باتت عيدان الكبريت «ثقاب»، مثل الكتاب، خير جليس للبناني توفيق ضاهر. فبواسطة 18 مليوناً و400 ألف قشة بنى «سفينة تايتانيك» بكلفة 7600 دولار امريكي، وقد استخدم فيها مواد كثيرة ابرزها 460 صندوق كبريت، 2100 ضوء صغير، وشرائط كهربائية بطول 675 مترا. توأم «التايتانيك» الكبريتية اكتملت مؤخرا، وطولها 3.5 امتار، وارتفاعها يصل الى متر وثمانين سنتمترا، وتتألف من ستة طوابق، ومسابح وزوارق وسلالم، شأنها في ذلك شأن أي سفينة عادية. لكن توفيق ضاهر لم يكن شأنه كما آلت اليه اوضاعه بعد حادثة مؤسفة تعرض لها فأقعدته على كرسي الشلل، ولم تترك لديه القدرة على الحركة الا في يديه والقسم العلوي من جسده. قبل ذلك كان قوي العضلات، صلب العود، يعمل «كالنمر»، كما يقول في محل ميكانيك لاصلاح اعطال السيارات. وتميزت حياته بالهدوء والراحة وحب الحياة والبهجة، الى ان لطمه القدر بلكمة اقعدته، وقلبت حياته رأساً على عقب. ففي احد الايام جاءه شخص لا يعرفه، وان كان هو معروفاً بانتمائه الى احد ميليشيات الحرب. فطلب شراء سيارته، فوافق توفيق. ثم الح ان يشتريها ويتسلمها في الحال. فدعاه صاحبها الى ان يتسلمها في اليوم التالي، ريثما يكون تدبر امره على عجل بسيارة اخرى. لكن اصرار الشاري على شرطه جعله يوجه فوهة رشاشه الحربي اليه ويطلق الرصاص، فيوقعه ارضاً، ويولي الادبار دون ان تتمكن اجهزة الامن من اعتقاله لان «واسطته كبيرة، ومدعوم من ذوي النفوذ». وخضع توفيق لعملية جراحية واستؤصلت معظم كليتيه، ليكمل حياته مشلولاً، عاجزاً عن الحركة. وبعد فترة تخلت عنه زوجته، وتركت له طفلاً ليربيه، ويخدمه رغم اعاقته المفاجئة. يقول توفيق: «في احدى المرات اصطحبت ابني في نزهة بالسيارة. فانا استطيع القيادة باليدين فقط. سألني: اين الذي اطلق عليك النار؟ فأجبته انه خارج السجن لانه «مدعوم». لكنني سألته بدوري: ماذا تريد منه؟. فرد علي: «اريد ان اشتري سلاحاً، واطلق عليه الرصاص كما فعل بك». يتابع توفيق ضاهر قائلاً: «هزتني كلمات ابني، فتساءلت بداخلي: اذا كان مازال طفلا ويفكر على هذا النحو، فماذا يمكن ان يفعل عندما يصبح عمره عشرين عاماً مثلاً؟. وجاء جوابي على الفور، فاشتريت سلاحاً، الى ان صادفت الذي اطلق عليّ النار، فقتلته، ودخلت الى السجن. وصدر علي الحكم طوال الحياة. لكن بعد حوالي اربع سنوات افرج عني بمرسوم خاص اصدره رئيس الجمهورية، نظراً لحالتي. فخرجت الى الحياة مرة أخرى. ومن جديد بقيت فقيرا، لا املك انا وابني احيانا ثمن رغيف الخبز، كما يقولون. ولهذا قررت ان اعمل أي انتاج يدوي بواسطة يدي لابيعه، ونعيش من مردوده. من هنا صنعت «التايتانيك» بتلك الطريقة، بعد ان كنت قد نفذت بالطريقة نفسها توائم لبرج ايفل «الفرنسي»، وقلعة بعلبك، وغيرهما، واستعد الان، بعد ان احصل على المساعدات التي اتمنى ان تصل الي قريبا، لانشاء متحف خاص لاعمالي اليدوية في بلدتي الفريكة، وهي مسقط رأس الاديب الكبير ميخائيل نعيمة، وسيكون ذلك اول متحف من عيدان الكبريت في العالم كله». بيروت ـ شاكر وهبي: