الكابتن باريل، بول باريل، هو أحد أكثر الشخصيات الفرنسية المعاصرة المثيرة للجدل. وهو ضابط شرطة سابق تسلّم في وقت سابق مسئولية «مجموعة التدخل» التابعة للشرطة الفرنسية ثم «الخلية المناهضة للارهاب» في قصر الرئاسة الفرنسية «الاليزيه». ترك الخدمة في اجهزة الدولة الرسمية منذ سنوات ليقيم شركته الخاصة لـ «الخدمات الامنية» ولينشر عدداً من الكتب صدر اولها عام 1984 تحت عنوان «مهمات خاصة جداً» ثم «الحروب السرية في قصر الاليزيه» وبعده «التحقيق المتفجر».. واليوم هذا الكتاب «الارشيف السري لميتران». ان الكابتن بول باريل يعود في هذا الكتاب الجديد الى مناقشة عدد من الملفات ذات الحساسية الكبيرة وكانت فترة الرئيس الفرنسي السابق الراحل فرانسوا ميتران قد عرفتها. وهو يحاول الاجابة، من منظوره بالطبع، ومن خلال المواقع التي شغلها على عدد من التساؤلات الخاصة بحقيقة العلاقة بين منظمة «العمل المباشر» اليسارية المتطرفة والارهابية التي قامت بعدة عمليات اغتيال طالت بعض كبار ضباط الجيش والمسئولين السياسيين والاقتصاديين وبين بعض مراكز القوى في قصر الاليزيه خلال السنوات الاولى من حكم الرئيس ميتران؟ وكذلك التساؤلات الخاصة بعلاقة رئيس الحكومة الفرنسي الحالي ليونيل جوسبان مع المجموعات التروتسكية في فترة سابقة والتي اعترف بها مؤخراً امام نوّاب الجمعية الوطنية الفرنسية بعد ان كان قد نفاها لفترة طويلة؟ ثم لماذا قام وزير الدفاع الفرنسي الأسبق الراحل شارل هيرنو بسحب بعض الوثائق من ملف الضابط النازي كلاوز باربي اثناء محاكمته؟.. وتساؤلات اخرى حول «المليارديريين اليساريين المتطرفين» و«الارهاب الدولي» و«بعض عمليات السطو»... يبدأ المؤلف ـ الكابتن بالحديث عن علاقته بشخصية فرنسية «اشكالية» اخرى وتثير ايضا الكثير من الجدل حولها، تتمثل في المحامي «جاك فيرجيس» الذي كان قد دافع ذات اليوم امام المحاكم الفرنسية عن ثوار جبهة التحرير الجزائرية وعن جميلة بوحيرد قبل ان يتزوجها، كما ارتبط اسمه بعدد من القضايا الحساسة ليس أقلها شأناً محاكمة النازي كلاوز باربي واليوم محاكمة الارهابي الدولي كارلوس. كان اللقاء اثناء مهمة في افريقيا الوسطى جمعتهما واصبح فيرجيس بعدها «محامي الدفاع» عن الكابتن في قضاياه العديدة امام المحاكم الفرنسية. ولا يتردد الكابتن باريل في ان يؤكد بهذا الكتاب ان احدى اولى المهمات التي تم تكليفه بها في اطار مسئوليته داخل «الخلية المضادة للارهاب» في قصر الاليزيه تمثلت في «اسكات» جاك فيرجيس.. و«جان ادرن هالييه» الكاتب الذي كان من اوائل الذين ساهموا بالكشف عن وجود «مازارين» الابنة غير الشرعية للرئيس الراحل فرانسوا ميتيران. يقول المؤلف ـ الكابتن: «منذ عام 1981 ـ 1982 اصبح جاك فيرجيس و«جان ادرن هالييه» هدفين للرئيس فرانسوا ميتران، لانهما كانا يعرفان اكثر مما ينبغي من الامور والخفايا». ومن هنا كانا «في الصف الاول من بين الآلاف الذين تم التجسس على محادثاتهم الهاتفية من قبل اجهزة الاليزيه، وبصورة غير شرعية». كما يؤكد بول باريل ضمن هذا السياق بان «اوامر عليا» قد صدرت من اجل الغاء برنامج بث تلفزيوني مباشر عام 1984 لان الكاتب «ادرن هالييه» كان سيشارك به. هذا ما يدل عليه محتوى الوثيقة التي ينشرها المؤلف والموجهة الى الرئيس ميتران من قبل مستشاره «التقني» الضابط «بروتو». كان «جان ادرن هالييه» كاتباً «مشاغباً» يدخل الكثير من «المعارك» مجاناً، وكان لا يتردد في المجلة التي اصدرها واستمرت لسنوات طويلة، ولكن على فترات متقطعة اي «الاحمق الدولي»، من نشر آرائه واشكال نقده الصريحة والجارحة احياناً لرموز الدولة وكبار مسئوليها.. ومن هنا كان يقضي اوقاتاً طويلة في قاعات المحاكم.. وكان يواجه باستمرار اتهامه بـ «جنون العظمة». وذات يوم توفي «جان ادرن