تتبع المؤلف مسعود كواتي في كتابه اليهود في المغرب الاسلامي الصادر مؤخرا بالجزائر، دخول اليهود الى منطقة إفريقية والمغرب الإسلامي أو المغرب العربي، ويرى أن ذلك بدأ منذ عهد الفينيقيين مؤكدا أن التضارب ساد الروايات التاريخية حول الهجرات اليهودية الى المغرب نظرا لامتيازها بالسرية في أغلب الأحيان، ويذهب المؤرخون اليهود أيضا إلى أن أعدادا كبيرة من اليهود جاءت مع الفينيقيين الى المغرب وساهموا في تأسيس مدينة قرطاجة بالساحل الشرقي للمغرب، وكون هؤلاء الوافدون الجالية اليهودية الأولى بالمنطقة، بيد أن المؤرخ اليهودي ناحوم شالوشز يرى أن اليهود سبقوا الفينيقيين الى المغرب، حيث استقروا ببرقة ليبيا، ويشكك المؤلف في هذا القول نظرا لأن طرابلس نفسها المسماة «أويا» أسسها الفينيقيون. ويورد المؤلف رواية أخرى تقول إن اليهود جاءوا الى المغرب لأول مرة إثر حملة الملك بطليموس على بيت المقدس حوالي 320 قبل الميلاد، حيث رحل منها حوالي 100 ألف يهودي استقر أكثرهم بليبيا وانتشروا منها الى المدن المغربية. وزادت هذه الهجرة عقب حملة نبوخذ نصر على بيت المقدس سنة 586 قبل الميلاد. وأن البطالمة لما بسطوا سلطانهم على مدن برقة شجعوا اليهود على التنقل إليها، فتدعمت الجالية اليهودية بالمنطقة. وأثناء العصر الروماني بدأ اليهود في التنقل الى المغرب الإسلامي لكن لم يجدوا التسهيلات الكافية في أغلب الفترات، فنقص عددهم في تلك المرحلة وتقلص دورهم. واصطدمت مصالح اليهود بمصالح الرومان في البحر الأبيض المتوسط فحمل تيتوسفا سباسيان على بيت المقدس سنة 70 ميلادية وحطم رموز اليهود بعدما ثاروا على السلطات الرومانية المسيطرة بالمنطقة، فتفرق اليهود جراء الحروب وتنقلوا إلى أماكن كثيرة، وقال المؤرخ اليهودي بوسيفوس إن الوجهة كانت مدينة قورينة ببرقة، كما عمل الضغط الروماني على ترحيل اليهود من بيت المقدس الى المغرب بالرغم من أنهم لم يصبحوا بمنأى عن السلطات الرومانية في المكان الجديد .ويرى مسعود كواتي أن اليهود كانوا يعلمون أنهم بالمغرب ليسوا بعيدين عن خطر الرومان واضطهادهم لكنهم كانوا يريدون الاجتماع في مكان واحد قصد الإنطلاق من جديد متى سنحت الفرصة بذلك. وتقلص عدد اليهود في العهد البيزنطي بالمغرب ولا سيما في حكم جستينيان الذي تدخل في شئونهم مما أدى الى رحيل أكثرهم الى اسبانيا وايطاليا، لكن هؤلاء اليهود سيقومون برحلة معاكسة في عهد شيشبرتو القوطي في اسبانيا والذي اضطهد اليهود وطلب منهم الدخول في المسيحية أو الرحيل عن البلاد، فهاجر أغلبهم وتظاهر الباقون بالمسيحية، وعاد الكثير منهم الى السواحل المغربية حيث وجدوا بعض التسامح في آواخر العهد اليبزنطي . اليهود يتربصون الدوائر بالمسلمين يرى الكاتب أن الوجود اليهودي بالمغرب قبيل الفتح لم يكن يشكل كيانا واضحا، وقد أهمل المؤرخون العرب الذين كتبوا عن سكان المغرب العربي في تلك المرحلة كالواقدي والبلاذري وابن حكيم أمر الجالية اليهودية، وحتى المؤرخ الكبير ابن خلدون لم يتوقف عند هذه المسألة كثيرا. ويذهب المؤلف أن الهجرات اليهودية الى المغرب الإسلامي ازدادت بعد غزوة خيبر سنة 628 ه، وان أغلبهم رفض الدخول في الاسلام وهاجروا الى الصحاري واستقروا بها وقصد أكثرهم المغرب، وأن اليهود المهاجرين من الجزيرة العربية كانوا سباقين الى نشر اللغة العربية في الصحراء وعربوا