من تأليف جان بيير فيرنان وترجمة محمد وليد الحافظ صدر عن دار الأهالي بدمشق وبالتعاون مع وزارة الخارجية الفرنسية وقسم الخدمات الثقافية في السفارة الفرنسية في سوريا كتاب «الكون والآلهة والناس: حكايات التأسيس الاغريقية». على امتداد 160 صفحة من القطع الكبير ينقل الكتاب المذكور قارئه الى عالم الاساطير الاغريقية محللا اياها ودارسا أدق تفاصيلها ومجريا مقارنات وتأويلات في محاولة لفهمها وفهم العقلية التي أبدعتها والاهداف والرموز التي احتوتها والتي تنضوي بمجملها تحت ما يمكن تسميته «المثيولوجيا الاغريقية». فالكتاب هو إذن محاولة جديدة لاكتشاف العالم الخرافي لليونان القديمة وللاجابة عن السؤال التالي «ما الاسطورة الاغريقية» والجواب ببساطة انها حكاية فكيف تأسست تلك الحكايات الاغريقية وانتقلت عبر الاجيال وحفظت لتأخذ في المحصلة شكل نصوص ينتمي أقدمها الى أعمال أدبية من كل الاجناس: الملحمة والشعور والمأساة والتاريخ وحتى الفلسفة. فالاسطورة وعلم الاساطير هما كامتان يونانيتان ترتبطان بتاريخ تلك الحضارة وبعض ملامحها ويمكن مقارنة الخرافات الهلينية بالحكايات الموروثة لشعوب اخرى تنتمي الى ثقافات وعصور مختلفة جدا مثل شعوب الصين والهند والشرق الأدنى القديمة أو شعوب امريكا قبل ان يكتشفها كولومبوس أو شعوب افريقيا وبين مختلف هذه الموروثات السردية ما يمكن اعتباره علاقات قرابة. وفي دراسته العميقة لفك رموز الاسطورة الاغريقية فإن المؤلف يلجأ الى توسيع بحثه درجة درجة يبدأ من احدى روايات تلك الاسطورة الى كل الروايات الاخرى التي تصب في الموضوع نفسه مهما كانت صغيرة ثم الى حكايات اسطورية اخرى قريبة أو بعيدة بل الى نصوص تخص قطاعات اخرى من الثقافة نفسها، أدبية، علمية، فلسفية، ثم الى روايات مماثلة لحضارات بعيدة فما يهم المؤرخ والانثروبولوجي هو الخلفية العقلية التي يشهد عليها خيط السرد والاطار الذي نسج عليه وهذا ما لا يمكن كشفه الا عبر مقارنة الحكايات المختلفة بتباعداتها وتشابهاتها. وهنا يقول المؤلف ان الملاحظة التي صاغها جاك روبو والخاصة بالقصائد الهوميرية مع عنصرها الخرافي تنطبق في الواقع على مختلف الميثولوجيات وهي «انها ليست حكايات فقط بل تحتوي على كنوز الفكر والصيغ اللغوية والتخيلات الكونية والتعاليم الاخلاقية التي تؤلف الميدان المشترك لاغريق الفكر ما قبل الكلاسيكي». وهكذا فإن فيرنان يروي في كتابه ما اعتبره حكايات التأسيس الاغريقية في تفسيرها لنشأة الكون والآلهة والناس. ويبدأ بالحديث عن نشأة الكون حين لم يكن هناك حسب الاساطير الاغريقية سوى الخواء المظلم الذي هو عبارة عن ثغر مفتوح لا يمكن تمييز شيء فيه بلا نهاية ولا قاع ثم ظهرت الأرض التي يسميها الاغريق «جيا» التي بدورها أعطت الحياة لشخصيات الهية متعددة ـ سماوية وأرضية ـ دار بينها صراع طويل ودام، حيث كان الابناء يطيحون بالآباء ليحتلوا مناصبهم. فالعالم بناه الاغريق انطلاقا من ثلاثة كائنات بدئية هي: الأرض والسماء والحب. أي جيا وكاوس وايروس