كان ذلك في العام 1954 اي بعد اقل من عشر سنوات بعد ان مزقت الحرب العالمية الثانية القارة الاوروبية شر تمزيق، صبي نمساوي في عمر الاثنتي عشرة سنة يريد ان يبحر عبر الحدود على بحيرة اضطر الى طلب الاذن من الجيش الفرنسي الذي يحتل بلده. كانت تلك اول مرة يجتاز فيها فالتر شويمر حدودا اوروبية، وآخر مرة اجتاز فيها حدوداً كهذه كانت منذ ايام من اجل تناول الطعام. شويمر وزوجته توجها بسيارتهما من منزلهما في ستراسبورج شرقي فرنسا عبر نهر الراين الى احد المطاعم في المانيا. يقول شويمر: بعد عشر دقائق وصلنا الى هناك، ولم يوقفنا احد او يسألنا: لماذا ترغبان في زيارة بلد آخر؟ هذا الغياب للمراقبة على الحدود التي قتل ملايين الجنود في القتال من اجلها، هو احد ابرز الانجازات التي تحققت عبر خمسين سنة من جهود توحيد اوروبا. وفي الأول من يناير الحالي وصلت اوروبا الى ذروة جديدة: تحول 12 بلداً ذات سيادة تلقائيا الى عملة موحدة، ويقول شويمر ان التحول الى ال«يورو» العملة الاوروبية الموحدة يغير الحياة اليومية اكثر واكثر. والتطور من قارة متنازعة ومتقاتلة الى اتحاد اوروبي مؤلف من 15 بلدا لن يتوقف عند هذا الحد فلقد عقد القادة مؤتمرا في مطلع ديسمبر الماضي لمناقشة دستور اوروبي جديد وشرعة حقوق يتوقع ان يصبحا جاهزين في العام 2004. وليس من قبيل الصدف انه في العام 2004 يتوقع ان يبدأ الاتحاد الاوروبي توسعه نحو الشرق الشيوعي سابقا ليضيف حوالي 12 بلدا جديدا واكثر من 100 مليون نسمة الى النادي الذي يبلغ مجموع عدد سكانه 380 مليون نسمة الآن. وثمة قيد الاعداد «قوة الردع السريع» التي ستعطي اوروبا نفوذا عسكرياً الى جانب سياسة خارجية مشتركة، وربما سيكون هناك رئيس للاتحاد الاوروبي منتخب بالتصويت المباشر. ويسهم الاتحاد في الحرب الامريكية على الارهاب في اعقاب احداث 11 سبتمبر باجراءات، مثل مذكرة اعتقال صالحة في جميع بلدان الاتحاد لجعل فرار المشبوهين بالاعمال الارهابية صعبا، وانظمة متشددة اكثر لمكافحة تبييض الاموال. وما من شك ان كل هذه الامور تشكل قفزة كبيرة للاتحاد منذ بدايته المتواضعة في العام 1952 عندما خرجت ستة بلدان من الاطلال التي خلفتها الحرب العالمية الثانية لتوحيد انتاجها الاساسي في قطاعي الفحم والحديد الاوروبيين، وكان الهدف آنذاك مثلما هو اليوم، تقوية الاواصر الاوروبية وشدها الى بعضها البعض الى حد ان وقوع حرب جديدة لا يصبح امراً غير قابل للتفكير به فحسب، بل ومستحيلا، كما جاء على لسان الاب المؤسس روبرت شومان. وحتى بريطانيا التي مثلها مثل السويد والدنمارك لم تتبن اليورو، تعترف بأن فوائد الاتحاد هائلة ويقول رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، لقد حدثت مصالحة دائمة بين ألد الاعداء، وشهدنا جيلين من السلام. ويساعد اغراء الانتماء الى مثل هذا النادي المزدهر، وهو بمثابة سوق واحدة ذات تجارة داخلية حجمها 14 تريليون دولار، على نشر القيم الديمقراطية للاتحاد وحلم القانون ومباديء حرية السوق. ان محاولات تركيا لتحسين