بيان الكتب ـ لايزال الرعب النووي قائماً، القرن العشرين "غير المنتهي" يقوم المؤلف جوناثان شل بالتدريس في عدة جامعات، شارك في العديد من النشاطات المناهضة للأسلحة النووية وهو أحد المؤسسين لجمعية معروفة دوليا في هذا المضمار، له العديد من المؤلفات أشهرها «مصير الأرض» الذي تمت ترجمته الى عشرين لغة عالمية. عاش العالم في ظل الحرب الباردة سلاما أطلقت عليه تسمية «سلام الرعب» في ظل قناعة كل من القوتين العظميين بأن القوة الأخرى قادرة على إبادتها إذا بادرتها بأية ضربة نووية. ومنذ مطلع عقد التسعينيات الماضي سقط الاتحاد السوفييتي وانتهت الحرب الباردة، ولكن القلق من الاسلحة النووية لم ينته أبدا، إن هذا الكتاب يدرس في الواقع تداعيات انهيار المعسكر الشيوعي على صعيد السلام والأمن العالميين، وتحديدا من منظور التهديد النووي. إن عنوان هذا الكتاب «القرن العشرين غير المنتهي» يحيلنا الى فكرة ترددت هي تحليلات العديد من المحللين والمؤرخين، وتقول ان القرن العشرين قد بدأ مع اندلاع الحرب الكبرى، الحرب العالمية الأولى عام 1914، وانه انتهى من سقوط جدار برلين عام 1989، ووضع حد لعقود الحرب الباردة، لكن استمرار الرعب النووي وعدم زوال القلق العالمي حيال المخاطرة يجعل القرن العشرين «ليس منتهياً» وإنما «مستمراً» لأن معطياته لاتزال مستمرة. ويدعم جوناثان شل تحليلاته بالعديد من الاحصائيات ذات الدلالة مثل تلك الخاصة بعدد الرؤوس النووية التي يمتلكها العالم والبالغة 32 ألف رأس. إن وجود مثل هذا العدد الكبير من الرؤوس النووية لم يجد مسوغاته ومبرراته القوية في زمن الحرب الباردة، فكيف به في فترة ما بعدها؟! إن المؤلف يقسم القرن العشرين الى قسمين ينتهي أولهما مع نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945، أي انه يضم الفترة التي شهدت حربين كونيتين، والقسم الثاني ـ الذي لم ينته بعد ـ والذي شهد هدوءا نسبيا على جبهة «الحروب» لكنه ظل منضوياً تحت مظلة التهديد النووي. واذا كان مؤلف هذا الكتاب يبرر لجوء الولايات المتحدة الامريكية الى بناء ترسانة نووية ردا على التهديد السوفييتي (السابق) في ظل انقسام العالم الى معسكرين «متنافسين» كمشروعين اجتماعيين وسياسيين متمايزين، فإنه بالمقابل يطرح الكثير من التساؤلات حول الاسباب التي تدعو الولايات المتحدة نفسها للاستمرار في تعزيز ترسانتها النووية بعد «زوال» الخطر السوفييتي، وعدم بروز أية مصادر تهديد جديّة أخرى.. فهل هناك ما يتم في الخفاء؟ واذا كان المؤلف يقبل مثل الكثيرين غيره، بأن عصرا قد انتهى بنهاية الحرب الباردة، فإنه يطرح تساؤلات كثيرة ايضا حول «ماهية» و«طبيعة» المرحلة الجديدة، فترة ما بعد الحرب الباردة. إن العديد من سمات المرحلة السابقة مازالت مستمرة، فبالاضافة الى استمرار «القلق النووي» مازالت هناك بعض الانظمة الشمولية قائمة مثل الصين، رغم بعض دلالات الانفتاح عليها. لكن مع هذا يبدو ان عصر الانظمة الشمولية قد آذن على الانتهاء في أفق قريب. ثم انه من المستبعد جدا نشوب حروب عالمية جديدة بسبب السلاح النووي تحديدا. ولعل من المفيد التذكير هنا بأن الحرب العالمية الثانية قد انتهت عندما أعلنت اليابان استسلامها بعد ان ألقت الطائرات