طيلة أربعين عاما لم يفارقنا محمد علي كلاي فقد كان على الدوام حاضرا في صوره التي اتسمت بطابع خاص ينم عن علاقة سحرية نشأت بينه وبين عدسة الكاميرا. وأينما وجد الملاكم الاسطوري كان المصور هاورد بينجهام حاضرا دائما على اهبة الاستعداد ليلتقط أشهر الصور لواحد من أشهر الرجال في العالم. مشاهير آخرون ابتسموا لعدسته بينهم بيل كوسبي والفيس بريسلي ومايكل جاكسون، لكن بينجهام بتواضعه المعهود يؤكد على ان هذه النجاحات لم تكن سوى تبعات ثانوية لعلاقته بأقرب صديق له. ويقول: كنت محظوظا جدا بصداقتي مع كلاي. لقد التقيت بالعديد من الاشخاص من خلاله. وسمع بي الكثير من الناس من خلاله ايضا. لقد فتح لي آفاقا كثيرة. لكن علاقة الاثنين أقوى وأرسخ بكثير مما قد يبدو من هذه المقدمة. فبينجهام كان موجودا قبل وصول حاشية كلاي، بما فيها من مصاصي دماء وأصدقاء الرخاء، وبقي بعد رحيلهم. وهناك مشاهير آخرون طوروا علاقات عمل وثيقة مع مصوريهم المفضلين لكن أيا من هذه العلاقات لم تكن بحميمية وديمومة علاقة كلاي ببينجهام. ويوضح بينجهام هذه النقطة قائلا: لم يكن الامر قائما على كوني مصورا. لقد كنت صديقه، وشاءت الاقدار ان اكون مصورا. ولم يكن علي يواجه اية متاعب مع المصورين لان من غير المحتمل التقاط صورة سيئة له. لقد كان حلم كل مصور. مباراة لطيفة بدأت العلاقة برمتها بمباراة لطيفة صغيرة في لوس انجلوس عام 1962، عندما كان المصور البالغ من العمر 22 عاما ويعمل لدى صحيفة السود الاسبوعية «سنتينل». ويتذكر بينجهام ما حصل فيها قائلا: تم تكليفي بتغطية تحركات ذلك الشاب القادم الى المدينة. لم أكن قد سمعت به من قبل لانني لم أكن مهتما بالألعاب الأولمبية ولم أكن من عشاق الملاكمة. في ذلك اليوم من شهر ابريل شاهد هاورد الملاكم الشاب البالغ من العمر 20 عاما واقفا مع شقيقه على ناصية الطريق فعرض عليهما ان يوصلهما بسيارته إلى وجهتهما، لكن الفندق كان على بعد أمتار معدودة في مكان وقوفهما، وهكذا قرر ان يأخذها في جولة بالمدينة إذا لم يمانعا. ومنذ ذلك الحين كلما قدم كاسيوس كلاي إلى المدينة كان هورد أول شخص يتصل به إلى ان دعاه اخيراً للانضمام إليه لبضعة أسابيع أصبحت بعد ذلك بضعة شهور. يقول بينجهام: «لقد أصبحنا أصدقاء مقربين فخارج حلبات الملاكمة وصالات التدريب كنا دائما نحن الثلاثة معاً، كلاي، وشقيقه وأنا، كنت ألازمه في أي مكان يذهب إليه، فقد كان يثق بي منذ بداية العلاقة. ورغم اختلاف طبيعة كل منهما وفقاً لانسجامه مع حياته العملية ومهنته إلا انهما كانا يشتركان في سمات الدفء والكياسة والكرم بما يتجاوز مجرد التظاهر، لم يكن لدى المصور أي فكرة أو تخيل عن مستقبل الملاكم اليافع، كل ما في الأمر انه كان يحب تمضية وقته مع صديقه الحميم ويستمتع بالتقاط الصور له، بعد انه لاحظ ان يلائم التصوير الضوئي من الناحية الجمالية. اختبار صداقة وجاء أول اختبار لصداقتهما بعد ان تحول كاسيوس إلى محمد علي عام 1964، مع ان الضغط لم يأتي من الرجل نفسه. يقول بينجهام: «لقد أخبرني كلاي عن تعاليم الإسلام، لكن كان لي تفكيري الخاص، ولم أرد ان أتحول عن ديني، وهو لم يحاول الضغط علي لفعل ذلك، بل على العكس لم يتغير موقفه مني قط، لكن المتاعب بدأت عندما بدأ بعض المسلمين يشككون في حسن نواياي، لا سيما انني كنت أرافق كلاي إلى بيت الزعيم الديني إليا محمد، خصوصاً بعد طرد ومقتل زعيم التمرد المدني مالكوم اكس والذي كنت على علاقة به، وهو ما دفع البعض إلى الظن بأنني كنت وراء ذلك، لكن الضجة كلها انتهت عندما قال لهم كلاي دعوا بينجهام وشأنه. ولا يزال الصديقان الحميمان يلتقيان بشكل منتظم إلى الآن، وقد أمضى بينجهام الشهر الماضي أسبوعًا كاملاً مع محمد علي كلاي، وعاد ليؤكد في حواره مع مجلة «اسكواير» المنشور في عددها الأخير ان كلاي يتمتع بكامل صحته الذهنية مئة بالمئة. ويقول: «مشكلته في الوظائف الحركية فقط وهو يتحسن عندما يحصل على قسط وافي من الراحة، لكن المشكلة هي انه دائماً في سفر مستمر، كا انه لا يمارس التمارين كما ينبغي، لكنه سعيد جداً ولا يشعر بالاسف على نفسه. وبينجهام هو الآن المنتج التنفيذي لفيلم مقبل يحكي سيرة الملاكم الأسطوري يلعب فيه الممثل ويل سميث دور البطولة فيما يلعب جيفري رايت دور صديقه المصور الفوتوغرافي ويقول بينجهام ان سميث يطابق شخصية كلاي في جاذبية الشخصية والعفوية. ويضيف: «سميث هو كلاي، فهذا الشاب مميز ورائع، انه يحب الناس ويحب وجود بطانة طيبة من حوله، ويحب الصغار، ويساعد الناس انه شخص مخلص لاصدقائه وفيّ لمن أحبوه». علي محمد