اوضاع الحقوق المدنية، وسن قوانين جديدة في بلدان البلطيق لحماية الاقلية الروسية، والحديث الجديد عن اعادة توحيد جزيرة قبرص المجزأة كلها امور مدفوعة بالرغبة في التأهل لعضوية الاتحاد الاوروبي. وقد غير التآلف الاوروبي الحياة بطرق محدودة ايضا، من حرية العيش والعمل في بلد آخر والسفر الى بلد آخر ببطاقات سفر جوية رخيصة لتمضية عطلة الاسبوع، وتوفر البرامج التلفزيونية بلغات متعددة. وثمة تغييرات ترى بالعين، من جوازات السفر الحمراء التي يحملها الجميع ونقود وأوراق اليورو اللامعة الجديدة التي وزعت خلال شهر ديسمبر لتحل مكان الفرنك والمارك والليرة والبيستا واسكودو والفيلدر والشيلينج والبانت والدراخما ابتداء من اول يوم في السنة الجديدة. وهناك ايضا تغييرات خافية مثل النظم الاوروبية الشاملة التي تطال كل شيء، من منع الاحتكار الى محتويات الشوكلاته.ويفرض الاتحاد الاوروبي انظمة السلامة في ورش البناء وانظمة لموسم صيد الطيور المهاجرة ويرغم البنوك على فرض اجور ادنى على الصفقات المعقودة عبر الحدود. ولا يعني كل ذلك ان الاتحاد يستطيع ان يفعل اي شيء يريده فلقد جمدت المانيا جهود فرض حد اقصى للسرعة على اوتوباناتها ولا تزال بريطانيا والمانيا تمارسان المراقبة على حدودهما. ويقول شويمر الذي بصفته الامين العام للمجلس الاوروبي، اقدم المنظمة الحكومية الاوروبية، له مصلحة خاصة بأن يرى نجاح الاتحاد: ان تنوعنا هو ايضا جزء من الهوية الاوروبية. معالم اوروبا الجديدة تتجلى اكثر مما تتجلى في منطقة الالزاس الاوروبية في قلب القارة، التي كانت خليطا من الثقافات منذ العهد الروماني. فلقد تحركت الحدود في المنطقة الى الامام والى الوراء ومع الحدود تحركت اللغات والولاءات والكاتدرائية الغوطية في ستراسبور عاصمة المقاطعة، هي ابرز معلم الماني في فرنسا، والرائعة المعمارية المعاصرة تتمثل في المجتمع المستقبلي الطراز الذي بني في التسعينيات ليكون مقر البرلمان الاوروبي في ستراسبور. وينتقل المسافرون عبر الراين بسهولة اجتياز الامريكيين لنهر ديلاوير، واللافتات ثنائية اللغات والشرطة الفرنسية تقود فانات المرسيدس. في اكشاك المأكولات في الاسواق الميلادية المكشوفة التي تقام تقليديا منذ القرون الوسطى كان يمكن شراء البريتزل الالمان والخبز الفرنسي والبسكويت البلجيكي وهي مسعرة بالمارك او الفرنك، ولكنها الآن تباع باليورو فقط، مثلها مثل كل السلع الاخرى. ويقول باسكال دولا جاري 25 سنة وهو بائع في السوق، احب هذا الاندماج ليس المالي بل الاجتماعي ايضا، دولا جاري وهو من ابوين الماني وفرنسي يسافر بين البلدين بسبب عمله في شركة تتاجر بأجهزة الكترونية للسيارات في اينسى في جنوب فرنسا ويضيف: اتمنى ان تكون اوروبا مثل امريكا المناطق لا تزال على حالها ولكننا نعيش مع بعضنا البعض. فالنتين راينهارت 21 سنة طالب حقوق في جامعة ستراسبورج ويعيش في كولمار القريبة إلا انه فتح حسابا مصرفيا على الجانب الآخر من الحدود حيث يودع الاجور التي يكسبها من عمله في احدى الشركات