«حبة الرمان» عنوان لمجموعة شعرية جميلة تضم بين دفتيها مئة قصيدة حب أرمينية انتقاها المترجم من المجموعة الكاملة لقصائد الـ «هاييرين» التي صدرت في بريفان عام 1995 ضمن منشورات معهد المخطوطات القديمة هناك (المعروف باسم ماديناتاران)، ان هذه القصائد لها وزن شعري واحد، وشكل موحد، وهي عبارة عن مقطعات تتكون الواحدة منها عادة من بيتين او اربعة او ستة او ثمانية او ستة عشر بيتا. اما نسبة هذه القصائد الى شاعر واحد او قائل واحد، فمسألة عصية الاثبات لكن لها في النهاية هويتها لا قائلها فهي ارمينية اللغة والايقاع ارمينية الزمان والمكان والرائحة والاحلام مثل اوراق الخريف قلبي يرتجف امام حبك العاصف ومثل امطار الربيع تبلل الدموع وجهي لقد فارقتني روحي فخذيني لحظة في حضنك الدافيء ان صدري يألف صدرك فخبريني كيف يبتعد عنه؟! ان عالم هذه القصائد غني ومتنوع لكن قصائد الغزل والفراق وقصائد التأمل والحكمة لهما مكانة متميزة فيها. وكما في قسم كبير من ادب القرون الوسطى وشعره فان قيم الحياة الدنيوية تظهر هنا ايضا بوضوح وكذلك جمال الحياة المتجسد في التغزل بجمال المرأة، وفي حبها: عندما قدم الحب الى الدنيا جاء وحل في قلبي.. ومن قلبي.. فاض الى بلدان كثيرة من العالم ثم صعد الى رأسي فتبوأ مكانة من عقلي وحين سأل عيني دموعا انهمرت الدموع دما الى القاع.. ان لهذه القصائد قيمة فنية بالاضافة الى قيمتها التاريخية الكبيرة انها ترسم بوضوح وصدق العالم الروحي الواسع للانسان، ترسم احاسيسه واحلامه التي تلتحم بحاضر الشعب وتاريخه، تلتحم بعاداته وتقاليده، وتعبر عن امنياته وفكره، وهذا هو سر شعبيتها الكبيرة بين القراء منذ اجيال واجيال. وتبدو قصائد الغزل مكتوبة بحرية تامة وبلا قيود وهي مزينة بصور جميلة تتجسد فيها معان عميقة وعند التعبير عن الاحاسيس نجد الالوان الزاهية والمليئة بالحياة هي المسيطرة غالبا انها تثور كالبراكين احيانا وتجعل الافكار التي تعبر عنها اكثر واقعية وحيوية ان شاعرنا لا حول له ولا قوة امام الحب والجمال وفي وضعه الصعب والحرج هذا يوجه كلامه للرب قائلا: ما ذنبي اذا كنت اعشق كل جميلة اصادفها..؟ ولأنني اعرف سر الآخرة فسوف اعترف بهذا.. فأحمل بين ذراعي فتاتي الحلوة اما قصائد الشوق والفراق، فانها تلفت انتباهنا لانها تعبر عن نفسية الانسان المغترب عن وطنه الانسان الذي حفظ حب الوطن في قلبه، وهم كثيرون في تلك الايام، اذ كانت ارمينية في حالة يرثى لها بسبب الحروب والغزوات والاضطهادات المتكررة التي اثرت في الاقتصاد والحياة الاجتماعية، وكان الفلاح والمهني يهاجران عن وطنهما الى بلدان بعيدة بحثا عن لقمة العيش والحياة الكريمة. ان ظاهرة الهجرة توسعت بشكل مخيف وتركت اثرها في جميع مظاهر حياة الشعب الارمني وبالتالي فانها تركت بصماتها على الشعر والتراث الشعبي عامة. ان الشاعر الارمني يهاجر ليكمل حياته تحت سماء باردة غريبة ولكنه قبل سفره لاينسى ان يقول كلمتين مؤثرتين الى اقاربه وحبيبته: سأقوم من مكاني واودعكم.. فظلوا مكانكم بخير يا أصدقاء سأترك عندكم حبيبتي وديعة فصونوها بين الورود. واذا ما عدت سالما من رحلتي فردوا الامانة الى صاحبها اما اذا قضيت في غربتي فاقطفوا الورد واذكروا صاحبه.. وبعد... فانه على الرغم من تعذر تحديد قائل هذه القصائد على وجه الدقة، الا انها تبقى قصائد رائعة تنبض بالروح والاحساس وما على القاريء الا ان يقلب صفحات الديوان ليضوع بين يديه عطرا ودفئا وعبقا. صباح فاروق كيالي