الإبداع في كافة أشكاله هو حكر، كما هو معروف، على بني البشر، لكن السؤال الذي يتردد في الأذهان هو: هل يأتي يوم تصبح فيه أجهزة الكومبيوتر قادرة على التأليف الموسيقي، أو التحول إلى فلاسفة أو علماء فيزياء أو فنانين وما إليه من النشاطات البشرية حصرا. وفي هذا تقوم عدة مشاريع علمية تهدف إلى تطوير ما يعرف بالذكاء الاصطناعي لجعل الكومبيوترات قادرة على تحقيق الجدلية العقلية اللازمة للإبداع في المجالات المختلفة. ومن المتحمسين لهذا الطموح هارولد كوهين، الذي قضى حياته المهنية في تصميم برنامج يعرف باسم آرون له القدرة على رسم لوحات تشكيلية فنية أصيلة لا تقلد شيئا مما هو معروف. ويقول هذا الباحث «لقد بدأنا للتو في تلمس القشرة الخارجية للذكاء الاصطناعي للماكينات». أعمال جميلة وتمكن هذا العالم من تأسيس قاعدة معرفية ومعلوماتية في برنامجه تؤهله إلى تكوين درجة من الذكاء المستقل نسبيا حول الأشكال البشرية وكيفية تحرك أبدانهم، وكيفية تحريك فرشاة الرسم، وكيفية الرسم بالطبع. ويعمل برنامج آرون من خلال استخدام وربط آلاف البرامج الفرعية والتفاعل فيما بينها من أجل إبداع أعمال فنية تشكيلية جميلة، أو هكذا تراها بعض الأذواق على الأقل. ويقول مهتمون إن من شأن هذا التفاعل في برنامج آرون إيصاله إلى حدود الإبداع، التي يحتكرها الكائن البشري، وهو ما يجعله يخلق أعمالا فنية مريحة للعين، وفيها ملامح عاطفية، بل إن بعضها معروض في بعض الصالات والأروقة الفنية. إلا أن صاحب البرنامج يقول إن آرون يمكن أن يعتبر مبدعا من الطراز الثالث لا أكثر، وهو لا يستطيع أن يكون مبدعا إلى حد أنه قادر على نسج سلة من الخوص أو الخيوط، وليس له الذكاء الكافي لعمل تشكيل بسيط مثل شمعة. ولكن هل يجعل هذا من برنامج آرون أكثر قدرة على الإبداع من بعض البرامج الكومبيوترية الأخرى التي يمكنها القيام ببعض النشاطات التي يمكن أن يطلق عليها صفة إبداع بتحفظ شديد. وفي هذا يقول كوهين إنه يصمم ويكتب البرنامج، والأخير هو الذي يقوم بالرسم وليس هو «أما من هو الفنان أنا أم آرون فهذا شيء لا أعرفه». ولكن من الإنصاف القول هنا إن كوهين، وليس آرون، هو الفنان الحقيقي. حلم بعيد وفي نفس السياق وضمن الحقل نفسه يقوم علماء في النمسا بتعليم كومبيوتر كيفية عزف البيانو على نحو قريب من الشعور البشري. بل ويسعون إلى جعله قادرا على تحسس الفروق والميول بين عازف وآخر لنفس القطعة الموسيقية. لكننا نبدو بعيدين جدا، حتى مع وجود هذه البرامج المتطورة، عن القول بأن الآلة قد باتت قريبة من تخوم الإبداع أو التفكير المستقل. ولهذا فإن حلم توقفنا عن العمل لتقوم الآلة به بدلا منها ما زال حلما بعيد المنال، ربما لأجيال عديدة مقبلة. arab@bbc.co.uk