مع مسلسل «سحر الشرق» عرفنا عمار الكسان ككاتب درامي يجيد فن جمع المعلومات والتفاصيل وبناء الحدث والشخصيات، وقبلها كانت الصحافة السورية والعربية قد عرفت اسمه منذ أواسط السبعينيات، كإعلامي مميز يتقن فنون المهنة ولا يخضع قلمه للتنازلات، وقد استهواه بصورة خاصة النقد السينمائي، لينتقل بعد ذلك في أوائل التسعينيات إلى إلقاء محاضرات بهذا الخصوص في المركز الثقافي الفرنسي والألماني وإلى تأليف قاموس السينما السورية الذي صدر بالفرنسية عن معهد العالم العربي، وهو حاليا يعكف على إنجاز مشروع لتوثيق السينما العربية الصامتة. «البيان» التقت الناقد والسيناريست عمار الكسان ودار الحوار حول تجربته في «سحر الشرق» ـ ألا تعتقد أنها مغامرة جريئة أن يبدأ المرء تجربته في كتابة السيناريو بمسلسل تاريخي طويل متعدد البؤر كمسلسل سحر الشرق؟ ـ ربما كنت قد بدأت بالأمس مع هذا العمل ككاتب سيناريو أو في محاولة للكتابة الدرامية، لكن علاقتي بالدراما وبالصياغة الدرامية الممحصة كانت قد بدأت منذ زمن بعيد من خلال عملي كناقد سينمائي، وقد أردت أن تكون البداية العملية قوية وذات معنى فجعلت الرهان كبيرا وأمضيت ما يكفي من الوقت والبحث والجهد لكي أحظى بالحد الذي أطمح إليه من نجاح، لكن المشكلة بدأت معي حقا في الرحلة ما بين الورق والصورة التي حاولت جاهدا أن أرسم ملامحها بدقة كوني أصلا ممن يبحثون عن دراما ذات هوية بصرية، في هذه الرحلة كان حزني شديدا وأنا ألملم جثة أوراقي وأفكاري التي أهرقت أثناء التصوير ـ هذا يعني أن ثمة اختلافاً واضحاً بين وجهة نظرك كمؤلف ووجهة نظر المخرج، وأنك غير راض عن هذه الشراكة، أليس كذلك ؟ ـ أظن أن هناك مشكلة قائمة دوما عندما يقدم أي مخرج سينمائي على عمل تلفزيوني فهناك فرق كبير في حجم شاشة العرض وعلاقة المتلقي معها، اللقطات البعيدة والطويلة في هذا العمل مثلا أنهكت روحي كمؤلف وجعلتني قبل المشاهدين أقف على بعد غير محبب من شخصياتي، هذا بوجه عام أما على وجه الخصوص فأنا شخص يميل إلى التفاصيل وأعتقد بان أي حياة بدون تفاصيلها هي لا حياة، ولهذا فقد كتبت تفاصيل حيوات، لكني تعاملت مع مخرج لا يحب التفاصيل، تلفته العناوين البراقة ويتزلج على سطحها دون أن يحاول الدخول إلى أعماقها وقراءة جوانيتها، كان كل منا يفكر من زاوية مختلفة تماما عن الآخر، والنتيجة كانت من وجهة نظري أن خسرت العديد من المشاهد حرارتها وإمكانية تواصلها الوثيق مع المشاهد ـ لكن فكرة العمل هي للمخرج وهو الذي عرضها عليك، فكيف كانت البداية ؟ ـ عندما عرض المخرج السينمائي أنور القوادري الفكرة علي وعلى ريم حنا بغرض إعداد عمل درامي عن جين دغبي كان من المفترض أن أقوم بجانب البحث التاريخي وما يخص العلائق الدرامية في هذا العمل الذي يرصد فترة مغرية حقا للتناول الدرامي، إذ تعدى الأمر مسألة امرأة من الغرب أحبت شيخا بدويا مع الكمية الكبيرة من المراجع التي عدنا إليها عن الفترة الفاصلة بين 1850 و1900، وجدت أننا أمام معطيات مدهشة فهناك قصة حميمة لأول استشراق مبني على الحب حدث في المنطقة، وهناك بروفا لسايكس بيكو، هناك أول بذور الفتنة الطائفية، وهناك ولادة أول مطبعة وأول صحافة في سوريا، هناك مجتمع سوري يرزح بشكل قاس تحت إمبراطورية متهدمة هي الإمبراطورية العثمانية، وهناك وال جديد على دمشق كل عام وأحيانا كل عامين، وهكذا بدا العمل بالنسبة لي مغريا بشدة مع كل هذه المعطيات ولم يكن من الممكن الدخول في كل هذه المعطيات من جهة البحث التاريخي فقط، فاتفقنا أنا وريم أن أمضي في كتابة هذا العمل وان تشاركني فيه، واتفقنا تاليا أن تكون هذه آخر تجربة مشتركة نجد فيها متنفسا لشراكتنا ـ هذا يعني أنك أيضا لست راضيا عن هذه الشراكة، لماذا ؟ ـ اكتشفت أن الكتابة المشتركة هي مشكلة، وليس السبب في ريم أو في شخصيا، إنما في اللحظة الشعورية الخاصة بدفق الكتابة سواء كانت للتلفزيون أم لغير ذلك، انها لحظة لا تقبل أكثر من رأي، وأنا أفكر الآن جديا في أنني يجب أن أتأقلم مع هذه المهنة الجديدة بالنسبة لي، أو أن أتركها نهائيا إلى محاولة يكون فيها صوتي منفردا. ـ ما المراجع الرئيسية التي أسست لـ «سحر الشرق»، وإلى أي مدى تدخل الخيال ؟ ـ على وجه العموم أنا مولع باللعب الحر إنسانيا والصارم بالآن ذاته في إطار الوثيقة التاريخية، وقد لفتني وأنا أقرأ استشراق جين دغبي عبر مذكراتها أنها تكاد تكون العين النادرة المفتوحة على تلك الفترة، بالطبع لملمت من هنا وهناك بعض الوثائق النادرة التي تتحدث عن تلك الفترة، واسمحي لي أن أرفع القبعة لأشخاص رحلوا أو ما زالوا حاضرين تركوا لنا تصورات في غاية الأهمية عن مرحلة غائبة أو مغيبة من حياة بلاد الشام في تلك الفترة وعلى رأسهم الدكتور نعيسة في كتابه عن المجتمع الدمشقي، وفتح الله الصايغ الحلبي الذي كتب بحلبيته الطريفة واصفا حياة البدو، والشيخ القاسمي الذي عندما تقاعد كأحد شيوخ دمشق وقتها في 1800 ركب حمارا وحمل قرطاسا وقلما ومضى لزيارة الحرفيين في دمشق ليترك لنا قاموس الحرف الشامية، وللطرافة سأذكر الآن أنني استعرت من خالتي ذات الثمانين عاما لهجة أهل أيام زمان وكتاب التاريخ الذي درسته في الصف الخامس للمؤرخ كرد علي الابن، وبعد ذلك كله أتى الخيال الروائي خصوصا فيما يتعلق بالقصة الشامية، فربما كانت الشخصية الحقيقية الوحيدة هنا هي حنا الدوماني، أما الشخصيات الأخرى فهي شخصيات روائية تم إنتاجها من وثائق تاريخ المجتمع الشامي في تلك المرحلة ـ كيف كانت علاقتك بالشخصية المحورية جين، وهل كنت وفيا لها ؟ ـ جين دغبي سحرتني منذ اللحظة الأولى التي اقتفيت فيها آثارها، لمساتها الخاصة في الكتابة وأنا أقرأ مذكراتها، لوحاتها ذات الاستشراق الواقعي لوحات مدهشة بالأبيض والأسود، والكثير من تفاصيل العلاقة التي بدأت منذ أن وجدت قبرها مظللا بشجرة زنزلخت شامية وحجر من تدمر واكتشفت أنها امرأة نادرة أضافت الكثير من نكهة روحها على هذا الشرق الذي فتنها. ـ أخيرا هل انتقلت من حقل الإعلام إلى الدراما التلفزيونية بسبب الحاجة المادية واستسهال هذه المهنة كما يصرح الكثير من كتابها، أم أن الأمر مختلف بالنسبة إليك ؟ ـ في إطار محاولتي الصغيرة والمتواضعة فإن الكتابة للدراما التلفزيونية وخصوصا عندما يكون المرء بصدد عمل من عشرات الساعات هو فن يجمع في ثناياه الرواية والقصة القصيرة والشعر مع التحفظ والاحترام لكل هذه الفنون، وهي مهنة تبدو لي عربيا بحاجة إلى العديد من المحاولات والإسهامات التي بالضرورة ستغربل وصولا إلى هوية شخصية وأسلوبية تخص الدراما العربية، خصوصا مع تنامي عدد المشاهدين بفعل القنوات الفضائية، وعندما بدأت الدراما التلفزيونية في أمريكا حاول تقريبا واحد من ثلاثة مواطنين أمريكيين أن يكتبوها وبالطبع استقبل التلفزيون آنذاك كما هائلا من الهراء وقليلا من الأعمال، الهامة وأعتقد أن هذه المهنة اليوم عربيا تمر في هذه المرحلة، وأعتقد أيضا أن آلية الفرز بين الهراء والمهم ليست دائما من صلب تقاليد الشركات المنتجة للأعمال التلفزيونية، فالمسألة تحتاج إلى وقت كي تكتشف بعض هذه الشركات أنها بحاجة إلى ذواقة أو ما يسمى دراماتورجي الذي يمكن أن يبدي رأيه بنص ما، وإلى أن يحدث ذلك علينا أن نتحمل كل بلاوي الدهر التي تصرف عليها الملايين وتتحول إلى سلع رائجة في سوق الدراما التلفزيونية. دمشق ـ تهامة الجند