الامريكية قنابل نووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي. ويناقش المؤلف على عدد من صفحات كتابه مقولة «القرن العشرين القصير» والقائمة على أساس تقسيم تبناه عدد من المؤرخين ويقول بأن القرن التاسع عشر لم يبدأ عام 1800 وإنما عام 1789، عندما اندلعت الثورة الفرنسية الكبرى ولا ينتهي في عام 1900 وإنما في عام 1914، أي مع قيام الحرب العالمية الأولى، وبالتالي يبدأ القرن العشرون في عام 1914، أما نهايته فيحددها هؤلاء المؤرخون أنفسهم في عام 1989 أي مع سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي السابق، واذا كان المؤلف لا يعارض جذريا مثل هذا التقسيم فإنه يؤكد ايضا بأن استمرارية الرعب النووي لا تسمح بالحديث عن «قطيعة» في هذا المجال على الأقل. واذا كانت نهاية الحرب الباردة قد فتحت آفاقا جديدة مهّدت للحديث عن معاهدات سيشهدها العالم من أجل حظر التجارب النووية وقرب التصديق على معاهدة «سالت 2» بل ومن امكانية ابرام «سالت 3» و«سالت 4». وعلى هذا الأساس تبنى القادة الامريكيون خطابا يحمل الكثير من الطمأنة للشعب الامريكي والتأكيد بأن الجيل الجديد سيكون بمأمن تام من خطر السلاح النووي. اذا كان الأمر كذلك فإنه ينبغي عدم ترك الامريكيين «العاديين» يعيشون «وهم» عالم بلا نوويات، هذا في الوقت الذي لم تتوقف فيه، ولاتزال، الولايات المتحدة الامريكية مستمرة في تنفيذ برامجها النووية، بل ان القيادات الامريكية العليا تؤكد باستمرار على ان السلاح النووي سيظل بمثابة «حجر الزاوية» في السياسة الامنية للولايات المتحدة الامريكية. أما روسيا فقد تخلّت بصورة شبه كاملة عمّا كان ميخائيل جورباتشوف، آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي السابق، قد طالب به باستمرار بشأن النزع الكامل للأسلحة النووية وتدميرها، بل انها لم تصدّق حتى الآن على اتفاقية «سالت 2». أضف الى هذا واقع ان دولاً عديدة جديدة قد انضمّت الى «نادي مالكي السلاح النووي» مثل الهند وباكستان واللتين تعيشان في حالة شبه حرب مستمرة من أجل النزاع على منطقة كشمير. ويشير المؤلف في هذا السياق الى الاصوات الكثيرة التي تعالت مطالبة بالتحريم الكامل للأسلحة النووية، وقد شاركت في هذه الاصوات والنداءات الصادرة عنها قادة الحركات السلمية والمناهضة لاختراع أسلحة الدمار الشامل وانضم لهم عدد من السياسيين البارزين مثل الرئيس الامريكي الأسبق جيمي كارتر وبعض القادة العسكريين السابقين. لقد رأى الجميع في نهاية الحرب الباردة فرصة تاريخية للتدمير الكامل للسلاح النووي. لكن هذا يقتضي اقناع الدول الثماني المالكة للسلاح النووي الاتفاق على ضرورة تدميره، وان توقع كل من الهند وباكستان واسرائيل بدورها على معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية مثلها مثل بقية أعضاء «النادي النووي». ويرى جوناثان شل بأن تبنّي مبدأ التدمير الكامل للأسلحة النووية سيضع ما كانت الحكومات الامريكية تردده وما كان يؤمن به الشعب الامريكي عامة ما بين عام 1946، أي بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة وحتى سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991، على المحك.. إذ ستظهر مصداقية