هالييه» بحادث دراجة كان يقودها في مدينة «دوفيل» الفرنسية الواقعة على شاطيء بحر المانش.. كان وهو «شبه الأعمى» يقود دراجته في نزهة. ويقول باريل عن موته: «مثل عدد من اولئك الذين كانوا يهددون النظام مات جان ادرن هالييه وحيداً دون اي شاهد، ذات صباح في مدينة دوفيل بينما كان يتنزه على الدراجة وعبر الطريق السريع». ان مثل هذا القول يكاد يحمل اتهاماً وحيث يؤكد المؤلف مرة اخرى في هذا الكتاب ما كان قد صرّح به للصحافة ذات يوم بانه تلقى من الاليزيه مهمة «الاهتمام» بـ «ادرن هالييه»، وكذلك بالمحامي جاك فيرجيس. واذا كان مؤلف هذا الكتاب لا يصيغ اي اتهام صريح حيال قضية «ادرن هالييه» فإنه بالمقابل يؤكد تكليفه من قبل مسئولين في الاليزية بمهمة «حماية ارهابيي منظمة العمل المباشر» من تهديدات اجهزة الشرطة. كما يؤكد بأنه هو نفسه قد اصبح مهدداً عندما كشف بعض «اسرار» مهماته لوسائل الاعلام. يقول: «لقد كنت الضابط الوحيد في الجيش الفرنسي الذي تلقى تهديدات بالموت من وزيره المسئول. على الأقل انني الوحيد الذي يملك البرهان على ذلك ولايزال على قيد الحياة». وزير الدفاع المقصود هو «شارل هيرنو» الراحل قبل عدة سنوات. بكل الحالات يوجه الكابتن «بول باريل» الاتهامات في اتجاهات عديدة لاسيما وانه قد واجه «ما لا يقل عن ثلاثين قضية» امام المحاكم بصفته متهماً او مجرد شاهد. وذلك بعد ان ترك «خلية مكافحة الارهاب» التابعة للاليزيه وتركه ايضا لسلك الشرطة عام 1984. ومن أكثر القضايا «شهرة» التي ارتبطت باسمه «قضية الايرلنديين»، وهي تخص عددا من «الايرلنديين» كان قد تم القبض عليهم على اساس انهم «ارهابيون دوليون خطيرون بينما واجه الكابتن باريل فيما بعد الاتهامات بانها كانت قضية «مفبركة».. ولكن فصولها لم تنته بعد.. والمؤلف ـ الكابتن يعود لها مرة اخرى في هذا الكتاب ليقدمها بانها، في عمقها، قضية خلاف بينه وبين صحيفة «لوموند» الباريسية الشهيرة.. وبتحديد أكثر بينه وبين مدير تحرير الصحيفة «ايدي بلينيل» الذي يؤكد «باريل» بان اصوله السياسية ترجع الى «رابطة الشيوعيين الثوريين». احد الفصول الاخيرة من هذا الكتاب مكرس للحديث عن «الاسرار المخفية لملف باربي».. و«باربي» المقصود هو الضابط النازي السابق «كلاوز باربي» الذي كانت تجري محاكمته في مدينة ليون الفرنسية بعد «اعادته مخفوراً» من امريكا اللاتينية حيث كان يقيم مند سنوات في «بوليفيا» وكان يتلقى حتى عام 1982 الدعم من قبل العديد من المسئولين البوليفيين. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب بانه قد تم اولاً التفكير بـ «خطفه» واعادته الى فرنسا لمحاكمته، حيث كان يعمل اثناء الاحتلال النازي لهذه البلاد، مسئولاً عن منطقة «ليون».. وكانت هناك توجهات لتكليف «جان مارك رويان» رئيس منظمة «العمل المباشر» اليسارية المتطرفة الارهابية، من اجل القيام بالمهمة.. ومن الواضح ان الكابتن باريل يريد عبر هذا التأكيد على التعاون بين الاجهزة الحكومية الفرنسية في ظل الرئيس الراحل ميتران وبين هذه المنظمة «الارهابية». لكن «رويان» ورفاقه كانوا «قادرين» على قتل «باربي» في احد شوارع العاصمة البوليفية، لكن عملية خطفه واعادته الى فرنسا كانت امراً اخر يفوق قدرتهم.. كان لابد لذلك من «دعم الدولة». ولكن بعد ترحيل «كلاوز باربي» من بوليفيا عبر صفقة بين الدولتين المعنيتين تمت محاكمته في ليون، وكان «جاك فيرجيس» هو محامي الدفاع عنه.. لكنه توفي بمرض عضال في سجنه الذي كان محكوماً عليه بامضاء بقية حياته فيه. يحتوي هذا الكتاب في صفحاته الاخيرة صورة عن بعض الرسائل التي وجهها وزير الدفاع الفرنسي الراحل شارل هيرنو الى رئيس الجمهورية آنذاك فرانسوا ميتران بخصوص الكابتن باريل وسحب بعض الوثائق من ملف محاكمة «باربي»... وكتاب في مسلسل لم ينته بعد.