سألوني عن تأليف بعض الاعمال الدرامية التاريخية والقيت علي الاسئلة في هذا الموضوع مئات المرات، وأجبت عنها حتى أدركني الملل. ولكني في الأسابيع الماضية بدأت أجد لأصحاب هذه الاسئلة العذر. فلقد قرأت نقدا لكاتب جاد عن مسلسل بوابة الحلواني فإذ به يعتبر بعض الشخصيات المؤلفة شخصيات تاريخية وفي المقابل اعتبر شخصية ساكنة بك مؤلفة. ولكن ساكنة بك كانت أهم مطربة في الفترة بين 1850 الى 1865م والتواريخ تقريبية لأن أحدا لم يهتم في هذه الفترة بالتوثيق للفن. وبالتأكيد أضافت ساكنة لقب بك الى اسمها من قبيل الابهة والتميز على زميلاتها المطربات ولا يذكر التاريخ لنا أحداً منهن. وفي الاسابيع الماضية ايضا ابدى أحد المشاركين في المسلسل الاذاعي طلعت حرب اعجابه بشخصية حسين بك شريف التي الفتها، والتي كان تأليفها ضرورياً لتمثل شخصية رجل المال النصاب امام رجل المال الذي بنى اقتصاد بلد وهو طلعت حرب. وفي النهاية قاطعته قائلاً: إن حسين شريف هو شخصية حقيقية وانه كان ملء السمع والبصر في الثلاثينيات، وانني استمتعت أشد الاستمتاع بمتابعة سلوكه الذي يجعلك تضرب كفا بكف وكان مشهورا في هذه الفترة باسم كونت أوف ملوي. وكونت بالتأكيد تعرفها. ومن الكونتات المشاهير السويدي الكونت برنادوت الذي قتله اليهود بعد حرب 48 لاعتقادهم انه يميل الى الحياد في الصراع العربي الاسرائيلي والكونت دي مونت كريستو الذي ألفه الكاتب الفرنسي الكسندر ديماس رمزا للرغبة في الانتقام. ولقد اقتبست القصة في السينما المصرية مرتين على الاقل. أما ملوي اذا كنت لا تعرف فهي مدينة من مدن محافظة المنيا واتخاذه هذا اللقب الوهمي يعني انه كان يريد أن يوهم الناس خاصة الأوروبيين انه أمير مدينة ملوي. وتبدأ القصة في عام 1933 عندما نشرت اعلانات عن البنك المصري العام وأدلى مدير البنك حسين بك شريف بأحاديث صحفية، تلتها مقالات تصفه بالنبوغ وانه الاقتصادي الكبير. ولا شك ان كل هذا كان في اصداء تجربة بنك مصر التي قام بها طلعت حرب بك آنئذ - وباشا فيما بعد والتي اعتبرت مشروعا قوميا ناجحا كأول بنك برأسمال مصري امام بنوك أجنبية. ولقد كان طبيعيا ان يربط الكثيرون بين التجربتين وهذا مادفع بنك مصر الى الاعلان انه لا علاقة له بالبنك الجديد. وسارع حسين شريف الى التأكيد بانه لا علاقة لبنكه ببنك مصر، ولكنه اهتدى فيما اهتدى به بتجربة بنك مصر الرائدة! واقام البنك المصري العام أو بنك حسين شريف حفل افتتاح كبيراً دعا إليه ددا كبيرا من رجال المال والسياسة وايضا من الصحفيين، ولم تكن وسائل الاعلام الاخرى قد وجدت، فالاذاعة بدأت بعد ما نحكيه بعام. وقلب الحريري افندي الصحف في ذهول انه يعرف حسين شريف، وفي يقينه انه لا يملك مالا. وهاهو يقول ان رأسمال البنك 150 ألف جنيه أي يقترب من ضعف رأسمال بنك مصر عند انشائه. ولسوء حظ حسين شريف أن الحريري أفندي كان ضابط مباحث وان رتبته كانت ملازم أول. ومن هنا بدأ تحريات بريئة حول المكان فرأى ورأى من معه مكانا البنك مؤسس بأروع الامكانات، ومجهز بأكثر ماتجهز به