اقلع المستكشف البريطاني ارنست شاكلتون في ديسمبر 1914 بسفينة انديورانس نحو الجنوب في رحلة استكشافية طموحة تستهدف القطب الجنوبي يصحبه طاقم من 27 بحارا على امل ان يكون اول من يفلح في الابحار عبر القارة القطبية المتجمدة لكن بعد بضعة اسابيع، وتحديدا 15 يناير 1915 جنحت السفينة مع تراكم الجليد حولها في بحر واول الذي يقع بين المحيط الاطلسي وسواحل القارة المتجمدة. حينها تحولت السفينة الى مجرد مأوى لافراد الحملة تنجرف مع الجليد بعد ان انقطعت عن باقي العالم ثم وقع مالا مفر منه: بعد تسعة شهور بدأ الجليد تدريجيا يسحق عظام انديورانس فاعطى شاكلتون اوامره لرجاله باخلائها. وانتهى الامر اخيرا بغرقها يوم 17 نوفمبر لتهبط الى القاع الذي يبعد عن السطح 2743 مترا، واصبح شاكلتون ورجاله مشردين فوق قطع الجليد الشتوية الطافية فوق الماء وكل ما تبقى امامهم للنجاة هو ممارسة معنى اسم سفينتهم (التحمل) وبالفعل استطاع شاكلتون قيادة رجاله طوال عشرة شهور كاملة في ذلك القحل المتجمد دون ان يفقد واحدا منهم حتى اصبحت رحلته تلك واحدة من ابرز الامثلة على نجاح القيادة حتى اليوم في القرن العشرين. واليوم وبعد 86 عاما على تلك الاحداث، ينتظر مغامر آخر صيفا قطبيا جديدا ليبدأ بحثه عن انديورانس بعد ان نجح سابقا في العثور على مليكة السفن الضائعة «تايتانيك» ففي هذا الشهر سيبحر الدكتور روبرت بالارد من بونتا اريناس في تشيلي الى بحر ويدل مجهزا باكثر غطاسات البحث تطورا واحدث تقنيات التصوير المتوفرة حاليا. ومع ان حطام التايتانيك والسفينة بسمارك قد عثر عليهما في مياه اعمق الا ان البحث عن انديورانس يتطلب مواجهة عقبات اصعب اذ على الرغم من ان الصيف القطبي يعني اياما من الاضاءة الطبيعية على مدى 24 ساعة، الا ان حركة الجليد اكثر خطرا ولايمكن التنبؤ بها كما عرف شاكلتون ذلك بنفسه. وقد استأجر بالارد كاسحة جليد هي «بولارسي» قادرة على اختراق غطاء جليد بسماكة 6 امتار وستبحر بولارسي بطاقمها المكون من 30 بحارا الى المكان الذي يعتقد ان انديورانس تقبع فيه وما ان يصل هناك سيبدأ بالارد بارسال غواصتين صغيرتين هما آرجوس وليتل هيركيوليس للبحث عن السفينة وتصويرها وبالطبع فان التحدث عن الخطة امر اسهل بكثير من تنفيذها. والغواصتان غير مأهولتين وتعملان بالتحكم عن بعد وقادرتان على البقاء تحت الماء لعدة ساعات. يذكر ان بالارد حينما عثر على تايتانيك كان قد استخدم غواصات صغيرة مأهولة تعمل على عمق 3.2كم لكنها لم تكن قادرة على البقاء تحت الماء لاكثر مما يسمح به الهواء المتوفر داخلها اي ساعتين على ابعد تقدير. لكن المدى الزمني لهاتين الغواصتين وتقنيات التصوير المتوفرة فيهما افضل بكثير وهناك سبب آخر لاستخدام غواصة غير مأهولة وهو السلامة وكان بالارد قد قال عام 1991 «مثل مكوك الفضاء، لايمكن لك تجاهل حقيقة انك تقوم بشيء خطير فمع انه يبدو روتيني الا انه حافل بالمفاجآت التي قد تظهر في اي لحظة لقد اندلعت النار ذات مرة في غواصة ابحاث فرنسية حينما كنت داخلها على عمق 2743 مترا وكدت ألقى حتفي. الغواصتان الغواصتان هما عربتان موصولتان بأسلاك بصرية للسفينة ومزودتان بكاميرات فيديو رقمية وكاميرات رقمية ثابتة ونظام دفع ورادار سونار، وقد استخدم بالارد واحدة منهما عام 2000 للعثور على لقى غارقة في البحر الاسود تعود للعصر البرونزي، واثناء العمل تكون كل من الغواصتين مربوطة بسلك الى السفينة وبالتالي فان مدى العمل تحت البحر يتحدد بطول السلك ومقدرة السفينة على المناورة. ويتوقع بالارد ان يعثر على انديورانس بحالة سليمة الى حد بعيد فبخلاف الاعماق المتجمدة للمحيط المتجمد الشمالي حيث غرقت تايتانيك فان اعماق البحر في الجنوب يعتقد انها خالية من الرخويات التي تتسبب بتحلل الخشب اذا ما اتيح لها الوقت الكافي يقول بالارد: «حينما وصلنا تايتانيك كان كل ماهو مصنوع من الخشب مأكولا. لكن جمعية الجغرافيا الوطنية الامريكية التي تساعد بالارد في تمويل حملته والتخطيط لها ليست واثقة حتى الآن من خروج الحملة في الوقت المناسب وتقول انه لازال من المطلوب الحصول على بعض التمويل الناقص والا فانها ستؤجل. ويعيد هذا القول التذكير بندرة الرحلات الاستكشافية التي تجرى في مياه القطب الجنوبي حتى مقارنة بالرحلات الفضائية وعن ذلك قال بالارد ذات مرة: اذا ما قارنا بين اعداد الناس الذين خرجوا للفضاء الخارجي واولئك الذين نزلوا لاعماق المحيط لوجدت ان الفئة الاولى هي الاكبر فقد تمكن نيل آرمسترونج وبوز الدرين من المشي على سطح القمر قبل ان يتمكن البشر من المشي فوق اعلى سلسلة جبلية على سطح الارض والتي توجد في اعماق المحيط. ورغم وعيه بحجم حملته التي يعتزم الخروج بها فان بالارد مصمم على الا تبقى انديورانس بعيدا عن متناول يده.