.. ولما كانت الليلة الثانية بعد الألف، جلس شهريار في قاعة نومه مضطجعاً الى الخلف.. محملقاً ببلاهة الى السقف، وعندما أقبلت عليه شهرزاد.. في نفس الميعاد، لاحظت عليه التوهان.. وما به من عدم الاتزان، فزغدته في جنبه زغدة قوية.. من قبضة يدها الحديدية، فانتبه من جلسته كالصنم.. وصاح صارخاً من شدة الألم، ولكنه لما رأى انها شهرزاد الحبيبة.. ابتسم ونفض عنه حالته الكئيبة، وقال لها في شوق شديد.. هيا وأسمعيني حلقة من مسلسلك الجديد، فاتكأت شهرزاد على وسادة قريبة.. وراحت تقص عليه حكايتها الغريبة،.. قالت شهرزاد: بلغني أيها الملك السعيد.. ذو الرأي الوحيد، انه كان في قديم الزمان.. وسالف العصر والاوان، مملكة عظيمة.. لها بين الممالك شأن وقيمة، يجلس على عرشها ملك يسمى بالهمام.. اشتهر بين البشر والأنام.. بحبه الشديد للكلام، فكان يتكلم بمناسبة وبغير مناسبة.. دون أي تحفظ او محاسبة، ولما خشي ان يتبدد كلامه في الهواء.. ويضيع بين الارض والسماء، رأى ان يعم بأفضال كلامه الجميع.. فاستدعى وزيره الاول المطيع، وأمره ان يعين فوراً وبلا روتين.. ألفاً من الكتبة والمدونين، ليدونوا كلماته السامية.. وخطبه الحامية، وليسجلوا توجيهاته الغالية.. وخواطره الحكيمة المتوالية، وهكذا ظل الكتبة يدونون ويكتبون.. ولكل كلمة يسجلون، يوصلون الليل بالنهار.. لمتابعة هذا السيل المدرار، من كلام الملك الذي لا ينقطع.. حتى كادت اياديهم ان تنخلع، ونفدت تماماً من الأسواق.. كل الدفاتر والأوراق، وتزايدت الكتب والمخطوطات.. حتى أصبحت تلالاً كالأهرامات.. وسدت المنافذ والطرقات، وتعب الكتبة من كثرة الكتابة.. وأصيبوا بالإرهاق والكآبة.. ولكن الملك لم يكن قد أنهى بعد كلامه، فأمر برفع الكتب الأخرى من المكتبات.. وحرق جميع المؤلفات، وحلت كتب الملك المفتون.. محل كتب العلوم والفنون، وألغيت مناهج التعليم في المدارس.. لتصبح كتب الكلام في يد كل دارس، وأصدر الملك فرماناً يعاقب بالحبس والغرامة.. كل من لا يحفظ كلامه. وتوقفت شهرزاد لحظة لتأخذ انفاسها.. والملك يتابع بشوق شديد كلامها، وبعد ان رشفت بعضاً من العصير.. استطردت في حديثها المثير.. ـ وظل الحال يامولاي هو الحال.. يسير ويسير على نفس المنوال، حتى فوجيء الناس ذات نهار.. بما أفزعهم من الأخبار، فقد هجم الأعداء عليهم في الصباح.. حاملين معهم كل فتاك من السلاح، ودهش الناس وظنوا الخبر دسيسة.. او كذبة لئيمة خسيسة، فقد طالما اكد لهم ملك الكلام.. ان الكلام ثم الكلام، هو طريقهم الأمثل للسلام، واحتار الملك وسأل قادته.. ان كانوا اعدوا للأمر عدته، فاجتمع القادة والوزراء في قاعتهم الكبيرة.. وقد انتابهم الفزع والحيرة، فقد كانت كل الأجهزة والدواوين.. مشغولة طوال كل هذه السنين.. بالكتابة والتدوين.. لخطب الملك وكلامه الثمين، ولم ينتبه احد من المسئولين.. الى ان للبلاد اعداء متربصين، حتى فاجأهم خبر الهجوم كالصاعقة.. وأيقنوا بالهزيمة الماحقة، ولكن وزيرهم الأول اللماح.. خطب فيهم وصاح، مؤكداً ان لديه حلا مانعاً.. وسلاحا رهيبا رادعا، فهرولوا مسرعين اليه.. مقبلين يديه وقدميه، ضارعين اليه ان يخرجهم من هذا المطب.. ويعيد اليهم السكينة بعد الفزع والرعب، وبهدوء اشار الوزير الى ملايين الكتب والمخطوطات.. التي تجمع كل ما قاله الملك من كلمات.. ومن خطب وتصريحات، وقال: عليكم بهذه الكتب جميعا.. فاقيموا منها سداً منيعاً، يحميكم من هجمة الأعداء.. ويقي البلاد والعباد من كل بلاء..! وما ان انتهى كلام الوزير الميّاس.. حتى اسرع الوزراء الى الناس، وبشروهم بالنجاة والأمان.. لو نفذوا الخطة بسرعة واتقان، وأسرع الناس في استسلام يحملون كتب الملك الهمام، وأقاموا منها سوراً طويلاً.. يمتد ميلا فميلاً، أحاط بالحدود من كل صوب.. ليسد على الأعداء كل منفذ ودرب، حتى انتهوا تماماً من العمل.. فجلسوا في بيوتهم ينتظرون في أمل، وقد اطمأن بالهم وارتاح.. وأيقنوا بهزيمة عدوهم السفاح.. وبنجاتهم من كل هجوم او اجتياح، ولكن ما هي الا ساعات.. حتى هجم الأعداء بالآلاف والمئات.. وبأيديهم السلاح والمعدات، ومع أول طلقة تنطلق.. راح سور الكلام ينهار ويحترق، وطارت الاوراق والكلمات.. لتغطي الشوارع والبنايات، واشتد بالناس الفزع وأيقنوا بالفناء.. فارتفعت أصواتهم بالنحيب والبكاء، واقتحم جنود الأعداء المدينة.. التي ظن الناس انها بكلام الملك حصينة، وكانت أحذية الغزاة تدوس دون توقير ولا احترام.. على تصريحات وكلمات الملك الهمام، وتمزق بلا رفق او شفقة.. كل بياناته وخطبه..! هذا ما كان من امر الأعداء وهجمتهم.. والناس وبلوتهم، اما ما كان من امر الملك الثرثار.. فقد اشتد به الغضب وثار، وأقسم ان ينتقم من العدو شر انتقام، وان يلقنه درساً يتذكره على مدى الأيام، وقال تالله لأمزقن جموعهم.. ولأشتتن بكل تأكيد شملهم، بخطبة اقوى من كل المدافع والسيوف.. اعددتها خصيصا لمثل هذه الظروف، وأسرع بكل همة الى شرفة القصر.. وكانت ساعتها ساعة العصر، فنظر نظرة خاطفة.. الى جيوش الأعداء الزاحفة، وقال يخاطب جنود الأعداء.. خسئتم ايها الجبناء، سارعوا بالفرار من أمامي.. قبل ان ادمركم جميعاً بوابل من كلامي.. و... ولم يكمل الملك الهمام كلامه.. فقد انفجرت قذيفة امامه، قطعت رأسه وأطارت لسانه.. ووضعت نهاية لفصاحته وبيانه، وظل الناس زمناً طويلاً يتندرون بهذه الحكاية.. التي أصبحت عبرة وآية، لكل أصحاب الخطب والبيانات.. ولكل ملوك الكلام والتصريحات............. مولاي..! وأدرك شهرزاد الصباح.. فسكتت عن الكلام المباح...