املس كالمرأة التي تعكس صورة مقلوبة. تمر السحب بسرعة كبيرة فوق رأس الربان وتحته، بينما يستلقي بشكل افقي تقريباً على ظهره وتكون رجلاه وجذعه محمية داخل جسم مصقول كأي طائرة نفاثة مقاتلة، ومع ان مركبه يمكن ان يسير بسرعة تزيد على 155 ميلاً في الساعة، الا ان هذا الربان ليس لديه ظلة تحميه. وعلى الرغم من خوذته ونظارته، الا ان رقائق الجليد ترتطم بوجهه ويديه الموسدتين في قفازين سرعان ما تعلقان بقبضة متجمدة على حبل الشراع الرئيسي. فدرجة حرارة الهواء تبلغ 11 درجة مئوية تحت الصفر، ولكن عند هذه السرعة، فان البشرة غير المحمية تصاب بلسعة البرد بسرعة لدى تعريضها لبرودة الرياح الفعلية، التي تصل الى 43 درجة مئوية تحت الصفر. وعلى نحو مفاجيء يكون الربّان مثبتاً بمقعده بقوى الجاذبية التي تلوي قسمات وجهه. وفي غضون ثانيتين، تكون سرعته قد قفزت من 60 ميلاً في الساعة الى 115 ميلاً في الساعة، متفوقاً بذلك حتى على اقوى سيارات السباق. وهو يواجه هنا الميزة المزعجة للتسارع باتجاه الريح في هذه الرياضة. ولكن بخلاف زملائه في سباقات «الفورميولا وان» فان هذا السائق ليس لديه حزام امان ولا مكابح ولا مقصورة قفصية واقية. وما يفصله عن الهلاك لا يعدو ان يكون طبقة بسمك 5 ميلليمترات من الفيبرجلاس والياف الكربون. هذه هي رياضة الانزلاق على الجليد بالقوارب، وهي اسرع رياضة شراعية بدون محركات في العالم. يعود تاريخ بداية هذه الرياضة الى اواسط القرن السابع عشر في اوروبا، حيث كان يتم تزويد القوارب الشراعية بزلاجات لاستخدامها في نقل البضائع على القنوات المتجمدة في هولندا. وفي عام 1790، قام المستوطنون الهولنديون بادخال أول قارب يسير على الجليد الى امريكا الشمالية واستخدم على نهر الهدسون المتجمد في ولاية نيويورك. وفي عام 1861، تم اجراء اول سباق لهذه القوارب على النهر نفسه. بعد ذلك بثماني سنوات اسس جون روزفلت، عم الرئيس الامريكي الاسبق فرانكلين روزفلت الذي كان نفسه من المتحمسين لهذه الرياضة اسس نادي نهر الهدسون ليخوت الجليد. وفي احدى الجولات، تفوق يخته الجليدي المعروف باسم «إيسيل» في السرعة على قطار شيكاغو السريع. وفي اوائل القرن العشرين، بات بالامكان الحصول على سرعات تزيد على 80 ميلاً في الساعة في الظروف الجيدة، وهي سرعة كانت تفوق على نحو ملموس سرعة الكثير من الطائرات في ذلك الوقت. ومع مطلع العام 1902، توقفت رياضة سباق القوارب الجليدية على نهر الهدسون بسبب الضرورة التجارية، التي اقتضت الابقاء على المجرى المائي خالياً من الجليد، ولكنها سرعان ما اكتسبت شعبية واسعة في الغرب الاوسط، وبخاصة حول متشيجان وويسكونسن. مواصلة التحسينات وقد توالت التحسينات التي ادخلت على القوارب الشراعية المتزلجة على الجليد، من حيث الوزن، الذي بات اخف، ومن حيث طريقة التحكم بها اثناء السباق. وبعد ان كانت هذه الرياضة حكراً على الاغنياء والمتنفذين، في بداياتها الاولى، اصبحت فيما بعد واسعة الانتشار، وذلك في ضوء ظهور قوارب اصغر حجماً واقل تكلفة. وفي الستينيات من القرن الماضي، حدث تحول مهم في هذه الرياضة، وهو فوز اول امرأة بسباق ديترويت نيوز السنوي وهي جين بيجل. وفي عام 1974، جرى تنظيم اول سباق دولي لليخوت الجليدية في بحيرة «جال» بمتشيجان. وفي ذلك العام، فتح الستار الحديدي لاتاحة المجال امام مشاركة ثلاثة متسابقين من الاتحاد السوفييتي. وتوالت السباقات بعد ذلك، ولا تزال تجري حتى يومنا هذا، بمشاركة واسعة من محبي هذه الرياضة. وتتركز هذه الممارسة في منطقة البحيرات العظمى وبخاصة، في ويسكونسن، حيث تتجمد البحيرات الضحلة الصغيرة بسرعة هناك. يحتاج السباق الى جليد صلب وشفاف. فالثلج المتساقط يمكن ان يدمر فرص السباق لعدة اسابيع حتى يتماسك ويقوى. وبفعل الطبيعة والسكان والمناخ، فان موقع ويسكونسن يؤهلها بشكل فريد لهذه الرياضة فهي تقع وسط اليابسة، وبالتالي فانها لا تتأثر بمناخ البحر. وهذا يعني ان فصول الشتاء يمكن ان تكون باردة للغاية مع ان الجانب الاكبر من المنطقة يقع بين خطوط عرض تماثل موقعي روما وباريس. وعلاوة على ذلك، فان الهواء القطبي يزحف جنوباً فوق البحيرات، ويكون هذا الهواء جافاً في العادة نظراً لانه يكون قد اسقط محتواه من الثلج على كندا. عوامل مختلفة وعلى الرغم من وجود عوامل جغرافية ومناخية كثيرة في صالحها، الا ان ويسكونسن لاتزال تعاني من بعض الصعوبات المتعلقة بهذه الرياضة. فالمواسم الملائمة نادرة. وهؤلاء البحارة الذين يبحرون على المياه المتجمدة مستعدون لقطع اي مسافة من اجل العثور على افضل الظروف. وخلال الموسم، تقوم لجنة السباق باتخاذ القرار حول اختيار المكان المناسب في وسط الاسبوع وترسل قرارها هذا الى المتسابقين المحتملين. ويستطيع المتنافسون من جميع انحاء شمالي امريكا وكندا الاتصال استعداداً لنهاية الاسبوع. ومع ذلك، فان هذا لا يعد ضمانة النجاح، فالكثير من السباقات يتم اجهاضها في اللحظة الاخيرة بسبب تدهور غير متوقع في حالة الطقس. فلا عجب والحال هذه ان يكون سباق القوارب الشراعية على الجليد رياضة الاقلية. وعلى الرغم من وجود 30 نادياً لليخوت الجليدية في امريكا وكندا الا انه لا يوجد سوى 2000 رياضي محترف لهذه الرياضة على مستوى العالم . ضرار عمير عن «فوكس»