البنوك ترتيبا. ولاحظوا البطاقات النحاسية على كل قسم والتي كانت من سمات البنك في ذلك الوقت والى زمن طويل. وبدت شكوك الحريري أفندي مجرد أوهام وكان من الممكن أن يكون للقصة فصول أخرى لولا حادث صغير جدا، فلقد قدم خواجة يوناني شكوى الى الشرطة ان البنك اشترى منه خزانة حديدية ثمنها ثلاثمائة جنيه - وكان مبلغا كبيرا - ولم يدفع له سوى عشرة جنيهات كمقدم. وانه يطالب بحقه ولا من سمع. حركت الشكوى ظنون الحريري الذي ألح على رؤسائه حتى وافقوا على أن يطلبوا من النيابة اذنا بالتفتيش على الخزائن ليتأكدوا من وجود المائة وخمسين ألف جنيه بها. وذهبت قوة من الشرطة بينها الملازم أول الحريري أفندي لتفتيش البنك وكان مقره في شارع الشريفين، وهو من أصغر وأشهر شوارع القاهرة. تستطيع أن تقطعه في دقيقة أو أقل، لكن شهرته أتت من انه كان مقر الاذاعة حتى 1960 عندما انتقلت الى مبنى التلفزيون بماسبيرو، ومازالت حتى الآن اذاعة القاهرة الكبرى تبث من المبنى، وفيه أيضا بعض الادارات. وكان البنك المصري العام كأي بنك آخر حتى وجود شرطة تحرس مداخله. وتفقدت الشرطة البنك وغرف الموظفين، وغرفة الاجتماعات وقد علقت فيها صورة زيتية بالحجم الطبيعي للملك فؤاد. ثم كانت غرفة المدير العام، وكانت غرفة في غاية الفخامة على الجدار علقت شهادة الدكتوراه في الحقوق الممنوحة لحسين شريف، وقد ختمت بخاتم القنصلية المصرية في روما. وبالطبع اتضح فيما بعد انها شهادة مزورة. وعلى المكتب الفخم دواة حبر فخمة، فلقد كانت الريشة مازالت سيدة الكتابة. وقدر الخبراء ان ثمن الدواة يزيد على العشرة جنيهات. وكان آنذاك مبلغا كبيرا، فلقد كان بامكانك في هذا العام ان تشتري طائرة جيدة بألف جنيه. واتضح فيما بعد ان الدواة واشياء كثيرة اخرى استعارها حسين شريف ليجمل بها البنك. وكان من هذه الاشياء صورة لاسماعيل صديقي باشا وأظن انه اختارها لأن اسماعيل صديقي كان وزيرا للمالية، فضلا عن انه كان رئيسا للوزراء عدة مرات وكان من المهتمين بالاقتصاد. والى جوار غرفة المدير كانت غرفة السكرتير، وكان يستقبل زوار المدير وعلى كل زائر ان يكتب اسمه وعنوانه وغرضه من الزيارة، ومن الطريف انه اتضح ان المدير لم يستقبل أحدا من الزوار تحت دعوى انه مشغول. وفتحت النيابة خزائن البنك لتجد فيها 140 جنيها. واعتقدوا انه وضع ميزانية البنك في بيته. وذهبوا الى شارع فؤاد الذي كان أفخم شوارع القاهرة آنئذ، وكان يسكن شقة فاخرة فيه، فلم يجدوا فيه نقودا وأنكرت زوجته الفرنسية وجود نقود معها. وبدأت الأمور تنكشف فإذ بدايات حسين شريف ناصعة وكان يعمل في البنك الزراعي ثم هرب بألفي جنيه من أموال البنك وسافر الى فرنسا وعاش حياة الاثرياء واصبح اسمه الدكتور حسين بك شريف كونت أوف ملوي. ولما ضاقت به شرطة فرنسا هرب الى روما ودبر شهادة دكتوراه دون أن يكون حاصلا على الليسانس. وعاد الى القاهرة ليدخل نقابة المحامين ويفتح مكتبا فخما. ويتوسع حتى يحصل على ثلاثين ألف جنيه من أحد الوجهاء ليبني له عمارة. هل يستطيع مؤلف أن يحكي قصة كهذه؟!