كثيرا من القبائل الإفريقية. كما يرى المؤرخان أزنييت وأندري شوراكي أن اليهود لحقوا بالمسلمين في القيروان بعد أن أسسها عقبة بن نافع، وجلب إليها 1000 عائلة يهودية وقبطية من مصر قصد الاستفادة من خبراتهم في الحرف المختلفة. ويرد مؤلف كتاب «اليهود في المغرب الاسلامي» قائلا إن هذه مغالطة، ويرى أن الرحلة المذكورة حدثت في عهد عبد الملك بن مروان الذي طلب من أخيه عبدالعزيز أن يرسل 1000 عائلة من مصر الى تونس في عهد حسان لا عقبة، وقد طلب حسان المعونة والخبرة لما بنى دار الصناعة .وقد ذكر المؤرخ البكري ذلك. ويعلل المؤلف هذه المغالطة بمحاولة المؤرخين اليهود اختلاق دور مبكر لليهود في بناء المغرب الإسلامي .ويخلص الى أن اليهود لم يكونوا قوة مؤثرة بالمغرب أثناء الفتح الإسلامي نظرا لقلة عددهم وتفرقهم بالمدن المغربية. وقد تحدث المؤرخون اليهود عن دخول بعض قبائل البربر ـ السكان الأصليين للمغرب ـ اليهودية ويذهب شوراكي أن البطلة البربرية الكاهنة من قبيلة جاروة تدين باليهودية، وهو ما يقول به المؤرخان شلوشز وفورنال، ويرى مسعود كواتي أنهما اعتمدا على ترجمة غير أمينة لأقوال ابن خلدون وهي ترجمة البارون دو سالان بينما الأصل العربي يؤكد ـ حسب المؤلف ـ ان ديانة المغاربة بما فيهم قبيلة جراوة قبيلة الكاهنة هي المسيحية»: فكان البربر بإفريقية والمغرب قبل الاسلام تحت ملك الفرنج وعلى دين النصرانية. «وهناك معطيات كثيرة تؤكد تنصر ملكة الأوراس فولداها من أب يوناني أي أنهما من المغاربة الذين تمتزج عروقهم بالروم نتيجة الزواج المختلط وهو ما يفسر نفوذ هذه الملكة على الروم أيضا.وقد عرف المغرب فترة من السلام في عهد هرقل فتمكن الأب جريجوري الأول من ارسال بعثات التنصير على اوسع نطاق في المناطق الجبلية التي كانت مستعصية على البيزنطيين حيث نجح القساوسة المسيحيون في نشر دينهم بين كثير من القبائل البربرية . لكن المؤرخين العرب أمثال الكلبي ذكروا وجود ديانات عديدة بالمغرب قبل الفتح كالمجوسية والوثنية والمسيحية واليهودية، والمتفق عليه أن المسيحية هي المسيطرة ولاسيما في المدن .لكن اليهود يودون تفسير التاريخ حسب أهوائهم لأنهم يستعملون الدين سلاحا ولم يكن في استراتيجياتهم نشر ديانتهم، ويستند المؤلف إلى قولرينان أن هم اليهود هو الحفاظ على ديانتهم التي تعتبر عندهم سلاحا حادا يمارسون عنصريتهم تجاه الشعوب من خلالها على أساس شعب الله المختار. ويورد المؤلف أيضا قول الأستاذ عبد الفتاح عاشور: «ان اليهود لا يعنيهم نشر عقيدتهم بقدر مايهتمون بامتصاص ثروات الشعوب التي حلوا بينها وخنقها اقتصاديا ولهذا كان اهتمام المغاربة بهذه الديانة قليلا»، ويتساءل المؤلف: «فكيف يعتنق الناس ديانة يكرهون ويمقتون أهلها للعوامل المذكورة»؟ وبعد أن تم الفتح الإسلامي للمغرب وتكونت ولاية إفريقية مركزها القيروان على غرار كل ولايات الدولة الإسلامية اضمحل سلطان الحضارة البيزنطية والرومانية بالمنطقة، فبقي اليهود يتحينون الفرص ويتظاهر اغلبهم بالإسلام لكنهم في السر كانوا يتعصبون لليهودية ويدافعون عنها كما سيظهر في الأندلس .