الاطروحة القائلة بأن أصحاب القرار الامريكيين قد تحملوا المخاطرة بانقراض الجنس البشري بفعل الاسلحة النووية بدافع الخوف من تهديد أركان الحرية في العالم بسبب سياسة الاتحاد السوفييتي. فالولايات المتحدة كانت تريد كما كان يتردد في الخطاب الرسمي، ومنذ عام 1946 تحريم السلاح النووي، الا ان الاتحاد السوفييتي حال دون ذلك. ومع انهيار الاتحاد السوفييتي برز الحديث من جديد للحث على حظر الاسلحة النووية. وضمن هذا المنهج من التحليل يتم التأكيد على أهمية الرقابة على التسلح للحد من انتشار الاسلحة النووية وتهيئة الظروف السياسية لنزع السلاح النووي بشكل كامل. ويؤيد المؤلف بهذا الصدد الرأي القائل بأن الاسلحة النووية لم تكن هي السبب في زيادة حدة الخلافات السياسية خلال فترة الحرب الباردة وإنما كانت هذه الخلافات السياسية الحادة هي التي تساعد على زيادة السباق من أجل التفوق النووي. هذا في وقت كان العداء الغربي للشيوعية حقيقيا وعميقا، وحيث كانت تسود في الغرب قناعة تقول بأن السلاح النووي هو الذي يحمي من الشيوعية. وعلى هذا الأساس ليس مستغربا ان يصبح ألد أعداء الشيوعية خلال فترة الحرب الباردة هم أكثر المتحمسين لانهاء السلاح النووي. والقسم الثاني من هذا الكتاب مكرّس عمليا لدراسة السياسة الامريكية في فترة ما بعد الحرب الباردة. ويستهل المؤلف تحليلاته بطرح بعض الاشكاليات المستعصية على الحل التي يطرحها «التاريخ» احياناً أمام العالم. وهذا ما يمكن ان يمثله بروز نجم هتلر في ثلاثينيات القرن العشرين، حيث بدأ بوضوح منذ فترة مبكرة بأنه يشكل تهديدا حقيقيا بالنسبة للديمقراطيات الغربية التي تمتلك آنذاك الارادة الصادقة والمصممة لمواجهته، ثم ان معظم المؤرخين يتفقون اليوم على القول بأنه كان يتعين على هذه الديمقراطيات ان تتصدى للنازية منذ بداياتها، وهذا ما كان رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل قد طالب به مرارا وتكرارا. لكن آراءه لم تلق أي صدى في تفكير الساسة الاوروبيين خلال الثلاثينيات كي تكون الحرب العالمية الثانية والملايين من ضحاياها «ثمنا» لكبح المشروع النازي. واثناء الحرب الفيتنامية، كمثال آخر، كان أمام الولايات المتحدة خياران فإما الحرب واحتلال فيتنام من قبل القوات العسكرية الامريكية أو الانسحاب والهزيمة. وهذان الخياران كلاهما كان يترتب عليهما ثمن سياسي باهظ جدا. هكذا كان الاحباط كبيرا في المعسكرين. فمعارضو الحرب كانوا يطالبون بالانسحاب دون ان يعني ذلك بالنسبة لهم الهزيمة، وكان مؤيدو الحرب يعتقدون بأن النصر وشيك. وبين الاثنين كان الحل السياسي هو الخيار الصعب.. وفي النهاية دفع الشعبان الامريكي والفيتنامي ثمن تلك الحرب. والحال كذلك، كان هناك باستمرار تناقض بين السياسات المثالية والسياسات الواقعية، واذا كان هناك تمايز بين الخيارات التي أدت الى صعود هتلر للسلطة وبين خيارات الحرب الفيتنامية، فإن هذا مرهون بخصوصية الواقع السياسي والواقع المتعلق بالظروف. وعلى الصعيد النووي في فترة ما بعد الحرب الباردة تبدو البدائل الحقيقية غير مقبولة سياسيا من قبل المعنيين بها، في حين ان الخيارات ـ البدائل ـ المقبولة سياسيا هي غير واقعية بشكل عام. إن البدائل الحقيقية