باسكال بونيفاس المشرف على انجاز هذا العمل هو مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية. سبق له أن نشر العديد من الكتب في ميدان العلاقات الدولية والاستراتيجيات من بينها كتاب «جيوستراتيجية كرة القدم» الذي قدمه «بيان الكتب» في أحد أعداده السابقة. كما أشرف مؤخرا على اصدار عدد من الكتب الجماعية ضمن اطار سلسلة «الرهانات الاستراتيجية» التي يتولى ادارتها، ومن هذه الكتب «الأخلاق والعلاقات الدولية» و«المعرفة والعلاقات الدولية» و«أوروبا والرياضة». يساهم في هذا الكتاب أربعة عشر باحثا وتوزعت أبحاثه بين قسمين رئيسيين يخص الأول منهما «المنظومة الدولية أمام الامتحان» ويحمل الثاني عنوان «منظورات اعادة التشكيلات الاقليمية». لا شك بأن العالم كله عامة، والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، عاشوا لحظة استثنائية يوم الحادي عشر من شهر سبتمبر الماضي. وتتفق جميع التحليلات تقريبا على القول بأن العلاقات الدولية بعد هذا التاريخ لابد وأن تتأثر، إلى هذه الدرجة أو تلك بما ستتركه هذه الاعتداءات في الذاكرة الجماعية للأمريكيين وقياداتهم. ذلك ان الطريقة التي عاشت فيها أمريكا هذه «الأحداث ـ المأساة» بأبعادها الرمزية والعاطفية، وأيضا السياسية، لا سابق لها، وبالتالي سيكون لها وزنها في تحديد توجهات المستقبل. إن الآراء المطروحة في هذا الكتاب تتراوح بين التأكيد على عمق تأثير الاعتداءات على مسار العلاقات الدولية كله وبين التركيز على القول بأن الارهاب قد بلغ «مستوى أعلى» من الارهاب على صعيد الفعل والفاعلية عبر وصوله إلى القوة الأعظم على صعيد الفعل والفاعلية. ولكن، وفيما هو أبعد من هذا الرأي أو ذاك، لا شك بأن أسئلة جوهرية تنطرح أمام واشنطن بعد ان «اكتشفت مدى هشاشة دفاعاتها، ضد الارهاب.. وهي أسئلة تخص قدرتها على ايجاد المردود المناسبة على التحديات المطروحة عليها. «دروس 11 سبتمبر» كتاب يدرس المساهمون فيه الرهانات التي يمكن أن تترتب على الاعتداءات الارهابية التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن على المدى القصير كما على المدى الطويل.. ويحاولون الاجابة على بعض التساؤلات المطروحة على الجميع مثل «ما هي ردود الفعل المحتملة بالنسبة للقوى الدولية المختلفة الأخرى؟» و«ماذا ستكون آثار اعتداءات 11 سبتمبر على صعيد الاشكاليات الاقليمية، خاصة في بعض المناطق الحساسة مثل الشرق الأوسط وآسيا وروسيا؟ وأسئلة أخرى حول وسائل النضال الجديدة ضد الارهاب وحول السياسة الخارجية الأمريكية والرهانات الاقتصادية ومستقبل القانون الدولي والأشكال الجديدة للنزاعات المحتملة؟ وماذا أيضا عن النظام الدولي الجديد والتوازنات (أو أشكال اختلال التوازن) الراهنة؟ الملاحظة الأولى التي يتفق عليها المساهمون في هذا الكتاب تتمثل في التأكيد على «الشحنة الانفعالية» الكبيرة التي أثارتها اعتداءات 11 سبتمبر لانها استهدفت «القوة الأمريكية العظمى في الصميم» ولان العالم كله عاش مسلسلها لحظة بلحظة على شاشات التلفزة. وإذا كان «باسكال بونيفاس» يؤكد على «استثنائية» هذه اللحظة وبأنها ذات أهمية كبيرة على صعيد العلاقات الدولية، فانه يقف في صف أولئك الذين يعتبرون بأنه «من التسرع الكبير أن يتم النظر لها على انها مؤشر لقيام حرب عالمية ثالثة، أو حتى لبداية حقبة جديدة في العلاقات