وقد استغل اليهود الانقسامات السياسية التي دبت في المغرب وظهور الدويلات الكثيرة التي لعبت الدسائس اليهودية دورا كبيرا في التناحر بينها، فتقلدوا بعض المناصب السامية في السلطة وسخروا نفوذهم لخدمة مصالح ابناء جلدتهم . ويذكر بعض المؤرخين دور اليهود في ظهور دولة برغواطة بالمغرب التي انحرفت عن الاسلام ودعت الى تعاليم وديانة خاصة بها، وهي مزيج بين الإسلام وبعض العادات القديمة فغيرت صلاة الجمعة الى الخميس وأباحت الطلاق وحرمت أكل البيض والدجاج ومنعت الزواج بالمسلمات وقضت بنفي الكاذب وغير ذلك. وقد حاربها الحكام المغاربة من الفاطميين والأدارسة والمرابطين ودحرها الموحدون بقيادة عبد المؤمن بن علي نهاية سنة 1148، ويذهب المؤرخون اليهود أن صاحب هذه الدعوة ـ وهو صالح بن طريف ـ من أصل يهودي من نسل شمعون بن يعقوب عليه السلام. ويرى المؤلف أن أصل هذه الديانة لم يكن يهوديا بل كان نتيجة للتأثر بالخوارج كما اعترض العلامة ابن خلدون أن يكون صالح بن طريف يهوديا ويقول: «وأما صالح بن طريف فمعروف منهم ـ البربر ـ وليس من غيرهم ولا يتم الملك والتغلب على النواحي والقبائل لمنقطع جذمة دخيل في نسبه». لكن اليهود عملوا على الترويج لهذه الدولة لأنهم يستفيدون دوما في ظل مثل هذه الانحرافات والانقسامات بين المسلمين. كما وجد اليهود مكانة كبيرة في عهد الأدارسة بفاس، وسيطروا على المدينة حتى صار يقال «فاس بلا ناس» أي بلا مسلمين .وقد غفل المغاربة عن اليهود لانشغالهم بالصراعات الداخلية إلا في عهد الأغالبة الذين شددوا الخناق عليهم وعلى النصارى. لكن اليهود صبروا حتى استعادوا مكانتهم بالمغرب في العهد الفاطمي، إذ يتحصل اليهود على بعض الوزارات، وعن هذا يقول المؤلف: «أما اليهود فقد استمر وجودهم بالمغرب واستعانت الدولة الفاطمية ببعضهم في تدبير شئون الدولة، فقد استوزرالمعز لدين الله يعقوب بن يوسف بن كلس كما تحصل على هذا المنصب ابو سعيد النسري وهما يهوديان وقد أسلما ويورد المؤلف جدلا كبيرا بين المؤرخين حول نسب الفاطميين حيث يرى بعضهم أن هؤلاء ينتسبون لليهود والدليل هو استوزار اليهود وتفويض أمور السياسة إليهم فتحكموا في المسلمين وأموالهم، ويرى المؤلف أن هذه الحجة ليست كافية لنسب الفاطميين الى اليهود، كما أن أعداء الفاطميين قداستعملوا هذا السلاح لإضعافهم، بيد أن هؤلاء سرعان ما نقلوا عاصمتهم الى مصر نظرا للقلاقل التي شهدتها المغرب، وكذا قصد الاقتراب من مقر الخلافة العباسية. وبرحيل الفاطميين الى مصر ظهرت الدولة الزيزرية وبقي اليهود في ظلها يسعون الى تحقيق مكانة لائقة بهم ولعب دور يناسبهم، وتؤكد بعض الروايات التاريخية أنه كانت لليهود في هذه الفترة سوق بالقيروان، كما تحدثت مصادر تاريخية عن حضور قوي لليهود بقلعة بني حماد في الناصرية ـ مدينة بجاية بالجزائر حاليا ـ فاستغلوا تسامح الدين الاسلامي وسعة الأفق الحضاري لدى المسلمين فبنوا مدرسة تلمودية ترأسها اسحاق بن يعقوب الفاسي وجاء من بعده سليمان ديان بن فرماس. وهوما يؤكد ـ حسب المؤلف ـ وجود جالية يهودية كبيرة بالمغرب فضلا عن نفوذ اليهود في ظل التسامح الإسلامي. كما أن اليهود ازدادت أعدادهم وجاهروا بديانتهم وثقافتهم في عهد الموحدين وكان ذلك استمرارا لقوتهم في عهد المرابطين وتمركزوا أكثر في مدينة تلمسان الجزائرية، حيث يورد المؤلف رواية لابن سعيد المغربي مفادها أن أحد المشارقة نزل عند قاضي المدينة وقال له: «يا اسرائيلي دياركم نظيفة وطعامكم طيب وشرابكم رائق» وهذا الكلام يدل على نفوذ اليهود ووجود بيوت يهودية كثيرة بالمدينة. وقد تفطن بعض الخلفاء لمثل هذا النفوذ، وحاولوا الحد منه، ففرضوا على اليهود لباسا معينا يميزهم عن المسلمين، كما فرضوا عليهم السكن في احياء خاصة بهم تسمى الحارة أو حارة اليهود كحارة خيبر في القيروان والتي يستدل من تسميتها على هجرة يهود خيبر من المدينة المنورة الى المغرب، ومنع اليهود من أن يعلوا بنيانهم فوق بنيان المسلمين كما هي شروط الذمة .