ثم من جوهرين ولدتهما الارض وهما اورانوس وبونتوس وفي قدرات طبيعية والوهات فجيا الشيء نمشي عليها هي آلهة في الوقت نفسه ويمثل بونتوس مياه البحر. وبعد حرب طويلة ودامية تشترك فيها الآلهة وانصاف الآلهة قبل ان يستتب الأمر لزيوس كبير الآلهة فيضع تنظيما دقيقا للعالم الالهي يكفل له السيطرة المطلقة دون أي منازع. ان زيوس لم يؤسس نظاما سياسيا فحسب حتى لا يخاطر أي نزاع بأن يهز بظهوره أركان العالم، فالآلهة المنتصرة تقيم في الأولمب ضمن مراتب وامتيازات مدروسة بدقة والآلهة المتمردة والمخطئة والمقهورة مطرودة من الأولمب ـ السماء ـ حتى تظهر بالقصاص والى الأبد. ينتقل الكتاب بعد ذلك الى الحديث عن تنظيم الآلهة لحياة الرجال وكيف تم توزيع الاماكن والمعارف بين الآلهة والناس وكيف تم خلق المرأة أو ابتداعها وما هي المزايا التي حملتها معها للرجال والشرور التي أطلقتها الآلهة وراءها. الفصل الرابع في الكتاب يتناول حرب طروادة وابطالها مؤسسة على رائعة هوميروس الأولى (الالياذة) ويسعى المؤلف الى اعادة تفسير تلك الحكاية «الصراع بين اليونان الأوروبية وطروادة الآسيوية» بمدلولاتها المباشرة وغير المباشرة ولا يستبعد ان يرى الاغريق في تلك الحرب غضبا الهيا على البشر الذين تكاثروا جدا وازداد ضجيجهم وضوضاؤهم فأرادت ان تطهر الأرض منهم كما في الحكايات البابلية حيث ارسلت الآلهة الطوفان لتخفف من هذا الجمع البشري وتعيد الى العالم بعض الهدوء. الفصل الأطول في الكتاب خصص لرائعة هوميروس الثانية الاوديسة وبعنوان «أوليس أو المغامرة البشرية» فهذا الرجل الزوج والأب لطفل تركه رضيعا أمضى في حرب طروادة عشر سنين. وكتب عليه ان يمضي عشر سنين اخرى تائها في البحار ملاقيا من المشاق ومواجها من الأهوال والمخاطر ومقابلا من الشخصيات الاسطورية الالهية ونصف الالهية والحيوانية والخرافية ما يشكل بحق مغامرة بشرية ملحمية تركز ربما على صراع الانسان في سبيل سلامته وأمنه وحضارته. فبعد حرب طروادة يرى المؤلف ان النسيان ومحو ذكرى الوطن والرغبة في الرجوع اليه وهي ارضية لكل مغامرات أوليس ورفاقه تمثل هذه الامور على امتداد الرحلة البحرية الطويلة التي قام بها وفي كل لحظة الخطر والشر. وبعودته أخيرا الى مملكته وموطنه وزوجته وابنه وبقضائه على اعدائه ترسخ ملحمة أوليس التطلع الانساني والاستقرار. تلى ذلك الفصل فصول تتناول أبرز رموز اليونان القديمة الدينية والفلسفية كحكاية ديونيزوس في طيبة واسطورة أوديب وبيرسيه والموت والصور في بحثه عن الفروة الذهبية. وينتهي الكتاب بتلك الفقرة المبدأ: سيترك البطل بيرسيه الذي جعلته مغامرته زمنا طويلا ملك الموت سيترك الحياة بدوره كما هو شأن الجميع وقد رجع الى مجرد فان ولكن تمجيدا للشاب الذي تجرأ على مجابهة الفورغوتة ذات النظرة المحجرة سينقله زيوس الى السماء حيث يثبته على شكل كوكبة من النجوم في المجموعة التي ستحمل اسمه والتي ترسم صورته على القبة الليلة المظلمة في نقاط مضيئة يراها الجميع والى الأبد. محمد عبدالعال