الدولية». أما الدروس الاساسية التي يرى بها «باسكال بونيفاس» أهم ما ينبغي التركيز عليه و«قراءة» الواقع على أساسه في فترة ما بعد 11 سبتمبر 2001، فيتمثل أولها في التأكيد بأن ما جرى في نيويورك وواشنطن «لا يشكل قطيعة تاريخية» مثل تلك التي أحدثها مثلا سقوط جدار برلين عام 1989 والذي كان قد أدى بالفعل الى قيام عالم مختلف إلى حد كبير، بل جذريا، عما كان سائدا في السابق. ذلك انه أنهى حقبة الاستقطاب الثنائي الدولي الذي كان يشكل حجر الأساس في العلاقات الدولية طيلة أكثر من سبعة عقود من الزمن. بالمقابل لا شك ان الكشف عن «نقطة ضعف القوة الأمريكية العظمى» يشكل عاملا جديدا وأساسيا. مع ذلك لم تتأرجح موازين القوى العالمية بين القوى الكبرى إلا بمقدار ضئيل جدا، ولم يتغير كثيرا وزن الصين أو أوروبا أو روسيا أو اليابان على «رقعة الشطرنج» الدولية.. وبالتالي لا تزال الولايات المتحدة هي القوة المهيمنة عالميا. كما ان المشاكل الأساسية المطروحة على السياسة الدولية مثل مسيرة السلام في الشرق الأوسط أو النضال ضد عدم المساواة الاقتصادية أو حماية البيئة أو الحروب الأهلية في افريقيا ... إلخ، لم تزل قائمة «بانتظار الحلول». وبالتالي قد يبدو من «المبالغة» اعتبار تاريخ 11 سبتمبر 2001 بمثابة تاريخ ـ منعطف نحو حقبة مختلفة تماما عما سبقها. والدرس الثاني هو ان اعتداءات 11 سبتمبر 2001 لا تعني ولوج العالم السبيل المؤدية الى حرب عالمية ثالثة، أو إلى حرب بين الحضارات، مما يتناقض مع اطروحات المفكر السياسي الأمريكي صموئيل هنتنجتون في كتابه «تصادم الحضارات» المنشور عام 1993. وهذا ما يمكن الاستدلال عليه من خلال موقف القادة الغربيين، وقادة العالم العربي الاسلامي الرافض لمثل هذه المقولة الخاصة بـ «صراع الحضارات»، ذلك باستثناء بعض المتطرفين من الجانبين. ودرس ثالث هو ان الولايات المتحدة الأمريكية ليست مستعصية على ان يطالها أحد. صحيح هذه هي المرة الأولى منذ عام 1812 من تاريخ تدخل المملكة المتحدة (بريطانيا) في واشنطن ـ التي يتم فيها ضرب الولايات المتحدة وعلى أراضيها من قبل عدو خارجي. وقد كانت خسائرها في يوم واحد ثلاثة أضعاف ما عرفته أثناء هجوم اليابانيين أثناء الحرب العالمية الثانية على قاعدة «بيرل هاربور» في المحيط الهادئ وثمن (1/8) اجمالي الخسائر الأمريكية في الأرواح طيلة الحرب الفيتنامية. ان الولايات المتحدة قد أدركت بأنها، رغم ان انفاقها على الميزانية العسكرية يساوي 40% من اجمالي الانفاق العالمي في هذا الميدان، ليست بمنأى عن التعرض لـ «الاصابة». كما ينبغي تذكر انه منذ ان امتلك السوفييت (سابقا) الصواريخ العابرة للقارات عام 1957 كانت أمريكا معرضة للضرب وحيث ساد آنذاك «سلام الرعب: في ظل التدمير المتبادل المؤكد». ودرس رابع يكمن في القول بأن اكتشاف الولايات المتحدة الأمريكية لنقاط ضعفها وامكانيات تعرضها للاصابة سوف يكون له آثار كبيرة على سياساتها، فاذا كان للعولمة نتائج «استراتيجية» هامة، فان لها ايضا نتائج «مأساوية»، بما في ذلك عليها هي أيضا. حيال هذا الواقع، تتباين التحليلات بين موقفين. فاما ان «تستنتج» الولايات المتحدة بأن العالم أكثر خطورة مما كان الامريكيون يعتقدون من قبل، وبالتالي سوف يبحثون عن قدر أكبر من الحماية عن تطوير «منظومة الدفاع الاستراتيجي» وتعزيز النزعة العسكرية. الاحتمال