وكان أبو يعقوب المنصور شديدا تجاه اليهود وفرض عليهم زيا خاصا لما علم أنهم يتجسسون لصالح أعداء المسلمين في الحروب الصليبية، وقد أصدر المجمع المسكوني في روما أمرا مماثلا يقضي باتخاذ اليهود شارة صفراء قصد تمييزهم. حرص اليهود على التعليم في ظل العقيدة الإسلامية الداعية للعلم والتسامح، كماحرصوا على تعليم المهن لأولادهم، ونبغ كثير من العلماء في صفوف اليهود بالمغرب الإسلامي لاسيما في الأندلس الذي جعله المسلمون ملتقى للحضارات دون تعصب أوإرغام، فأظهر اليهود هناك تعصبا لثقافتهم والتمرد على الدين الاسلامي والثقافة العربية، فنبغ في الديانة اليهودية والجدل ميمون القرطبي صاحب «السيراج» وله مقالة مشهورة في التوحيد، ونسيم بن يعقوب صاحب «مفاتيح مغاليق التلمود». وكذا يوسف بن يهودا بن يعقوب صاحب «رسالة اللبانة في اصول الديانة» وهو دفاع عن اليهودية وتحامل على المسيحية والإسلام. ويقول المؤلف مسعود كواتي إن علماء اليهود كتبوا باللغة العربية التي كانت لغة عالمية أنذاك، وقد تفوقوا فيها وتأثروا بالأسلوب العربي في مقدمات الكتب، ومع ذلك سعى كثيرون منهم الى إبراز تفوق العبرية على العربية مثلما فعل أبو ابراهيم اسحاق بن بيرون الأندلسي في «الموازنة بين اللغة العبرانية والعربية». وطمع اليهود في إنشاء دولة لهم بالمغرب أو إمارة بالاندلس، وكان يوسف بن النغريلة قد طمح أن يقيم اليهود هذه الدولة بالمرية مقابل أن يساعد حاكمها يحيى بن صمادح في الدخول الى غرناطه في غياب أميرها. ونشر اليهود غيبيات تروج أن قيام الدولة اليهودية مقرون بعودة المسيح وقالوا ان ذلك سيكون في سنة 1010 ميلادية .وبالرغم من الانتقادات اليهودية لهذه النبوءة إلا أن كثيرا منهم بالمغرب كان يستعد لهذا بل يعمل على تحقيقه. ويتساءل المؤلف عن اختيار المرية مكانا للدولة اليهودية، فيرى أنه ربما كان السبب هو طمع الحاكم يحيى في غرناطة وأغراه اليهودي بتقديم المساعدة على ذلك، فتكون المرية هي المكافأة وبها تقام الدولة اليهودية. كما انها مدينة حصينة وذات موقع تجاري ممتاز والمراكب تصلها من المشرق ومن الاسكندرية. ويقر المؤلف أن المراجع القديمة لم تول هذه المسألة الاهتمام الكافي، وأن الروايات ولاسيما العربية قليلة حول مشروع الدولة اليهودية، ولعل ذلك يعود الى أن اليهود حرصوا على سرية هذا المسعى. ولم يكن يهود المغرب في تلك المراحل معزولين عن باقي اليهود في العالم بل تؤكد الوثائق أن التراسل كان مستمرا بين اليهود في مختلف مناطق العالم والرسائل المحفوظة في وثائق الجنيزاة بالقاهرة تؤكد أنها لم ترد من المغرب أو من حوض المتوسط فقط بل هناك الكثير من الرسائل التي جاءت من اليمن والهند ومن أوروبا المسيحية. وهي شهادة على الترابط الروحي والمادي بين اليهود في العصور الوسطى. وتحمل تلك الرسائل معلومات مهمة في المجال السياسي والعسكري عن الدول التي تصدر منها وفيها تجسس مطول ومفصل على الحكام المسلمين . الجزائر ـ مراد الطرابلسي