في ميدان التسلح النووي تشير الى احتمالين فإما ان تنتشر الاسلحة النووية دون أي قيود، وهذا ما يسميه البعض بـ «الفوضى النووية» وإما ان يتم نزع السلاح النووي كله عبر معاهدة دولية تضمن حسن سيره. وتبدو سياسة الولايات المتحدة الامريكية متناقضة الى حد بعيد إذ انها تقوم على محاولة منع انتشار الاسلحة النووية مع مواصلة الاحتفاظ بما لديها من تسليح في هذا الميدان، وهي بذلك تتراوح بين «سياسة التهدئة» خلال عقد الثلاثينيات وبين «التصعيد» منذ حرب فيتنام. ومثل هذه المواقف «التردد» يحجب القرارات التي ينبغي اتخاذها ويؤجلها. وكل من يتولى الحكم عليه ان يختار وتلك السياسة تعني تفادي أي اختيار. وعدم وجود أي قرار في مجال النوويات يعني ببساطة سيادة خيار ملموس «واقعي» محتمل بدون أية رقابة أو سيطرة.. أو بتعبير آخر الوصول الى حالة «الفوضى النووية». وفي مواجهة تزايد الخطر النووي قامت عدة محاولات للتصدي له عبر اللجوء الى مجموعة من الاجراءات الرامية الى الرقابة على التسلح النووي بحيث تستند هذه الاجراءات كلها على أربع ركائز رئيسية جرى التفاوض بشأنها لعشرات السنوات. ورغم عدم ارتباط هذه الركائز بعضها بالبعض الآخر، الا انه أمكن ايجاد نوع من التواؤم فيما بينها. وتمثلت هذه الركائز أولاً فيما ترتب على المفاوضات بين واشنطن وموسكو لخفض عدد الأسلحة النووية وما انتهى الى معاهدة الحد من الاسلحة الاستراتيجية «سالت» ومعاهدتي «ستارت 1» و«ستارت 2»، وشكلت معاهدة الصواريخ «الباليستية» الموقعة عام 1972 والتي وافق عليها الامريكيون والسوفييت ضمن نطاق العمل من أجل السيطرة على النظم الدفاعية المضادة للسلاح النووي، وكان الطرفان قد قبلا بمقتضاها تحديد عدد الصواريخ المعنية. وتتمثل قاعدة الركائز الثامنة في «معاهدة حظر انتشار الاسلحة النووية» والتي يعتبرها المراقبون ومن بينهم مؤلف هذا الكتاب، أكثر معاهدات الرقابة على التسلح النووي نجاحا وفاعلية. وتقسم هذه المعاهدة الدول الى شقين: الدول التي لا تمتلك أسلحة نووية وتتعهد بعدم امتلاكها والدول التي تمتلك أسلحة نووية ويسمح لها بالاحتفاظ بها لوقت محدد. وقد صادق على هذه المعاهدة 182 دولة لا تمتلك سلاحا نوويا، لكن يحق لنا الحصول على تكنولوجيات معينة خاصة بالطاقة النووية «لاستخدامات مدنية». هذا بالاضافة الى تصديق خمس دول مالكة للاسلحة النووية وهي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا. وتشكل مفاوضات منع التجارب النووية التي بدأت مع الرئيس الامريكي ايزنهاور وترمي الى الحد من سرعة السباق نحو التسلح النووي باعتبار ان التجارب وسيلة لتطوير مثل هذه الاسلحة. ويحذّر المؤلف في ختام كتابه من الخطر الذي يتزايد مع مطلع القرن الحادي والعشرين. فبعد موجة بالتفاؤل التي برزت بشأن امكانية وضع حد للأسلحة النووية، قامت الهند بخمس تجارب نووية عام 1998 وردت باكستان باجراء سبع تجارب مما جعل احتمال المواجهة قائما خارج حدود الحرب الباردة، كما شرعت كوريا الشمالية ببذل الجهود لصناعة رؤوس نووية وصواريخ لحملها. ويرى مؤلف هذا الكتاب انه من غير المستبعد ان تكون ايران قد امتلكت السلاح النووي. ولايزال الرعب النووي قائما.. والقرن العشرين «لم ينته بعد»!