الآخر هو، على العكس، يدرك الامريكيون هشاشتهم مما يدفعهم إلى ان يأخذوا باعتبارهم «ما ينتظره الآخرون منهم» ويستجيبون لتطلعاتهم. ذلك «ان بلدا يعاني من نقاط ضعف يمكنه أن يغدو أكثر تعقلا من قوة تعتقد بأن عليها ألا تخشى شيئا». هذا يعني ان ما حدث في 11 سبتمبر 2001 يمكن أن يكون دافعا لجعل السياسة الامريكية أكثر حساسية. ويرى باسكال بونيفاس بأن الولايات المتحدة الامريكية قد تصرفت بقدر كبير من الذكاء السياسي «حتى الآن على الأقل» وأخذت باعتبارها «التعقيد الاستراتيجي» الكبير للسياق الدولي، وأدركت بأنها لا تستطيع، اعتمادا على قوتها فقط، فرض حلولها على بقية العالم. باختصار وضعت جانبا طريقتها السابقة في التصرف. والمتمثلة في سلوكية «الفيل داخل مخزن من الفخار». ان ترجمة مثل هذا التوجه قد يسمح بالقول بأن العالم قد دخل فعلا «عصرا جديدا». وهنا يتساءل باسكال بونيفاس: «واذا كان نزاع الشرق الأوسط هو باستمرار المصدر الأكبر لاحساس العرب بالكبت والظلم، ألم يحن إذن وقت ممارسة بعض الضغط على اسرائيل؟». ودرس خامس هو انه لا يمكن الوصول الى سلام وأمن عالميين في ظل منظومة العولمة السائدة والتي تتسم بازدياد الهوة بين الأكثر غنى والأكثر فقرا في عالم اليوم. كما ان الازدهار مستحيل في محيط من البؤس والعنف. هكذا يمكن لما يجري في افغانستان ان يحظى بردود فعل داخل المجتمع الامريكي ذاته، فالمواجهة غير متكافئة بين «الأكثر غنى وقوة» والأكثر «بؤسا وهشاشة». ذلك «ان جدار المال والتكنولوجيات يسمح باجتيازه أكثر من الستار الحديدي ـ الذي كان سائدا بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي أثناء فترة الحرب الباردة». ودرس سادس يكمن في اكتشاف ان «القوة يمكن ان تصبح عامل ضعف اذا تم تصورها بنوع من المبالغة في القوة». ان القوة تولد الحقوق كما تولد الواجبات ايضا، والعالم الخارجي يغدو أكثر تطلبا من قوة كبرى مما هو من قوة أقل قدرة.. واذا كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 قد استهدفت الولايات المتحدة وليس أوروبا فان هذا يعود الى ان الحقد الموجه حيال امريكا هو أكبر مما هو حيال القارة القديمة. والأكثر عداء للنظام الدولي الجديد يوجهون سخطهم للولايات المتحدة وليس لأوروبا التي تبدو أقل قوة وأكثر حساسية حيال تطلعات الأمم الأخرى. هذا لا يعني ان أوروبا «محصنة» ضد الارهاب، وانما ان عمليات 11 سبتمبر 2001، كانت «من حيث اتساعها والرسالة المقصودة منها تستهدف بشكل مدروس الولايات المتحدة». ودرس سابع هو ان الجميع «لا يتصرفون بنفس الطريقة في القرية الكونية». واذا كان الانفعال «الادانة عما كان في العالم المتقدم حيال اعتداءات 11 سبتمبر 2001، فان بعض الاصوات قد ارتفعت لتشير بأن مآسي أخرى في العالم أدت الى خسائر بشرية أكبر بمئات المرات لكنها لم تثر نفس القدر من الاستهجان والاهتمام الدوليين. وشأن رواندة بليغ في هذا الصدد، اذ ان حوالي مليون شخص لقوا مصرعهم خلال حوالي شهرين من الزمن خلال ربيع عام 1994.. وكان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون نفسه قد وصف المجازر الرواندية بأنها «ازمة انسانية». والصفة نفسها تم اطلاقها على المذابح في يوغسلافيا السابقة. بالتأكيد لم يكن هناك من خطر له ان يصف ما أصاب «برجي مركز التجارة الخارجية» في نيويورك بأنه «أزمة