في كل لحظة وفي كل يوم يضرب قلبك على نحو يبعث على الاطمئنان، وتلك الضربات تمثل أحد أكثر ايقاعات الحياة شيوعا، إذ يستخدم الاطباء منذ قرابة العقد بيانات تخطيط القلب الكهربائي بحثا عن اشارات المرض. وقد أصبح اخصائيو القلب متمرسين في اكتشاف النماذج الشاذة في بيانات القلب الكهربائية وربطها باضطرابات معينة في القلب. ومع ذلك كله فإن ما يكمن في تلك التسجيلات المألوفة العادية يتجاوز بكثير ما تراه عين الطبيب المتمرس. إن ضربات القلب ليست على القلب لحنا ايقاعيا رتيبا ومنتظما، إذ ينحسر معدل سرعة ضربات القلب ويرتفع على نحو شاذ أو حتى عشوائياً، وفي هذه التبدلات غير المنتظمة تكمن المعلومات الخفية. وقد أراد اخصائي القلب آري جولد برجر من كلية الطب في جامعة هارفرد ان يكشف النقاب عن تلك الشذرات النفيسة الدفينة، لكنه كان يعلم انه من تحقيق هذه الغاية عليه ان ينهل في نوع مختلف كليا من الخبرات والمعارف. ويقول جولدبرج: «ان فكرة التمحيص في الاشارات والعثور على المعلومات الخفية باستخدام نظرية التعقيد وما الى ذلك فكرة جديدة على الاطباء السريريين، لكنها قديمة بالنسبة لعلماء الفيزياء والرياضيات في فرع الدراسة المعروف بمعالجة الاشارات. وحتى الاشخاص المتمرسين في التنبؤات في الاسواق المالية يمكن ان يدلوا بدلوهم في تأويل السلسلة الزمنية في الطب. كان جولدبرج بحاجة للعثور على هؤلاء الاشخاص واجتذابهم الى بحثه. وهكذا أعلن العام الماضي بتزامن مع انعقاد المؤتمر السنوي للكمبيوتر وأمراض القلب، أعلن عن منافسة لتشخيص اضطراب انقطاع التنفس أثناء النوم باستخدام صور تخطيط القلب القياسية فقط. معروف ان الأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب يتوقفون عن التنفس بشكل دوري اثناء النوم، وهذا يجعلهم معرضين لخطر الاصابة بأمراض خطيرة، بما في ذلك أمراض القلب أو السكتة الدماغية. يقول جولد بيرج ان هذا الاضطراب يعد مشكلة كبيرة في الصحة العامة، كما ان تشخيصه مكلف ومرهق للمريض الذي يتعين عليه ان يقضي ليلة كاملة في مختبر النوم، وعليه ان يعيد الكرة ثانية بعد تلقي العلاج لمعرفة مدى تحسنه. توقف التنفس ولذلك فإن ايجاد طريقة أبسط وأرخص لتشخيص مرض توقف التنفس اثناء النوم، ومن ثم متابعة حالة المرضى لاحقا سيشكل تقدما كبيرا.. وتبدو اجهزة التسجيل بسيطة وتتألف فقط من قطبين كهربائيين ووحدة ذاكرة صغيرة بما يكفي لوضعها في الجيب، وقد أصبحت هذه الاجهزة انسيابية بسيطة بحيث يمكن ارتداؤها ليلا. البيانات الصرفة المتوفرة في منافسة جولد بيرج كانت عبارة عن 35 تسجيلا لبيانات القلب الكهربائية مدة كل منها ثماني ساعات تم تسجيلها في مختبر نوم. بعض المتطوعين لتخطيط قلوبهم كانوا يعانون من توقف النفس أثناء النوم، وكانت تسجيلاتهم مرفقة بمعلومات اضافية حول توقيت ومدة توقف التنفس. أما بقية المتطوعين فقط كانت نماذح تنفسهم طبيعية. نشر جولد بيرج وزملاؤه كل هذه البيانات في هذه المجموعة التدريبية على موقع على الانترنت ودعوا المتنافسين لتحليلها. كان الهدف من هذا التحدي تطوير خوارزمية (خطوات الحل الحاسبي) حاسوبية يمكنها تحديد الاشخاص الذين يعانون من اضطراب توقف التنفس اثناء النوم بالاعتماد فقط على بيانات تخطيط القلب. وبعد ذلك يتعين على المتنافسين ان يضعوا الخوارزمية على المحك من خلال تحليل بيانات اشخاص مجهولي الوضع الصحي والتعرف على المرضى الذين يعانون من توقف التنفس. وينال الفائز في المنافسة جائزة نقدية متواضعة قدرها 500 دولار. مهارات عالية ويقول جولد بيرج: «كانت هذه فرصة للأشخاص الذين يمتلكون مهارات عالية في معالجة الاشارات لتطبيقها على مسائل اكلينيكية حقيقية لم نكن واثقين من ان أحدا سيستجيب للاعلان، لكن المنافسة استقطبت 15 فريقا ثلاثة منها تعمل خارج حقل الطب. ونجحت أربع فرق في تحديد جميع مرضى توقف التنفس باستثناء بضع حالات محيرة يصعب حتى على الاطباء تشخيصها. وهذا العام أعلن جولد بيرج عن مسابقة ثانية للقيام بمهمة أصعب هذه المرة، وهي التعرف على الأشخاص الذين يعانون من حالة تعرف بـ «الاختلاج الاذيني المفاجيء» ويرمز لها بـ «باف» حيث يمر تجويفا القلب العلويان بفورات مفاجئة من ضربات القلب السريعة الشاذة. وهذا يقلص فعالية ضخ القلب بنسبة 30% ويرفع بذلك خطر الاصابة بالسكتة الدماغية. وهناك ايضا أعطى المتنافسون مجموعة بيانات تدريبية عبارة عن تسجيلات من أشخاص أصحاء وآخرين مرضى بحالة «باف» ثم طلب منهم بعد ذلك تحليل بيانات مجموعة اخرى من الاشخاص ومحاولة تحديد من منهم يعاني من هذا المرض. وأحرز الفريق الفائز نسبة دقات بلغت 82% في التنبؤ. إن هذا مسابقات قراءة تخطيط القلب الكهربائي والتنقيب عن البيانات المخبأة فيه تشكل جزءا من جهد أكبر لفتح أكوام البيانات النفسية التي جمعها الاطباء وعلماء الاحياء أمام أوسع نطاق ممكن من الجمهور. وهي بذلك تسير في خطى علماء الوراثة الذين يقومون بالشيء ذاته منذ سنين من خلال نشر متتاليات البيانات الجينية على الانترنت لكي يستفيد منها الباحثون الآخرون مجانا. وقد أنشأ جولد بيرج محطة لتبادل البيانات ليس فقط صور تخطيط القلب الكهربائي، بل ايضا الامواج الدماغية ونماذج التنفس وتركيزات الاوكسجين وضغط الدم كجزء في برنامج يدعى «فيزيونت» يديره في معهد ماساشوتسى للتكنولوجيا خبير اشارات وتخطيط القلب جورج مودي. ويتلقى الموقع دعما من المركز الوطني لموارد الابحاث على أمل ان تستطيع فرق الابحاث المهتمة الاستفادة من البيانات لتطوير طرق جديدة لاستخلاص المعلومات المخبأة بين ثنايا ايقاعات الجسم. علي محمد