تمارس العديد من الشعوب على امتداد العالم عادات وطقوساً لا تفتقر الى الطرافة وبعضها شديد الغرابة وتعتبرها ضاربة الجذور في تراثها وثقافتها بحيث تصبح هذه العادات جزءاً لا يتجزأ من نمط حياتها وما يجري نقله من جيل الى جيل بغض النظر عن مدى غرابتها. وقد تجلى هذا التمازج بين العادات والمعتقدات بشكل واضح في مجموعة جزر هاييتي، التي يمارس سكانها مجموعة من العادات والطقوس ويعتقدون انها تطهرهم من الحظ العاثر الذي رافقهم في الماضي، وتضمن لهم الحظ الطيب في العام المقبل. يسمى الهايتيون هذه الطقوس بـ «الفودو» التي تقوم على اساس الاعتقاد بوجود قوى لا حصر لها تمارس نفوذها المباشر على وجودهم. وهذه القوى يمكن ان تكون خيرة او شريرة، وقد تتلبس الاشخاص فتجلب لهم الخير، او تجر عليهم الوبال والاذى والوانا شتى من الشر. وفي هاييتي، لا وجود للحد الفاصل بين ماهو واقعي وغير واقعي بالنسبة للبعض على الاقل، وفي خضم الطقوس الغريبة التي يمارسها المتمسكون بالفودو، يبدو في الغالب وكأن العالمين اندمجا في عالم واحد. وفي يوليو من كل عام يقوم عشرات الألوف من الهايتيين برحلة شاقة الى شلال «سوت دي أو» الذي يحظى بمكانة خاصة لدهيم من اجل الابتهال الى «ايرزولي» روح الحب في الفودو، وتحت الجزء الاعلى المتغضن من الغابة، ينحدر شلال من الماء القوي من ارتفاع 100 قدم الى الصخور في الاسفل، حيث يستحم المئات من الاشخاص في المياه الباردة، كالثلج. يقف هؤلاء الاشخاص المحجوبون عن الانظار بموجات من الرذاذ، مادين اذرعهم، ومتمتمين بعبارات تقليدية غريبة لكن اصواتهم وكلماتهم تغرق في هدير الماء المتدفق بقوة والطبول التي يقرعها القائمون على تنظيم هذا التجمع بصوت عال، وتحت مياه الشلال المتدفقة من الاعالي يدلكون اجسادهم بالصابون والاعشاب الطبية العطرية، ثم ينزعون قطعاً من ملابسهم، ويرمونها في البركة المتكونة تحت الشلال. ويقول جوسلين مايس وهو امريكي من اصل هاييتي جاء من بروكلين خصيصا للمشاركة بهذا الحدث السنوي: هذا ماء غير عادي، وله خصوصيته والناس يأتون هنا ليتخلصوا من حظهم السييء. الى هنا قد تبدو هذه الممارسات مجرد عادات درج البعض عليها لا اكثر، لكن الامر لا يخلو من العنف والغرابة المفرطة ففي فسحة اجتثت منها الاشجار قبالة النهر يتجمع الراقصون حول قارعي الطبول وتقوم امرأة بتناغم مع الايقاعات المعقدة بامساك دجاجة من رقبتها، فتلفها حول رأسها ثم تخنقها بشكل يتناغم مع الايقاع، قبل ان تضعها تحت شجرة بعينها لا تتغير، مزينة بشموع مشتعلة. ويقوم رجل حاد الملامح بمساعدة صبي يبلغ عادة من العمر تسع سنوات على الاستلقاء برفق على الارض، ثم يضع ماعزاً صغيرة على صدر الصبي ويستل سكيناً يبلغ طول نصلها ثماني بوصات، ويشرع في جز رقبتها ليسفك دمها فوق صدر الصبي. عندما تنفق الماعز، يقوم الرجل بقطع رأسها، ثم يساعد الصبي المطلخ بالدماء على الوقوف على قدميه، ويقوم الرجل بعد ذلك بتصفية دم الماعز في يقطينة يابسة، حيث يخطط خدود الصبي وجبهته بخطوط سميكة من الدم نفسه، ويلعق الرجل اصابعه، ثم يرفع رأس الماعز نحو الجهات الاربع، ويقف الصبي، مصاباً بالدوار وملطخاً بالدماء، بينما يقوم الحشد بالدوران حوله. جاءت عادات الفودو الغريبة تلك التي تعني بلغة شرق افريقيا «القوة الخارقة للطبيعة» الى هاييتي مع سفن العبيد التي جلبت الملايين من الافارقة الى مزارع السكر الفرنسية. وكانت هذه العادات التي احيطت بالسرية والكتمان قد ساعدت العبيد على الحفاظ على روح المقاومة في مواجهة النظام الاستعماري الوحشي وعلى اشعال ثورة عام 1791 التي تعتبر ثورة العبيد الوحيدة الناجحة في التاريخ البشري بأسره. يطفو العنف الى السطح اكثر في مهرجان بلين دونورد، وهو يقام في مكان بعيد عن «سوت دي أو» فهناك يزعم البعض ان القوة الخارقة المسماة «اوجون» تستقر في بركة طينية في سوق القرية وبدلا من الغابة ذات الاشجار الكثيفة، هناك اكوام من القمامة المدخنة وبدلا من الحب الروحي، هناك شيء من الدمار في الجو. يقوم المشاركون في ممارسة هذه العادات الغريبة بالقاء مبالغ من المال واللحم والمشروبات في البركة، يسارع صبية من القرية الى سرقتها، مقابل مساعدة الاشخاص المشاركين في هذه الاحتفالية دخول البركة التي يعتقدون انها تتمتع بقوى علاجية خارقة. وما ان يصل الاحتفال الى ذروته، حتى يقوم احد الاشخاص باطلاق سراح احد الثيران بين الجمهور، مما يزيد في احتدام انفعالاتهم فينزلون الى البركة الطينية، وهم يطلقون صيحاتهم وابتهالاتهم غير المفهومة. ضرار عمير