اسلم جسده اخيراً للفراش. استسلم لقانون الجاذبية الارضية. للتعب هدأته وللإذعان سطوته. تنقل بين ثلاث سيارات للوصول الى مسكنه بمدينة نصر آتياً من الصحراء الغربية. تبدأ عطلته الشهرية منذ اللحظة تبتلعه فوهة حوت الراحة. عندما استيقظ في منتصف الليل او بعده بقليل قرصه شعور طاغ بالجوع. لم يتناول شيئاً منذ الافطار. تثاقلت رأسه عند نهوضه من الفراش. في حركة واحدة كان يدير التلفاز والمذياع معاً. تنبه لعريه وابتسم. تعود ان ينام عارياً في شقته ايا كان التوقيت. كان يصفر اثناء اعداد البيض بالبسطرمة وجبته المفضلة. جهز براد الشاي فوق نار هادئة فتح النوافذ ليجدد هواء المكان الراكد. افتقد الخبز فاستنجد ببواب العمارة الفخمة. تنبه لعريه فاستتر ببنطال قصير وبلوزة رياضية. عندما ناوله البواب رغيفين سأله في بساطة: ـ كم سرقت اليوم من شراء طلبات السكان؟ نظر اليه البواب في غضب ودهشة، وبدا له مهندس البترول المهذب في هيئة مختلفة. ـ اعترف، فكلنا نعرف ذمتك الخربة. سأل نفسه في دهشة وهو يتناول فنجان الشاي الممزوج بالنعناع، ما الذي فعلته، وكيف بدر مني ما بدر؟ ادار قرص الهاتف: سأل صديقه الطبيب بالمستشفى الحكومي. ـ هل نلت من الممرضة ذات القد السمهري اخيراً. فوجيء صديقه، فلم يعهد منه هذه الجرأة، اضاف مجدداً. ـ اعرف دناءتك، لم تفلت احداهن من مصيرها المحتوم على يديك، انت ذئب نساء مطلق السراح. سأل نفسه مجدداً: ما الذي قلته؟ صداع مؤلم يفترسه. تنبه لحقيبته ومنحتها . تذكر الحجر الغريب الذي التقطه من الصحراء. عندما عرضه على زميل جيولوجي تفحصه في عجب وهتف: لعله بقايا نيزك سقط من الفضاء. منذ ان رأى الحجر عشقه. دفنه في الصحراء وعزم على الاحتفاظ به عند عودته الى القاهرة في عطلته القريبة. تأمل الحجر مجدداً. وقف بالشرفة محدقاً في السماء ـ من اين سقط هذا الحجر الغريب؟ تضم مجرتنا مائة الف مليون نجم، وتضم المجموعة الشمسية تسعة كواكب، فمن اين اقتطع هذا الحجر الغريب؟ تأمله مليا: يلتمع سطحه الزيتوني ببقع سوداء، يشبه الحجر رأس تمساح مفتوح الفكين. انتبه الى اهتزاز الحجر، لم يلحظ هذه الحركة الخفية من قبل. زادت دهشته وتثاقلت رأسه مجدداً. منذ هذه الليلة لفت شقق العمارة الفخمة ظواهر غريبة لم يجد لها احد تفسيراً. صارح البواب امرأته التي تصغره بعشرين عاماً. حصيلة اليوم تقترب من الاربعين جنيها ما بين سرقة وبقشيش لم تتعود المرأة مصارحته لها بأحواله المالية. اعترفت الزوجة المكتنزة في دلال: ـ راودني ابن وكيل الوزارة اليوم. تمنيت لو اخذني. لم يدر البواب بنفسه الا وهو يحاصرها بلكماته بأنفاس لاهثة حتى ادماها. القاهرة مشغولة بفضائحها: نواب القروض، وحوادث الاغتصاب، وخروج فريق الزمالك من المنافسة، الضابط الكبير الذي ضبط بتهريب وثائق نادرة في الميناء. تاجر الاثاث الذي خبأ في القطع المصدرة الى عاصمة اوروبية قطع آثار نادرة. هوجة الهاتف المحمول والدروس الخصوصية هروب رجال الاعمال المدانين للبنوك الى الخارج. الوقاحة الامريكية. ظاهرة الغش العلني التي ضربت عدة محافظات في موسم الثانوية العامة. في المصعد الايمن ترافق مدير الائتمان ببنك شهير وصحفي نصف مشهور. اعترف المدير في براءة: ـ فتحت حساباً بسويسرا من نسبتي من القرض الاخير لنصاب من رجال الاعمال الآفاقين. وصارحه الصحفي في بساطة: وانا عدت من جولتي الخليجية بهدايا من مجوهرات وساعات تقدر بعشرين الفاً. افترقا في صمت بعد ان شكا كل منهما للآخر من الصداع الحاد الذي ينتابه. خارج حدود العمارة استرد الجميع اقنعتهم، وتخلصوا من نوبة الصداع. سأل السمسار الذي يقطن بالطابق التاسع محدثه على الطرف الآخر من الهاتف. ـ كم تريد؟ لم تردعه اجابة الاستنكار. ـ لو وقعت الموافقة سأعطيك عشرة آلاف سأخرج من هذه العملية بنصف ارنب فقط. كان يميل برأسه اثناء المكالمة، ولم يفاجأ بإنها محدثه المكالمة غاضباً بدا الصداع عنيفاً ولم يلقمه اقراص المسكن التي تناولها قبل الافطار. في المساء كان المنتج الذي يقطن بالفيلا التي تتكون من شقتين رأسيتين يستعد لقدوم الفنانة الصاعدة. سبقتها رائحة العطر الفتان الذي استعملته. صارحها في هدوء: دورك هذا سيطلقك كالصاروخ في سماء الفن بالرغم من موهبتك المحدودة. اجابته في دلال: ـ اخافوني منك، ولكني مستعدة لدفع الثمن سمعتك النتنة ذائعة في الوسط الفني. اجابها بقهقهة كبيرة: ـ لم تفارقي خيالي منذ مشاهدتك في اللقاء التلفازي. خلعت الشراب والحذاء. سألها متخابثاً: لا تمانعي كلما طلبتك مستقبلا ستجيئين كثيراً الى هنا. اجابته في صدق: الآن؟ انا مستعدة. لا، سنشرب اولاً احتفالاً بقدومك، ثم سيتسع الليل لمغامرتنا الممتعة. اعد كأسها بينما كانت تخلع شالها. شكا في ضيق: لو يذهب هذا الصداع المفاجيء. صارح مدير الادارة التعليمية القاطن بالطابق الخامس زوجته وهو يتأهب للنوم: يمكننا الآن ان نشتري شاليها بالساحل الشمالي. نسبتي من فعل المجموعات الدراسية هذا العام تكفي. ـ لأول مرة اعرف انك ستفيد من هذه المسألة. اعترف في بساطة: الكل يأكل الكل يأخذ نصيبه من الكعكة.. اعترفت بدورها: خبأت لدى امي حتى الآن عشرة آلاف جنيه. هتف منزعجاً: من ورائي؟ اكدت على اتهامه: لم ار مغفلاً مثلك. زار مهندس البترول شقيقته وزوجها الصيدلي. طلب كباباً من المحل القريب، واوصى البواب بشراء الفاكهة. شكا من الصداع الذي ينتابه منذ البارحة. ـ غريبة، احس بصداع ثقيل منذ قدومي. قال الزوج: وانا ايضاً، اتكون عدوى؟ اثناء العشاء تبادلوا الاعتراف: ـ نعرف لماذا طلبت زوجتك السابقة الطلاق. كانت تخونك مع زميلها المتزوج. صرخ فيها المهندس متألما: اجنت؟ بادرته الشقيقة: يسمونك في العائلة الحمار الكبير. صفعها، وتدخل الزوج لفض الاشتباك. اعترف الصيدلي مهدئاً: لكل كبوته انا مثلا أتاجر في الادوية المهدئة. الفياجرا. ابو صليبة. جنيت ربحاً كبيراً من هذه المسألة. صرخت زوجته فيه وهي تسمع اعترافه: ايها الفاسد. حدجها زوجها منكراً: وألم تسألي نفسك من اين اشترينا سيارتنا الحديثة الطراز، وشقة العجمي، ومجوهراتك انك كالبئر لاقرار لأطماعك. هبت في وجهه: نعيش بأموال حرام اذن. اجابها وهو يمسح شعره: ومن يعيش بالحلال اليوم؟ عندما انصرف تأمل الحقيقة الصادقة. فهم الآن لماذا اصرت زوجته على الانفصال. بدا الامر غامضاً، تذرعت بغيابه الطويل في الصحراء الغربية وانها تحادث الجدران في غيابه وباتت مصممة على طلبها. احضر الحجر من فوق الكومدينو واخذ يتأمله، وسأله: ـ اليس لديك علاج لهذا الصداع الحاد؟ هتف جاره بالمصعد: حمد لله على السلامة. اعترف مقراً: شكراً ما انا الا حمار كبير. دهش الجار الذي يعمل مسئولاً كبيراً بإدارة الحي: ـ حمار افضل من لص. هل تعرف كم شقة بعتها لحسابي من شقق الايواء؟ 14 شقة حتى الآن. الغلاء صعب، ويجب ان يتلمس كل منا طريقه، هذا زمن الجلا جلا. تعجب لوقاحته: هذه جريمة؟ اجابه في هدوء: كن بغلاً وسط الحمير، ولا احب ان اكون حماراً مثلك. ـ آه، هذا الصداع السمج يكاد يجنني. ـ وانا ايضاً، الكل يشكو من هذا الصداع الغريب هذه الايام اعترفت سكرتيرة المحامي لزوجها بعد ان ضاجعها. ـ اجر لي المحامي شقة لنختلي بها. بدا زوجها الطيار، مذهولاً من اعترافها، وهتف: ـ ايتها الخائنة، منذ متى تمارسين ذلك؟ منذ ستة شهور، ولدي حساب محترم بالبنك. صفعها محتداً: ايتها الخائنة سأفضحك. حاولت حماية وجهها بيديها: اعرف ماذا تفعله في سفرياتك. ـ هذه نزوات، ولا افعل ما يخجل الا تهريب بعض قطع غيار اجهزة الحاسوب، وبعض ادوات الجراحة مكسبها كبير، وهذه فرصة لم لا انتهزها. جذبها من شعرها، ودفعها ناحية الدولاب، واخذ يفتش في رفوفه بحثاً عن ادلة الخيانة. في شقة المحاسب العائد من الخليج في عطلته السنوية بالطابق الرابع، كان افراد اسرته يلتفون حول فيلم لإسماعيل يس تعرضه قناة فضائية عربية. انعقدت سحابة من مرح في فضاء الغرفة. تبادل الجميع الشكوى من نوبات الصداع مختلطة بآهات منتزعة من الاعماق وهي تشاهد الفيلم للمرة العاشرة او العشرين ولا تكف عن الضحك مع مشاهد الفيلم. وقف طالب الثانوية العامة فجأة وواجه أباه: ـ أدمنت الغش، وانقذني البرشام من الرسوب بهت الاب الذي كان يعتز بتفوق الابن. والتفتت شقيقته الطالبة بالجامعة: سأصارحكم، تزوجت عرفياً من زميلي. كيف احتفظ جبل قوم نوح بثباته وسط دمدمة الطوفان، ولو حدث الطوفان في زماننا اكانت تنقذنا الطائرات العمودية والمحمول. راقبت الزوجة اعترافات الابنين في دهشة. تمتم الزوج المأخوذ في أسى: لا مفر من الاخفاء. يتمسك صاحب العمل بي لانني اعمل مشهلاتي الى جانب عملي اورد نساء واشياء اخرى. انهارت جدران وحصون. وبدا الزمن ثلجياً. والم يكن علي بابا لصاً هو الآخر. من يدعي الشرف: اللص الاول أم اللص الاخير؟ عندما توفى والد الاستاذ الجامعي زاره الجيران معزين. واجه مدير الادارة التعليمية الصحفي محتداً.. ـ الاكاذيب تطفح من اقلامكم، مالي ثقة فيما اقرأ. وقاطعه الصحفي محتجاً: لا تضع كل البيض في سلة واحدة. تدخل المسئول بادارة الحي لمزاً. ـ لعله يقصد مقالك الاخير فسر الصحفي موقفه: كله بثمنه، نحن نواجه المخاطر فلا ضرر من بعض المكاسب الا تستهدف الاغتيالات والسجن الصحفيين ايضاً. ورمى الاستاذ الجامعي بقنبلته. ـ يوخزني ضميري. احترفت كتابة التقارير الامنية ضد زملائي صمت قليلاً ثم واصل: ـ انظروا اهداني طالب عربي هذه الساعة المرصعة بالاحجار الكريمة سيحمل الدال نقطة مثلي عندما يعود الى بلده.. ياه الصداع اللعين يطاردني. استفسر المنتج السينمائي: لماذا طلق بواب عمارتنا زوجته؟ غمزه الصحفي في خبث: هل حزنك لوجه الله ام انك تفتقد المرأة اللعوب. ضحك المنتج قائلاً: كل مليحة بمذاق: كفاكم حسداً لعباد الله. بالمناسبة هل شاهدتم فيلمي الاخير؟ قاطعه الصحفي مصفراً: يهيأ لي انك سبب هزيمة 67 وضياع فلسطين والجولان. لأقلامك مفعول اقوى من جيش اسرائيل. سيطر المنتج على اتجاه المناقشة. ـ انا حريص على التوازن بين المتعة والمغزى. حاصره الصحفي مجدداً: انت ابو الهلس، بل انت نصاب كبير. ضحكوا جميعاً، وقال المنتج متفاخراً: يكفي انه اعجب الجمهور وكسر الدنيا. قفز الاستاذ الجامعي الى دائرة الانتباه، وواصل اعترافه: ـ اكسب كل عام من كتبي المقررة بالكلية حوالي ستين الفا. تكاد ان تكون جميع كتبي كتابا واحدا. اتوارى وراء ابهار الدكتوراه التي حصلت عليها من دولة اشتراكية اثناء ربيع الاشتراكية. كثيراً ما اشعر انني لا استحقها. كانت اقرب الى الشراء. توقف وامسك رأسه بين يديه وصرخ: الصداع اللعين. امسكوا جميعاً برؤوسهم وكأنهم كانوا ينتظرون الاشارة. منذ عودة المهندس من الصحراء الغربية بحجره الفضائي، لم تعد هذه العمارة الفخمة تعرف السلامة. ذابت قشرة الرضا الجليدية، وترنحت الرؤوس تحت الم الصداع الذي لم يستطع الاطباء تفسيره. وقعت حتى الآن ثلاث حالات طلاق، كما ارتفع عدد النساء اللاتي تركن شققهن. حالة السكرتيرة كانت اكثر الحالات شهرة، ظل الزوجان يتبادلان تحطيم اثاث المنزل، يصيح بها: يا سافلة، وتصيح به: يا مهرب.. كل ساكن اعتاد في هذه الايام ان يطلق لسانه بكل اسراره داخل المسكن في المصعد. ربما من نافذة الى نافذة او امام الابواب. احتدمت المشاجرات بين سكان الشقق المختلفة، بل داخل الشقة الواحدة. عرفت الشرطة طريقها الى العمارة الفخمة وبدا الامر محيراً امام ضابط التحقيق. كأن زرا سحرياً ضغط عليه فأطلق دماء الصراحة في الشرايين بدلاً من الدم العادي. لم يعد لدى المرء ما يخجله، وان بدت قدرة الآخرين على تحمل اخطاء وسقوط من حولهم غير محتمل. بمجرد الخروج من حيز العمارة يسترد كل ساكن اهابه القديم، ويظل يواصل حياته بلا تغيير، وعند عودته من باب العمارة ينتابه الصداع الغريب، وينساب لسانه من مكمنه في تدفق لم تصل الامور الى ذروتها كما حدث في اجتماع اتحاد الملاك الاخير. بدا المشاركون متحررين من تحفظاتهم، وانطلقت الاتهامات والاعترافات، وانتهى الاجتماع بحالة اشتباك جماعية تشبه مشاجرات المساجين في الزنازين. ظلت ظاهرة الصداع التي اصابت الصغير والكبير غير مفهومة.. نبه احدهم جاره: رأيت شاباً غريباً يركب السيارة بجوار زوجتك بالقرب من المطار. وسأل الثاني في وداعة الاطفال وهو يميل على جاره: عرفت انهم يحققون معك بتهمة الرشوة، وانك موقوف عن العمل وقال ثالث: اغلب قطع السيارات التي اعرضها في متجري مضروبة. وقال رابع في اسى: ضبطتني زوجتي مع الشغالة بالامس... وسأل خامس جاره: اعرف انك تتاجر مع الاسرائيليين في كل شيء. انك تبيع لحم الوطن الا تخجل؟ عاد المهندس متعباً. لم يشعر بشهية لطعام. شاهد في السينما القريبة فيلماً مرحاً بطولة كوميدي شاب. بدا محايداً. كان مهتماً بمشاهدة فيلم لديمى مور يعرضه التلفاز في سهرته بعد فيلم السهرة راوغه النوم. بدا مرهقاً ومستسلماً تحت تأثير الصداع الذي لم يفارقه في عطلته عندما يلزم شقته. اخرج الصخرة النيزكية واخذ يتأملها. جلس على المقعد القريب وكأنه منوم وتدفق في مونولوج طويل: المزيف. هذه حقيقتي. كنت انجح في المدرسة بطرق خاصة... التوصية. الهدايا. الغش. كانت المحنة في امتحان الثانوية العامة، ولكن ابي بنفوذه البوليسي نقلني الى المحافظة النائية التي يشرف على امنها، وكانت