انسانية». وبالطبع لاقت امريكا دعما وتضامنا دوليين لم تحلم رواندة بأجزاء يسيرة من مثلهما. التفسير الذي يتم تقديمه على مثل هذا «التمايز» يكمن في القول بأن مواطني البلدان المتقدمة» تماهوا» بشكل سريع وكامل مع الأمريكيين. ويتم ضمن هذا الاطار القول ببعض التباين في التعاطف مع المأساة الأمريكية بين سكان ضواحي المدن وبين أبناء وسطها الأكثر غنى وثروة بشكل عام. والنخب هي التي أبدت استعدادا للقول «كلنا أمريكيون» مما كان لدى عامة الناس. وضمن المقاييس نفسها كانت حساسية بلدان الجنوب، حيث يعاني السكان من مشاكل كبيرة لم تحرك ساكنا لدى الشمال الغني، أقل هيجانا من بلدان العالم المتقدم. واذا كان العراق هو البلد العربي والاسلامي الوحيد الذي لم يعلن ادانته لاعتداءات 11 سبتمبر 2001 فان «سكان البلدان الاسلامية لم يكونوا مفرطي الحساسية حيال المأساة الامريكية». لكن يتم التأكيد هنا على «ضرورة فهم بواعث مثل هذه المواقف». وعلى أسئلة مثل: «كيف يمكن تفسير احساس العرب بالغبن؟»، ولماذا توجه أغلبية السكان الاتهامات للعالم الغربي، وخاصة للولايات المتحدة الأمريكية بالنفاق وتبني سياسة المعيارين؟ و«هل نحن دائما على مستوى الصورة التي نمتلكها عن أنفسنا؟» و«هل اتهامات الغطرسة الموجهة لنا هي دائما دون أساس؟»، على هذه الأسئلة كلها يرد «باسكال بونيفاس» بالقول بأن «الانفعال والتضامن ينبغي ألا يمنعا التفكير والتأمل». المطلوب هو فهم الاحداث. و«فهم» لا يعني أبدا «الصفح» أو «القبول بأية أسباب مخففة لما قام به المجرمون» الذين ينبغي أن ينالوا العقاب الذي يستحقونه. ان «الفهم» يعني «ادراك آليات العمل» و«الانفعال» ومهما كانت درجة مشروعيته، لا ينبغي أن يكون الرد الوحيد على الاعتداءات». ثم ان «الارهاب ليس عفويا أبدا» وانما هو «الثمرة المرة» لظواهر ومسارات سياسية. «والمرء لا يخلق ارهابيا، كما يريد البعض أن يدفعوا الآخرين على الاعتقاد. انه «يصبح ارهابيا» ثم «انه من الخطأ أيضا القول بأنه لا علاقة للنزاع العربي ـ الاسرائيلي بالاعتداءات أو ان تسوية هذا النزاع ستؤدي الى نهاية الارهاب. ان وضع الفلسطينيين هو أحد الاسباب ـ ليس السبب الوحيد ـ الذي يغذي الارهاب»، على حد تعبير باسكال يونيفاس ويؤكد مثل المساهمين الآخرين في الكتاب بأن المطلوب هو «عمل سياسي على المدى الطويل». ودرس آخر لأحداث 11 سبتمبر 2001، هو ان ما جرى وما ترتب عليه ينبغي أن يؤدي الى اعطاء السياسة المكانة التي تستحقها من جديد. وذلك من خلال النظر اليها في اطار خطة عامة وليس تبعا لأهداف خاصة لا رابطة بينها. ثم ان «عدو عدوي ليس صديقي دائما»، أو ربما انه «قد لا يبقى صديقي لمدة طويلة». اذ ألم تلعب أمريكا ورقة «طالبان» من أجل تأمين مرور نفط آسيا الوسطى الى باكستان؟! وكانت قبل ذلك قد لعبت ورقة المجاهدين الأفغان ضد الاتحاد السوفييتي السابق. ودرس آخر هو ان أوروبا قد أظهرت تضامنها بالمعنى المزدوج للكلمة. تضامن مع الولايات المتحدة أولا، وتضامن أيضا ضمن اطار بلدان الاتحاد الأوروبي الخمس عشرة، إذ أظهر القادة الاوروبيون التحليل نفسه واستنبطوا النتائج نفسها حيال عمليات 11 سبتمبر 2001 الارهابية، هذا باستثناء «محزن وسخيف» واحد تمثل في موقف سيلفيو بيرلسكوني رئيس وزراء ايطاليا، عندما تحدث عن «تفوق الحضارة الغربية» بالمقارنة مع «الحضارة الاسلامية».