منذ قرابة قرن ونيف من الان يحاول المحققون فك لغز الأسدين الشهيرين اللذين تمكنا بالرعب الذي اثاراه في قلوب الاف العمال من ايقاف مشروع بريطاني امبراطوري لمد سكة حديدية في قلب افريقيا طوال تسعة شهور. والأسئلة التي مازالت مطروحة بخصوص هذه القصة عديدة. هل كان الأسدان اللذان عاشا على ضفاف نهر تسافو في كينيا عام 1898 يتلذذان فعلاً بأكل 140 من عمال سكة الحديد؟ وان كان الامر كذلك من الذي جعل الاسود التي يعرف عنها عدم اكلها للبشر تتحول لاكتساب شهية طيبة للحومهم. وهل وصل الكولونيل البريطاني جون هنري باترسون الذي كان قائداً للمشروع في تعقب اثار الاسدين حتى وصل كهفهما ويجد داخله اكواماً من العظام البشرية بعد قتلهما؟ اين تنتهي الحقائق في هذه القصة وأين تبدأ الخرافة؟ الشيء الوحيد المؤكد حتى الان هو ان المقدرة النثرية لباترسون في تأليف كتابه عن هذه الأحداث كانت لا تقل عن قوة هذين السبعين. وعن ذلك تقول صحيفة سبيكتاتير عام 1900: «لو جمعنا كل ما في الأدب العالمي من حكايات عن الاسود منذ ايام الملوك الاشوريين وحتى القرن التاسع عشر فلن تعادل كلها فظاعة ومأساة الرجال البيض والسود، العزل والمسلمين، الذين التهمهم هذان الأسدان. وقدم باترسون في مذكراته التي نشرها عام 1907 بعنوان «اكلة البشر في تسافو» واحداً من اعظم فنون الوصف القصصي. فالكتاب بمجمله شغب مظلم من قضم السباع لعظام البشر، حكاية كولونيل يتخلص من وحشين في القارة السوداء. هذا الاهتمام البالغ الذي حصلت عليه المذكرات جعل مؤلفها شغلاً شاغلاً للأوساط الادبية حتى عام 1924 حينما أقنعه متحف فيلد في شيكاغو ببيع جلدي الاسدين مقابل 5 آلاف جنيه استرليني حينها. ولايزالان حتى اليوم من بين اهم معروضات المتحف. وسرعان ما انتقل اسدا تسافو بعد ذلك نحو رسائل الاعلام الاخرى. ففي عام 1952 انتجت السينما الامريكي فيلم «شيطان بوانا» عن هذه القصة. وفي عام 1985 وضع السينمائي وليام جولدمان سيناريو للقصة لتتحول الى فيلم بعنوان «الشبح والظلام» عام 1996. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية كان فريق علمي من متحف فيلد يبحث في منطقة تسافو عن عظام ضحايا آكلة الانسان ويراقبون اعداد الاسود التي لاتزال تسكن المنطقة. وسينشر رئيس هذه الحملة بروس باترسون «ليست له صلة قرابة بالكولونيل باترسون» كتاباً بعنوان اسود تسافو: «استكشاف تركة آكلة البشر في افريقيا» في محاولة لوضع احداث عام 1898 ضمن سياق اكثر اتساعاً. وعن ذلك يقول المؤلف: كنا نحاول استخدام الطرق العلمية والطب الشرعي لتوضيح مازال غامضاً في هذه القصة. وصف الاحداث وفي يونيو المقبل تقدم جمعية الجغرافيا الوطنية الامريكية وصفاً أكثر تفصيلاً لتلك الأحداث بكتاب فيليب كابوتو «أشباح تسافو: اسود شرق افريقيا الغامضة». لكن ما الذي حدث بالضبط هناك اواخر القرن التاسع عشر؟ كانت البداية في مارس 1898 حينما بدأت شركة اوغندا البريطانية للسكك الحديدية مشروعاً هندسياً كبيراً يقضي بإنشاء خط حديدي يصل مومباسا في الشرق على سواحل كينيا بسواحل بحيرة فيكتوريا. ولهذا الغرض تم استقدام 32 الف عامل من الهند لانجاز الأعمال التمهيدية وبناء جسر فوق نهر تسافو. وقوبلت هذه الخطة بانتقادات شديدة في العاصمة الاستعمارية لندن، حيث وصفت بأنها محاولة لبناء «خط جنوبي» يمتد بين «اللامكان الى جوهر اللامكان». ولهذا ارس الكولونيل باترسون وهو مهندس مدني الى كينيا للاشراف على المشروع. لكن فور وصوله بدأ رجاله يختفون واحداً تلو الآخر. وبعد أن حدثت حوادث التغيب الاولى تشكك باترسون في التقارير التي تقول ان الاسود تلتهمهم، وفضل الاعتقاد بأنهم تعرضوا لجرائم قتل على يد زملائهم للسطو على مدخراتهم. لكنه اضطر لتغيير رأيه بعد ثلاثة أسابيع حينما استيقظ على نبأ افتراس اسد لاحد ضباطه وهو جيما دار اونجان سنج وسحبه من خيمته في الليل. وقص أحد الشهود العيان كيف ان الاسد دس رأسه داخل باب الخيمة وأمسك بفكيه الضخمين الضابط من رقبته وجرجره خارج المعسكر. وتتبع باترسون اثر سحب الرجل الى البرية حتى بدأ يعثر على أشلائه المتبقية: «كان رأس جيمادار المسكين ملقياً دون ان يتشوه، باستثناء بضعة ثقوب فيه بفعل انياب الاسد ومرمياً على بعد قليل من بقاياه الاخرى. كانت عينا الرأس جاحظتين بنظرة رعب مخيفة فيهما. كان ذلك أبشع منظر سبق وان شاهدته. ومع ان المعسكر احيط بعد ذلك بأسلاك شائكة الا انها لم تفلح في منع الاسود من الدخول لتقبض على أحد الرجال وتسحبه من خلالها لتزيد من تشويهه. وعلى الرغم من المحاولات العديدة للايقاع بالاسدين الا ان الفشل كان مصيرها كلها. ويوم 1 ديسمبر قرر معظم العمال الهرب الى مومباسا ورفضوا العودة للعمل حتى تجد السلطات البريطانية طريقة للتخلص من الأسود. وهكذا توقفت اعمال البناء. وحين تطورت الامور لهذه النقطة اخذ باترسون يضع خططاً انجح حيث اخذت نوبات الحراسة الليلية تنفذ ليلياً فوق ابراج مراقبة وضعت تحتها بعض الطعوم المغمسة بالدم. وهكذا وقع اول الاسدين في الشرك يوم 9 ديسمبر. وبعد بضعة اسابيع نجح باترسون في الايقاع بالأسد الثاني. وكان كل من الاسدين يبلغ من الطول اكثر من تسعة أقدام. وحينها بدأت قصة الاسدين تتحول الى قصة وطنية في بريطانيا حينما هللت الصحافة البريطانية لنجاح باترسون في الايقاع بالمفترسين، بكل ما صاحب ذلك من أوصاف بطولية وشطحات خيالية في الفرحة العامرة التي عمت كينيا وأهلها بالحدث. جلال الخليل عن «اندبندنت»