الاجابات تأتي جاهزة في غلاف الورقة الاصلية. رشحني مجموعي الكبير لكلية الهندسة. كنت انانيا دوما، اخذت كثيراً دون ان اعطى القليل من اسرتي ومعارفي. اسمتني شقيقتي حسنين نسبة الى دور عمر الشريف في بداية ونهاية تزوجت دون عناء، تكفل أبي بكل النفقات. لا استوثق اكانت تبادلني الحب في بداية زواجنا ام ادعائه. وها هي شقيقتي تعترف بخيانة الزوجة. اشرب واتعاطى المخدرات في السر، ولا اصلي. لا اصدقاء حقيقيين. اغلبهم يستفيدون من كرمي. شقيقتي الوحيدة التي اخشى من طول لسانها. لا ابناء. لا غاية من الحياة الشيء الصادق الوحيد الذي افعله هو عملي بالصحراء، ولكن من يستفيد في النهاية؟ هذه ايام مزيفة. مشاعر غير صادقة. هواء راكد. علاقات اسنة ضمائر ميتة لا حلم، لا بوصلة، لا بطولة، لا بطل: بدا له عنوان رواية قرأها منذ سنوات لروبرت اونيل عنوانها «المزيف» منطبقاً عليه، ربما يكون الجزء الانقى فيه عمله في الصحراء البعيدة بحثاً عن حلم تشى الارض بأسرارها: نفطاً ومعادن وموتى، اتكون المعجزة الحقيقية في رحم الارض، لا في اغوار الفضاء. انباء فضائح السكان اخذت تترى الى مسمع المهندس. قلعة واحدة صمدت. لم يدركها موسم الاعتراف والتطهير. ارملة الضابط الشهيد الذي سقط في حرب اكتوبر. اشترت بمكافأة نهاية الخدمة هذه الشقة في البناية الفاخرة قبل ان يرتفع ثمن شقتها في جنون. نعم، ادركها الصداع الهائل لكن لسانها ظل معقوداً اعترفت لجارتها في مناسبة: لم ازر قبره منذ شهور فيما عدا ذلك ظلت صفحتها بيضاء، طاهرة اليدين والفم. سمى سكان الحي البناية «بناية الجنون» لفت لعنة موسمية الجميع ففتحوا غطاء بئر السقوط فزكمت رائحته الانوف ومرغت الوجوه المهيبة في وحل التهتك. لم يخل الامر من اعترافات كوميدية وخاصة للصغار: وخنق قطة. هروب من المدرسة. مواعدة حبيب. التدخين في الخفاء. سرقة عرائس السيارات الفخمة. ممارسة الحب بالهاتف. مطاردة الخادمات. اطلاق النكات في سرادق العزاء. الصلاة بدون وضوء لعب الميسر. قرص الفتيات في زحام المولد. اصبح السكان يتجنبون بعضهم البعض. الجحيم فوهته الفم. يتندرون بما حدث في خطوبة ابنة السمسار، فاجأه الشاب امام المدعوين بقوله: هذا زواج مصلحة ايها الحباك الكبير. اجابه الاب غاضباً: لولا ان ابنتي دميمة، مارضيت بصعلوك مثلك. كتبت مراهقة على باب المصعد الداخلي: ـ ابي يسرق الوطن، وامي تسرق ابي، وانا اسرق الحب من صديق قبيل الانفجار بساعات انتهت عطلة المهندس. يتقن من سر الحجر النيزكي، وعزا اليه الظواهر الغريبة التي المت بالبناية خلال ايام عطلته. عندما عاد الى موقعه بالصحراء اخذ الحجر رماه في منجم قديم بالقرب من الحدود الليبية. اما البناية فقد استرد سكانها ناموسهم الاول. اعاد البواب زوجته الى عصمته، وكذلك فعل الطيار مع زوجته السكرتيرة، وسافر مدير الادارة التعليمية لشراء الشاليه، واستعد الصحفي للسفر الى بلد خليجي آخر، وتصالح من تخاصم، وعاد البواب يمارس هوايته في السرقات الصغيرة. اما المنتج فكان يحتفي بوجه سينمائي جديد رشحها لبطولة فيلم جديد من انتاجه، ونجح اخيراً في سوقها الى مذبح الفراش رغم مقاومتها المصطنعة، اما ارملة الشهيد فكانت الوحيدة التي لم يتغير ناموسها ولكنها كانت حريصة على زيارة قبره بانتظام. قاص واستاذ جامعي مصري