الالمانية في عطلة الاسبوع. يقول: لم يكن بوسع والدي ان يفعلا الشيء نفسه عندما كانا في عمري. بل ان فالنتين يعتبر نفسه اوروبيا اولا وفرنسيا ثانيا انني احب فكرة اوروبا انها مثل جالية واحدة كبيرة وليس حكومة واحدة. إلا ان ليس الكل على استعداد للذهاب الى هذا المدى وخاصة الجيل القديم في ايرلندا على سبيل المثال، فقد ادت عضوية الاتحاد الاوروبي الى قيام ازدهار اقتصادي رفع مستوى المعيشة الى حد بعيد، وتدفقت اموال الاتحاد الاوروبي لبناء الطرق وترميم المواقع التاريخية، وانطلاق طلاب ايرلنديين لاستكشاف القارة، وتقاطر طلاب من القارة الى ايرلندا للدراسة بل وحتى للعمل في وظائف وضيعة كفرصة لتحسين لغتهم الانجليزية. ويقول جو بروسنان المدير العام لمعهد الشئون الاوروبية في دبلن: لقد وصلنا الى نقطة انه من النادر ان نجد شخصا ايرلنديا يخدم في مطعم او مقهى او محل. ولكن على الرغم من كل الحسنات قالت ايرلندا لا في الاقتراع الذي جرى في يونيو الماضي للمعاهدة الاوروبية الاخيرة خشية ان تؤثر على المصالح الوطنية الايرلندية. ويقول بروسنان: الناس هنا لا يعتبرون انفسهم اوروبيين اولا وايرلنديين ثانيا، في حين انك في امريكا امريكي اولا ومينسوتي او كاليفورني او اي شيء ثانيا، ان الاتحاد الاوروبي لم يقفز تلك القفزة بعد. وقد حفز انبعاث المارد الاوروبي ايضا توجها مضادا نحو كل ما هو اصغر حتى ان مقاطعة بافاريا الالمانية ومقاطعة مورسيا الاسبانية تسعيان لتأمين صوت اقوى لهما في الشئون الاوروبية التي تؤثر عليهما مباشرة. وتشجع البيروقراطيات الاوروبية التي تزعجها الاتهامات انها تفتقر الى الشرعية الديمقراطية تلك التوجهات في محاولة منها لتقريب عملية اتخاذ القرارات اكثر من الشعب. ويقول شويمر رئيس المجلس الاوروبي الذي ينشط في ميدان حقوق الانسان: اننا نولي الوحدات الاصغر حجما اهتماما اكثر ان الامم ـ الدول القديمة ـ ستبقى كما هي ولكنها ستصبح اقل اهمية. ومع ذلك يشير بيتر جيندي استاذ الموسيقولوجيا في جامعة ستراسبورج الى صعوبة العثور على نشيد وطني للاتحاد الاوروبي، مدللا بذلك على صعوبة صنع هوية اوروبية من غير وجود بوتقة صهر واحدة تصهر الجميع على غرار بوتقة الصهر الامريكية. لقد استقر رأي المسئولين الاوروبيين في النهاية على خاتمة «انشودة الفرح» او سمفونية بيتهوفن التاسعة، لتكون نشيدا وطنيا ولكن بدون النص المثير وذلك من اجل تحاشي مسألة اللغة وهي مسألة حساسة على الدوام. ونتيجة لذلك يقول جيندي انه اذا سألت شخصا في الطريق لا احد يغني انشودة الفرح ولكن الجميع يعرفون المارسيار «النشيد الوطني الفرنسي» انه مندمج في كيان الناس في فرنسا. ويضيف جيندي ان فكرة الهوية الاوروبية تشبه المحاولات الجارية لجعل الشهادات العلمية الصادرة في بلد ما معترفا بها في جميع بلدان الاتحاد الاخرى، انها آتية ولكن المسألة لم تحل كليا بعد. والبلدان التي تحولت الى اليورو هي النمسا وبلجيكا وفنلندا وفرنسا والمانيا وايرلندا وايطاليا واللكسمبورج وهولندا والبرتغال واسبانيا.