يضم كتاب محمد دكروب «تساؤلات امام الحداثة والواقعية في النقد العربي الحديث» سلسلة من المقالات والدراسات التي كتبت في اوقات ومناسبات مختلفة، ولا يجمع فيما بينها اسلوب المؤلف، ورؤيته، ومنهجيته في الكتابة، وما يؤطر اطروحاته في ما درج، كثير من الكتاب، على تسميته «نقد النقد». هذا العنوان العريض «نقد النقد» اضحى مدخلاً للعديد من الكتاب كي يدلوا بدلوهم في كل مناسبة وقول، فمن مداخلة في مؤتمر رسمي او شبه رسمي، الى مقالة في دورية، الى مداخلة في ندوة حول الشعر او الرواية او اي شيء اخر، الى تأبين كاتب راحل الى مقدمة كتاب او مراجعة له، وما يقل او يزيد على ذلك. من هذا كله يجمع المؤلف مواده في «نقد النقد» ليكون كتاباً تنشره دور النشر العديدة في عالم النشر العربي. ذلك تماماً ينطبق على ما فعله دكروب في هذا الكتاب الذي بين يدينا، فالقسم الاول المعنون تحت عنوان «في النقد الحداثي: رؤى.. وتساؤلات»، لا يرتبط الا ظاهرياً او لنقل شكلياً بالقسم الثاني «تساؤلات واقعية في النقد الواقعي»، وكلاهما لا يمتان بصلة بالقسم الثالث «حاثة واقعية في كتابة النقد السينمائي والموسيقي»، ويلح السؤال في هذا المجال عما يجمع نقد النقد بقصيدتنا الحديثة في مواجهة الغزاة، والنقد الحديث في مواجهة النقد، و«محنة الشعر العربي الحديث، وعلاقة كل ذلك بالمسرح العربي الحديث وبالسينما والموسيقى والنقد الواقعي وما الى ذلك. ان مواد الكتاب هي التي جعلت كاتبه يجمع بين اطروحات ونقود حسين مروة مع محمود امين العالم واحسان عباس وفيصل دراج وغالي شكري وغسان كنفاني وسماح ادريس وسعيد مراد ونزار مروة وغيرهم. وربما رابط اخر هو الايديولوجيا والنقد الواقعي، او ربما تكون الحداثة عنواناً عريضاً واسعاً يمكن ان ندرج تحته ما يحلو من مقالات متفرقة. هذه الكتابة تتعب القارئ، ففي المقالة الاولى يشير الكاتب الى الاوراق المقدمة في ندوة مهرجان جرش من قبل عدد من النقاد، ويناقشها، ويرد عليها دون اي اشارة تساعد القارئ في الرجوع الى الاوراق المذكورة. ثم ينتقل الى جوانب من الحداثة الشعرية، من خلال استعراض اراء عدد من الشعراء والنقاد العرب الذين ينتمون الى حساسيات واتجاهات مختلفة، ليخلص الى كون الحداثة حاجة ضرورية، وعليها ان تعود «الى صفتها الاساسية: مجابهة على صعيد الفن وصعيد المجتمع، وعلاقة تفاعل حقيقي مع القارئ.. مع حركة الصراع الاجتماعي وعلى صعيد التقدم». وينتقل بعد ذلك الى تناول مشروع يمنى العيد النقدي من خلال عرض كتابها «الكتابة: تحول في التحول»، ليطلعنا على انه عليم بظروف تكوين هذا الكتاب، مبدياً بعض ملاحظاته على بعض ما ورد فيه. ويناقش بعد ذلك عدد مجلة «الفكر العربي»الخاص بقضايا المسرح. وربما اهم ما في الكتاب هي المقالات المنشورة عن النقاد: احسان عباس ومحمود امين العالم وحسين مروة وسعيد مراد، وهي مقالات فيها من الاحتفاء بالكاتب والاشادة ما يفقدها سمة النقد او ما يسميه «نقد النقد». وباقي مقالات الكتاب لا تخرج عن اطار حاجة الكاتب الى الجمع الكمي للمواد وفق ما يتطلبه حجم الكتاب. كان بودنا ان نقرأ كتاباً لمحمد دكروب يظهر فيه آليات وكيفيات اشتغال الواقعية في النقد، وما هي المساحات التي تتناولها بالدرس والتحليل، وان يظهر تأكيده على انها تدرس تركيبة العمل ومختلف العلائق داخله، ولا تأبه بأحكام القيمة المتسرعة، وان لا يكون همها الاشتغال على ما هو خارج العمل من بنيات وظروف اجتماعية وثقافية على حساب ما يكشفه العمل بنفسه عن هكذا بنيات. عمر كوش